محمد الجزائري .. عمر منذور للمحبّة والجمال

في تأبين نشر عام 2015، يتتبع عبدالرزّاق الربيعي محطات من حياة محمد الجزائري، من النقد والرسم والصحافة الثقافية إلى الغربة، مستعيدًا لقاءاته وابتسامته ومؤلفاته.

محمد الجزائري .. عمر منذور للمحبّة والجمال
Atheer - أثير

عبدالرزّاق الربيعي

 

أكثر من صورة مطبوعة في ذاكرتي للناقد محمد الجزائري الذي ودّع عالمنا الجمعة الماضي في مغتربه ببلجيكا ، كلّها ممهورة بابتسامة عذبة لم تفارق وجه صاحبها ، رغم مروره بظروف صعبة على المستوى العام ، و الشخصي منها وفاة زوجته مطلع التسعينيّات ، ومهاجمة مجموعة من اللصوص لبيته وسرقة سيّارته ، وقبل ذلك اغلاق مجلة”فنون” التي كان يرأس تحريرها في الثمانينيات ، وبقائه لسنوات بدون عمل، ومن ثمّ أمضى رحلة طويلة في الغربة توزّعت بين عدّة عواصم عربيّة وأوربية ، ولم ينقطع خلالها عن مشروعه النقدي ، والإبداعي فانكبّ على الكتابة ،في العديد من المجالات التي كان قلمه بها يجري سيّالا ، في النقد الأدبي ،والفني ،والمقال الصحفي ، وكتب العديد من سيناريوهات الأفلام التسجيليّة التي نالت جوائز في مهرجانات سينمائيّة دوليّة، وأذكر إنّني عرضت عليه إجراء مقابلة معه لجريدة”الجمهورية” في مطلع التسعينيّات ببغداد، عندما كنت أعمل محرّرا ثقافيّا فيها، فطلب منّي أن أعطيه الأسئلة، وبعد أيّام زارني في الجريدة، ومعه الأسئلة ،والإجابات مكتوبة بخط أنيق باستخدام أقلام ملوّنة ليميّز السؤال عن الجواب، والعناوين ، ولم أفاجأ بهذه الأناقة لأنّ الجزائري كان رسّاما ، أيضا، وقد حدّثني في لقائي الأخير معه الذي جرى في يناير الماضي بمقهى في الشارقة ،وكنت بصحبة الصديق الشاعر يحيى البطّاط عن أعماله الفنيّة التي رسمها في بلجيكا ،وكان يستعدّ لأكثر من مشروع فنّي لتأسيس جماعة فنيّة، ورغم نيله درجة الدكتوراه في النقد الأدبي إلّا أن هذا لم يمنعه من العودة إلى مقاعد الدراسة للحصول على شهادة البكالوريوس الرسم بأكاديمية سانت لوكاس البلجيكية

 

في ذلك اللقاء الذي دام ساعات فتح ذاكرته، وتحدّث عن سنوات شبابه التي أمضاها في العمل السياسي كواحد من اليساريين الذين دفعوا ثمن مواقفهم ،في الخمسينيات والستينيات، فتعرّض للسجن في”نقرة السلمان” وأصيب بساقه في إحدى التظاهرات ، وأوقف عن العمل ، لكنّ تلك الظروف لم تهزم ابتسامته،ولم تكسرها، وكان يسترجعها ،وكأنّه يروي موقفا رومانسيّا مرّ به في شبابه، وبعد أن أغلق المقهى أبوابه ، ودّعته، واتفقنا على اللقاء ببلجيكا ، لكنّ اللقاء لم يتحقّق ، بسبب انشغالي خلال زيارتي لبلجيكا بظروف زوجتي الصحيّة، ووجود محلّ سكناه في مدينة بعيدة عن محل اقامتي، وبقيت أمنّي النفس بلقاء آخر معه ، لكنّ الموت كان في عجلة من امره ،فخطفه بعد تعرّضه لأزمة قلبيّة ، فلفظ أنفاسه في مستشفی الجامعة في مدینة خنت البلجیکیة عن عمر 76 عاما ، تاركا العديد من الإصدارات التي أبرزها :حين تقاوم الكلمة ،ويكون التجاوز (دراسات نقدية معاصرة في الشعر العراقي الحديث 1974،وأسئلة الرواية (دراسة نقدية) جدل الرؤية والتسجيل في الرواية العربية المعاصرة 1989،مقامات الحريري (دراسة نقدية وكتابة ثانية للمقامات)/1990، خطاب الإبداع (دراسة نقدية حضارية) الجوهر، المتحرك، الجمالي/1993، الجوّاب يتذكر (دراسة نقدية وسيرة) خطاب العاشق (ميثولوجيا ورؤى) 1996 من الواقعية إلى الفنتازيا (دراسة نقدية تشكيلية) ،المشهد التشكيلي في العراق، حالات عشتار (دراسة نقدية وسيرة) ، احتلال العقل (دراسة فكرية): وآلة الكلام: (النقدية) (دراسة نقدية في بنائية النص الشعري) القاتل والضحية: (دراسة نقدية: ميثولوجيا وشعر)، النحت العربي المعاصر: (رؤى وتجارب) ،وعي الضد: (دراسات نقدية في آن الشعر: نص الاختلاف والحرية،

 

وجهوده في الصحافة الثقافيّة معروفة ،فقد أسس مجلات ومطبوعات متخصّصة،من بينها مجلة”رواق” المتخصصة بالفنون التشكيليّة، كما لعب ادوار قيادية في العديد من المجلات .

ولم ينس قبل رحيله أن يهنيء الأصدقاء بالعيد فكتب على صفحته في “الفيسبوك يوم15 من الشهر الجاري، أي قبل رحيله بتسعة أيّام “عيدكم مبارك أيّها الأصدقاء: ربما يخيب ظن الناس الذين لم يضع أطفالهم حذاء جديدا ً وفستانا ً أو حتى دشداشة ، تحت وسائدهم في انتظار فجر العيد”، وختمها بالسطور التالية” سأنتقل إلى شقتي الجديدة غدا ً، ومنذ الغد حتى يأزف موعد التقني الانترنيتي ، سأكون خارج نطاق الشبكة منقطعا ً، وخارج عنواني الحالي منتقلا ً”

وكأنّه يعلم إنّه سينتقل إلى المكان الذي لا عودة لساكنيه

وإذا كانت آخر كلمة قالها الشاعر نزار قبّاني في حياته هي “شكرا” لابنته بعد أن ناولته كأس ماء ،وكان في المستشفى ، فإنّ آخر كلمة للجزائري كتبها في صفحته هي “أحبّكم!” مختتما تهنئته، ورحلة عمر نذره للمحبة ،والجمال .

شارك هذا الخبر