تحليل ورأيقواربُ النجاةِ ناقل رسمي للموتِ
في سبتمبر 2015، قدّم موسى الفرعي تأملًا حادًا في صور الأطفال الغرقى، محذرًا من الاتجار بالمأساة ومن انفعال عابر لا يواجه الحرب والصمت واللامبالاة.
أثير – موسى الفرعي
من عاداتِ الموجِ أَنْ يَرمي على أَقدامِنا زجاجةً تَحملُ رسالةَ حبٍّ أو أصدافاً، أَو لِنقلْ هكذا كنّا نتصوَّرهُ برومنسيةٍ عالية، وها هو يُلقي على أَقدامنا جثثاً وأطفالاً غرقى لا ذنبَ لهم سوى أنهم كانوا يبحثونَ عن الحياةِ.
لقدْ أَصبحتْ قواربُ النجاةِ ناقلاً رسمياً للموتِ.
مَن لمْ يبكِ من قبلُ فهذا وقتُ البكاءِ على نفسهِ فـ والله إن ذلك الطفل في رقدتهِ تلك أَعظمُ ممن يتاجرونَ بِصورةِ جثَّتهِ لاستنهاضِ البشر، ويستجدونَ بها إيقافَ الحربِ والدمويةِ اللا نهائية.
ألم يَخجلْ القاتلُ من القتيلِ، ألم يَخجلْ المتاجرُ بالصورةِ من نَفسهِ ومن أَصابعهِ لحظةَ النشر، ألمْ تَخجلْ ملايينُ القلوبِ العمياء التي تتكسَّرُ في لحظاتِ الانهيار الاقتصادي ولا يَهتزُّ لها جفنٌ حينَ تَقتلُ الأطفالَ والنساءَ بكلِّ هذا الصمت وهذا العجزِ والتردي، أَعلمُ جَيداً أن الهدفَ تَحريكُ الضميرِ الإنسانيِّ ولكن علينا البحثَ عن الضميرِ أولاً وعن أسبابِ الموتِ وذنوبه، لو كانت ثمة قلوب لقضي الأمرُ.
في الوقتِ الذي خَرجتْ فيهِ المظاهراتُ لتملأَ الشوارعَ الأوروبيةَ مُطالبينَ باستقبالِ اللاجئينَ السوريينَ نَجدُ الشعبَ العربيَّ بَطلاً منتصراً من الدرجةِ الأولى في سَاحاتِ التواصلِ الاجتماعيّ، أغاية الانتصار تلك؟ لا شيء يسكن تلك الطريق الفاصلة بين القاتل والقتيل إلانا نحن الذي نتابع ونلقي كل تلك الصور والمشاهد في بئر من اللامبالاة بعد الانفعالِ اللحظي الذي يُولِّدهُ ما تبقى من إنسانيتنا.
لستُ أدري..!! إنها حالةُ اللا تزان الكليِّ والخوفِ الكليِّ والغيابِ الكليِّ للإنسان، فكيف يُمكنُ أن نَلعنَ أو نُبارك كيف يُمكنُ أن يَحيا الإِنسانُ في دائرةِ الموتِ هذه، أو يموتَ بشكلٍ بطوليِّ في خِضمِ كلِّ هذا القبح المتفشي في عالمنا.
كلَّنا مسؤولون عن كلِّ دمعة غادرت بياضَ العيون
كلُّ واحدٍ منا قاتلٌ ومقتولٌ .. كلّنا أموات وإن مشينا على أقدامنا.
وكلّهم أحياء وإن رمتهم الأمواجُ جثثاً هامدةً.. ولا صُلحَ سيعقدُ بين القتيل وقاتله.
فمَن لمْ يبكِ من قبلُ فهذا وقتُ البكاءِ على نفسهِ.