أحمد بن هلال العبري
توقفت حافلة رحلة #نزوى_ملهمة_الشعراء شرقي جامع القلعة (جامع نزوى قديما)، لأضع أول خطواتي على تربة طاهرة بتاريخها الزكي مع ايقاعات الرزحة النزوية، مرحبين بخمسة وعشرين شاعرا وإعلاميا يزورونها في عام تتبوأ فيه عرش عاصمة الثقافة الإسلامية.
ألتفت حولي فإذا بي أرى (العقر) على يساري و(سعال) من ورائي و(سمد) على بعد دقائق في جهة الشمال، يهمني تحديد الاتجاهات كي لا أتوه في تلك العراص المزدحمة مجدا وفخارا، والتي حين أكتب اسمها في محركات البحث العلمي والتاريخي تتكون لدي مجلدات من روابط الذاكرة النزوية ما بين عالم وكتاب وأثر وحدث.
(المقدسي والإدريسي في نزوى)
بعد صحار التي يصفها ياقوت الحموي في (معجم البلدان) بأنها قصبة عمان، تأتي (العقر) و(سعال) في صفحات (نزهة المشتاق في اختراق الآفاق) للإدريسي الذي عاش في القرن السادس الهجري والمولود في مدينة سبتة المغربية. أما المقدسي في القرن الرابع الهجري ( أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم ) فيقول ” وأما عمان فقصبتها صحار ومدنها: نزوة (نزوى)، السر، ضنك، حفيت، دبا، سلوت، جلفار، سمد، لسيا، ملح.” ربما “بسيا” و”منح”.
إشارات مهمة لنزوى وبعض قراها، والتي هي بمثابة مدن في ذلك العصر مقارنة مع ما حولها، ما الذي يجعل هذان المؤرخان يخترقان الآفاق لمعرفة مدينة تبعد آلاف الكيلومترات، وما الذي يضيرهما لو تجاهلاها كما هو الحال لدى العديد من الباحثين او المؤرخين المتأخرين – سامحهم الله- رغم وجود وسائل البحث والاتصال والتواصل. ليست لدي إجابة مقنعة، بل تتوالد في ذهني أسئلة عديدة وأنا أعبر تلك العراص التاريخية المضمخة بعبق الأمجاد.
(هنا نزوى)
نعم ، هنا نزوى، نزوى التي قبل المقدسي والادريسي والحموي وغيرهم، من أين أبدأ تتبع سطور التاريخ، هل أختزل الجهد فأقرأ عليكم ما ورد عنها إبان مجيئ مالك بن فهم إلى عمان؟ أم أحفر في ذاكرة اللغة لأعرف أصول حارة خراسين لأقول إنها مشتقة من خراسان، أم حارة كرادسيين من كاردستان وبستان خوارزم وبستان ميرزا و وادي كلبوه الذي أصله وادي جلبوه أي وادي الزهور؟ لن ننتهي في حصر الأسماء داخل نزوى وخارجها وصولا الى قلعة روغان في بلدة المسفاة في الحمراء أو اسم مدينة الرستاق وغيرها، أتمنى لو انني تخصصت في اللغة الفارسية لأغوص فيها وأعيد قراءة الأسماء والتاريخ. وعموما لا يعنيني الآن مدى ارتباط الأسماء بالفارسية بقدر ما يعنيني سر انجذاب الفرس للاستقرار في هذه الأماكن لترسخ الأسماء في الذاكرة على مدى آلاف السنين. أم سأبذل جهدا أكبر لأحفر بيدي في ما لم يكتشف بعد في المستوطنة المكتشفة على سفح جبل الحوراء، والتي يعود تاريخها إلى العصر البرونزي المتأخر وبداية العصر الحديدي (1200 – 1000 ق.م) لعلني أجد وصية منقوشة على صخرة غطتها طبقات الأتربة التي جرفتها الأودية، بعد أن محت ما حولها من بيوت ومزارع. أم سأقفز إلى الأف الثالث قبل الميلاد مستدلا بكتابات تعود إلى الحاكم كودي (2144 – 2124 ق.م) متحدثة عن مدينة جوبن. والتي هي وفق الدراسات المسمارية في منطقة الجبل الأخضر. هل “جوبن”هي نزوى؟ أم كانت نزوى على مقربة منها لتكون معبرا للراحلين منها وإليها؟.
