محمود درويش وطن ليس عابرا

في مقالة نُشرت عام ٢٠١٥، استعاد سعيد الصقلاوي جذور شعر المقاومة الفلسطيني، وقرأ تميّز محمود درويش في اللغة وقربه من تطلعات الجماهير إلى الكرامة والحرية.

محمود درويش  وطن ليس عابرا
Atheer - أثير

* سعيد الصقلاوي

 

ليس من السهل أن تشرع سفنيك في بحر غضب التحولات الكبري في الوطن العربي. تحولات أفضت الي تراجع مفردات ارتهنت الي سياقاتها وأرتكنت الي سيرورة الانكفاء على ذات مشدودة الى ذاتها، وقد قنعت من الغنيمة بالاياب. وافرزت مفردات اخرى ارتكزت على انطلاق طموحاتها معتصمة بثوابتها المتوقدة من الثقافة العريضة العميقة و الدين المحور و الجغرافيا المشكلة لكينونة الوحدة و الحتمية، تأمل أن تمسك بخيوط حلم منشود .
في خضم ذلك التلاطم انطلق ما يسمى بشعر الرفض او شعر المقاومة المعاصر وقد عرف هذا الشعر في الادب العربي بشعر الاستنهاض وسمي قديما بشعر الحماسة.
ومنذ اغتصاب فلسطين في عام 1948 م ، ظهر شعر المقاومة الفلسطيني على وجه الخصوص ، علي يد فرسان الشعر المقاومين في ميدان القتال كعبد الرحيم محمود الذي استشهد مقاوما والذي يتغنى بابياته ابناء أمته.


سأحمل روحي علي راحتي
والقي بها في مهابى الردي
فاما حياة تسر الصديق
واما ممات يغيض العــــدا
ونفسى الأبي لها عايتان
وورد المنايا و نيل المنى




وفي المقابل اتخذت الثقافة من الاعلام منبرا للمقاومة فكان ابراهيم طوقان الذي كتب نشيد ( موطني) وكتب للشهيد

عبس الخطب فابتسم
و طغى ا لهول فا قتحم
رابط الجأش و النهى
ثابت القلب و القدم
لم يبالي الاذي ولم
يثنه طارئ الالم
نفسهطوع همة
و جمت دونها الهمم





وسار في ذلك هارون هاشم رشيد ابو سلمى

سنرجع يوما الي حيفا
ونقرق في دافئات المنى
سنرجع مهما يمر الزمان
و تنأى المسافات مابيننا



و التي تغنت بها فيروز و نشيد:

أنا لن أعيش مشردا
أنا لن أظل مقيدا
أنا لي غد وغدا
سأزحف ثائرا متمردا



 

وكذلك كان كمال ناصر الشاعر المبدع. ولعل فدوي طوقان الشاعرة من اوائل من قدمت شعر المقاومة بصورة تتلمس اقترابا وحنينا مشاعر المعذبين و المضطهدين. فقد حملت وطنها ذكري في كل اشعاره.

هذه الارضية شكلت منطلاقا شعريا انتجه سميح القاسم و توفيق زياد ومعين بسيسو ومحمود درويش. وكانت رؤي هؤلاء متقاربة ونزاعاتهم للمقاومة و الوحدة واتجاهاتهم الشعرية والاسلوبية متجاورة ولعل محاولات الإفصاح عن الوجود الفلسطيني الي العالم انطلاقت من العمليات الفلسطينية التي قادها فدائيو فلسطين في الداخل والخارج وكانها تاتي ترجمة لقصيدة محمود درويش (سجل أنا عربي).

 

في المرحلة الابتدائية في الستينات قرأت علي صفحات مجلة البيان الكويتية التي تصدرها رابطة الادباء الكويتية، شعر محمود درويش وسميح القاسم وتوفيق زياد ومعين بسيسو وغيرهم من شعراء المقاومة القلسطينية. كان محمود درويش متميزا في لغته و مقتربا من الجماهير ومقتدرا في تعاطية بما يحس ويشعر به المعذب الفلسطيني و المأزوم العربي و الطامح الي كرامة وحرية الوطن .

 

وجاءت هزيمة 1967 م غاشية عمت الوطن و المواطن العربي. كسرت اجنحة حلمه التواق الي الحرية و الانعتاق. كانت هذه الانكسارة باعثا قويا لروح المقاومة و الرفض تجلت في رفض الجماهير العربية استقالة الرئيس جمال عبد الناصر، وفي رفض الهزيمة ، وفي قبول تحدي المقامة والانتصار. ولا زالت الجماهير العربية والاسلامية متمسكة بخيارها. وكان هذا الرفض وقود الشعر والمقاومة الذي داوم علي قبض جمرة محمود درويش.

 

وكما أن أساليب المقاومة قد تنوعت واخذت بالوسائل الحديثة و المتطورة، كذلك فعل محمود درويش في شعرة اسلوبا حديثا متطورا، وكما كانت المقاومة متمسكة بثوابت الهوية العربيةالاسلامية وعدم قبول المسخ ، كذلك كان محمود درويش عربي اليد و اللسان وانساني التوجه .

 

إن محمود درويش وطن جريح يستشفي بترياق المقاومة الامل فينضح خضرة حب أوردة الانسانية ويرف سلاما وسكينة علي النفس البشرية. يشتعل مقاومة ضد القهر و العدوان و الظلم . فحصان شعرة لن يكون وحيدا، بل ستمسك زمامه أمته. وهو لن يكون كلاما عابرا وانما سوف يتحقق في الوجود الانساني . وان خبز أمه سوف يكون مهوى لكل المريدين. و قهوة أمه سوف تضوع رائحتها في ذائقة الشعرية العربية المتعاصرة.

 

شاعر ومهندس معماري عماني

شارك هذا الخبر