تحليل ورأيالهند حيثُ أُصبنا بالفرح
كتب موسى الفرعي من بانجلور في 17 سبتمبر 2015 عن عودته بعد ستة عشر عامًا، مستعيدًا وجوه الجيران ورفاق الدراسة وأثر الهند في تكوين معرفته ورؤيته.
موسى الفرعي
الهند – بانجلور
17 – 9 – 2015 م
ذات البلاد بتعددِ أَديانها وتوحّد إِنسانها، بِشوارعها البسيطةِ المكتظةِ بالحكمةِ، الحياةُ هنا التي ما زالت مستمرةً بالإِنسانِ الراكض لتأمينِ حياةً كريمةً له وعائلته، الجيرانُ الذين قبل ستة عشر عاماً عرفتهم أرواحاً بسيطةً ووجدتهم أكثرَ بساطةً وكرماً.
كلُّ ذلك كان من أهم عناصر تكويني أثناءَ فترةِ الدراسة هنا لأكون أنا ما أنا عليه الآن، إنها الهند – مدينة بانجلور بالتحديد حيثُ كنت ُهنا قبل ستة عشر عاما وها هي ذاكرةُ المكانِ تَقرأُ لنا كلَّ التفاصيل التي كانت، والوجوه هنا ما زالت تَحملُ في ملامحها كلَّ الذي كان.
هذه شوارع بانجلور أذرعها شبراً شبراً برفقةِ زميل الدراسة والسكن والغربة “حسن “.
كلُّ شيءٍ على حاله مع بعض الملامح العصرية للمكان والتي لم تتمكن من هزيمةِ الإنسانِ والذاكرة، هنا كانت “مسعودة” تُطلُّ علينا بشكل يومي كي تطمئن علينا لا لشيء بل لأن قلبا نابضا بالإنسانية والمحبة يسكنُ خلف أضلعها ، وهناك عاملة المنزل ” خالة رضية ” التي كانت تُعدُّ لنا طعامنا دون أن ندري أن ذاك الطعام البسيط سيكون ذكرى ثرية وشريطا طويلا من الامتنان لها، لم تتغير “الخالة رضية” كثيرا لم ينل منها العمر سوى أن أهداها هذا الكرسي المتحرك دون أن يعقل أنه يحمل عمرا من العطاء الأمومي الذي يستشعرها كل من مرَّ بها، ودون أن يعلم أنه يحمل ذاكرة هي نحن فإن كان الكرسي المتحرك قد حال بينها وهذه الأرض فإنها ما زالت فتية في أذهاننا كما كانت عليه من قبل.
أحدثكم عن الهند هذا البلد الكبير جغرافيا والكبير بإنسانه ومبدعه في كافة العلوم وروافد العلم والمعرفة وليس تلك الصورة النمطية التي أخذها البعض لأنه لم يرَ سوى أنموذجا بسيطا جدا خارج هذه الجغرافيا.
أحدثكم عن الهند حيث كنا هنا ذات فرحٍ كبير وتكوين أكبر، الهند التي سقتنا الغربة ولكنها الغربة التي كوّنت معرفتنا وساعدت في اتساع مداركنا ورؤيتنا.
الغربةُ التي نراها اليوم بعيون ما نحن عليه فنراها وطنا ثان، فهنا ثمة ذكريات، ضحكات وبكاء، هنا لعبنا وتركنا ساعات وأياما وشهورا من أعمارنا، هنا كانت الأوراق البيضاء مرايا سحرية نرى من خلالها عُمان بكلِّ ما تحمله، وهنا كنا نرسم على الرمل بيوتا يمكن أن نسكنها ذات يوم.
أحدثكم عن الهند أيها الأحبة حيث أُصبنا مرة أخرى بعد ستة عشر عاما بالفرح ورأينا سنوات من أعمارنا تتراقص إزاء أعيننا.
أحدثكم عن الهند التي أحببناها قبل ستة عشر عاما وعُدنا إليها بعد ستة عشر عاما لنحبها أكثر.