إشارات تاريخية تجعلني أنظر لكل تل في نزوى وكأنه كنز أثري لم يكتشف ما تحته أو على جوانبه بعد، لم لا ؟ّ! فقد وجدت مدن تحت الأرض بعدة أمتار في أماكن لا تخطر على بال أحد.
(نزوى بين ازكي ودمشق)
هكذا رأيت نزوى في لحظة عابرة أعود فيها للذاكرة، أي مدينة عربية أقدم؟ سؤال لا يعني البائع الوافد الذي حاول أن يغريني بشراء تحفة بخمسة ببضعة ريالات، أنا لم أقرأ كثيرا عن دمشق ولا عن ازكي ولا بهلا ولا كدم ولا بات ولا سمهرم، لست مؤرخا وليست لدي هواية بالتاريخ، لسبب بسيط، وهو إنني لا أجيد حفظ الأسماء والتواريخ، لكن التاريخ زمانا ومكان يستهويني للتفاعل معه باعتباره مقطع من الحياة الإنسانية، لذا حينما أقرأ في التاريخ لا تسلني عن معلومة ولكن تحسس مشاعري لتعرف طعم التاريخ وأثره. حسنا سأعود للبحث للحصول على معلومة جديدة عن كل مدينة من مدننا القديمة سواء دمشق أو حلب أو صيدا أو صور أو الرستاق. ولا يعنيني أيها أقدم ، وإنما هو تتبع البدايات الي قامت عليها حضارة ممتدة.
(قبل أذان بلال بساعتين)
حين اقتربت من مسجد الشواذنة في (العقر) تردد في داخلي صوت تكبيرات في العام الهجري السابع، يرتفع صوت المؤذن قبل ساعتين من تكبيرات بلال في مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم، ومن بعده جامع سعال. وكأنني أرى عمرو بن العاص في العام الثامن يدخل صحار برسالة الرسول صلى الله عليه وسلم إلى عبد وجيفر ملكي عمان بينما يتردد صوت المؤذن في جبال نزوى وسمائل. ولا أدري هل يعرف عمرو بذلك ليزف الخبر إلى النبي صلى الله عليه وسلم أم كان الإسلام ينتشر في نزوى وما حولها بعيدا عن علم عبد وجيفر ابني الجلندى ، وأكاد أجزم بعلمهما لما هما عليه من سلطان في عمان.
(نزوى مسقط رأس جابر ومنفاه)
على بعد بضعة فراسخ من (العقر) تستقر بلدة (فرق) التي ترتبط في الذاكرة العمانية بإشراق أنوار الإمام التابعي جابر بن زيد رضي الله عنه فيها في عام 21هـ ، متى سافر الإمام جابر إلى خارج عمان؟ كيف ودع فرق وما حولها؟ أين مشى في (العقر) قبل وداعها كما نحن نمشي عليها الآن؟ كم مرة صلى في مسجد الشواذنة؟ طاف متعلما وداعيا في المدينة ومكة وبغداد وربما ذهب إلى دمشق، لكن لا يثبت ذلك إلا في خيال الشاعر، ها هو يعود إلى نزوى بعد أن نفاه الحجاج الثقفي. أراه مستندا على جدار مسجد الشواذنة وجامع سعال ليؤسس هنا لنهضة علمية وحضارية، ما ضاقت عليها بغداد وما حولها، إنما ضاق صدر الحجاج الثقفي لتنعم عمان بعودة جابر. ومن بعيد يتقدم إلى (العقر) شخص في لهفة إلى (العقر) بعد فراق مرير لسنوات إنه النزوي العقري العلامة أبي المنذر بشير بن المنذر أحد حملة العلم إلى عمان من مدرسة البصرة.
تدب الحياة في (العقر) وما حولها، وكأنني أسمع محدثا في مساجد نزوى بما تعلمه في مكة والمدينة والبصرة والكوفة. وفي جانب آخر من المسجد أرى أحد النزويين ينسخ المصحف الذي أحضره وأسفار الفقه التي جلبها معه لتتأسس بها مدرسة فقهية تستمر إلى الآن.
ولكن هناك شخص لم أره من قبل ، فيجيبني السليماني إنه العلامة الحتات بن الكاتب الهميمي من توام (البريمي حاليا) أحد (نقلة العلم) إلى عمان فقد كان ينزل سمد نزوى كما تذكر بعض المصادر.
(جذور الشجرة)
بعد قضاء الجيش العباسي في عام 134 هـ على إمامة الجلندى بن مسعود أول إمام عماني استمرت إمامته لسنتين بقيت عمان بعد ذلك تابعة للدولة العباسية، صاحبي يصحح لي فيقول لقد كان الوالي من عمان، حسنا لا يعنيني لك، ولكن أين ما تأسس من قبل؟ هل مات كل العلماء؟ أين تلامذتهم؟ لا ، لا .. ليس الأمر كما تظن يا ابا مازن. لقد ظلت جذور الشجرة حية في سفح الجبل الأخضر، وقد توهم غسان بن سعيد المحاربي قائد الجلندانيين فظن أنه في صبيحة أحد أيام عام 145 هـ قادر على اجتثاث جذور الشجرة فهجم على نزوى و(قتل منهم خلقا كثيرا) واتخذها مقرا له.
(عاجل من نزوى …. 177هـ)
وصَلَنا للتو :
– هرب الوالي راشد الجلنداني من نزوى، وقد أمر العلماء بهدم داره، وبذلك طويت صفحة للجبابرة من آل الجلندى ذراع الخليفة العباسي في عمان.
– نزوى تستقبل العلامة الشيخ موسى بن أبي جابر عميد العلماء في عصره وأحد حملة العلم إلى عمان، وبمعيته العلامة بشير بن المنذر والشيخ محمد بن المعلى الكندي، وعدد من العلماء.
(الزمان : القرن الهجري الثاني … المكان: نزوى عاصمة عمان الجديدة.)
– استيقظ الخليفة العباسي على صوت وزيره الذي كان يمشي بخطى ثقيلة إلى البلاط العباسي ليخبره بأن في نزوى إماما جديدا، اسمه محمد بن أبي عفان. ليحرك الخليفة عمامته مستفهما عنه؟ فيجيبه إنه من يحمد عمان لكنه نشأ وترعرع في العراق!!!!
– الخليفة العباسي يأمر بإغلاق ملف عمان، وتبقى حدود الدولة منتهية بوالٍ في البحرين ويسجل التاريخ تعاقب الخلفاء في بغداد والأئمة في عمان على مدى 100 عام، وكأن هذه البقعة منسية من البلاط العباسي أم أنها منطقة خطرة في قاموسهم السيايسي والعسكري. ولا يسمح بالاقتراب منها. كيف كانت الأخبار تصل عن نزوى؟ وماذا في ملف الدولة العباسية عن إقليم عمان؟ ولماذا لم يسعَ الخلفاء للسيطرة عليها طوال 100 عام؟؟ أسئلة لا إجابة لها في ذهني.
(25000 جندي عباسي في نزوى)
في عام 280 هـ يتحرك الوالي العباسي في البحرين إلى الخليفة في بغداد ليقدم له بشرى طال انتظارها 100عام، ها هي فرصتنا لندخل التاريخ، إنها نزوى التي كانت عصية على من سبقك تنتظر جيشك العرمرم يا مولاي. قبل أيام قدم إليَّ بعض رجالاتها مستعينين بي في خلاف بينهم، فقد انقسموا يمانية ونزارية. يصدر الخليفة توجيهه بتعبئة الجيش بقيادة الوالي (ابن نور) ليمد رقعة الدولة العباسية التي ينتظر الخليفة خراج سحابها حيث أمطرت. دخل 25000 ألف جندي نزوى عاصمة الإمامة الإباضية الثانية منهيا حكما دام 100 عام، حكم فيها ستة أئمة آخرهم الإمام عزان بن تميم رحمه الله
توسطت الشمس كبد السماء، والمؤذن يطرق بيده قليلا على مكبر الصوت مستعدا لرفع الأذان بجامع القلعة لصلاة الجمعة في يوم السادس والعشرين من ذي الحجة لعام 1436هـ الموافق التاسع من أكتوبر لعام 2015م لأطوي صفحة من التاريخ، مودعا العقر بعد انثيال ذاكرة البدايات في صفحات بيضاء هي مطلع سفر نزوي عماني لن ينساه التاريخ
ملاحظة: المعلومات الواردة في المقال من كتاب (مدينة نزوى في عهد الإمامة الإباضية الثانية) للباحث عبدالرحمن بن أحمد السليماني، النادي الثقافي، 2011م)