الأفلاج العُمانية: من إرثٍ توارثته الأجيال إلى تطبيق يُدار بنقرة زر

الأفلاج العُمانية: من إرثٍ توارثته الأجيال إلى تطبيق يُدار بنقرة زر
الأفلاج العمانية
أثير - محمد الدغيشي
في القرى العُمانية، ما زال بعض الأهالي يضبطون مواعيدهم بحركة النجوم لا بعقارب الساعة. حين يميل نجم “الثريا” عن مكانه المعتاد في السماء، يعرف صاحب الحصة أن دوره في الماء قد حان، فيفتح ساقيته وسط الليل، تمامًا كما كان يفعل جده قبل قرون. هذا هو “الدوران الفلكي” الذي يحكم نظام الأفلاج في عُمان منذ أكثر من 4500 عام، نظام لم يكن يومًا مجرد شبكة ري، بل عقدًا اجتماعيًا غير مكتوب حدد من يملك، ومتى يسقي، وكيف تُورَّث الحصة المائية من جيل إلى جيل.
اليوم، يقف هذا العقد القديم أمام اختبار مزدوج من جهة، تتوسع حوله منظومة علمية وتقنية عالمية النكهة، ومن جهة أخرى، تتكاثر حوله علامات الإهمال والانكماش في الميدان. والسؤال الذي يفرض نفسه ليس ما إذا كانت عُمان قادرة على توثيق تراثها المائي أو رقمنته، بل ما إذا كانت هذه الجهود المؤسسية قادرة على الوصول إلى الفلج الذي قد يحتضر فعليًا في قرية منسية، بينما يفضّل بعض أهلها انقطاعه على استمراره.

اليونسكو تمنح المشروع العُماني بُعدًا أوسع

جدّدت منظمة اليونسكو عام 2025م عقد كرسيها البحثي في جامعة نزوى لأربع سنوات إضافية، لكن التجديد لم يكن شكليا؛ إذ حمل الكرسي اسمًا جديدًا وهو “كرسي اليونسكو لدراسات الأفلاج وعلم المياه الاجتماعي”. هذا التغيير في المسمى ليس تفصيلًا لغويًا، فبحسب أستاذ الكرسي الباحث الدكتور عبدالله بن سيف الغافري، فإن التوسعة تستجيب لتوجه علمي عالمي يدرس العلاقة بين المجتمعات والمياه، من زاوية العدالة في التوزيع وسلوك الأفراد والمؤسسات تجاه هذا المورد، وليس فقط من الزاوية الهندسية أو الزراعية.
منذ تأسيسه عام 2021م واستنادًا إلى قاعدة بحثية أقدم تعود إلى 2012م، راكم الكرسي عشرات الأبحاث المحكّمة، ومقررات جامعية متخصصة، وشبكة تعاون دولية تمتد إلى اليابان وفرنسا وألمانيا وبريطانيا والمغرب وإيران. بمعنى آخر: الأفلاج لم تعد موضوعًا للتوثيق التراثي وحده، بل باتت حقل بحث أكاديمي متجدد يُصدَّر عُمانيًا إلى العالم.

“لمد”.. حين تلتقي الرقمنة بالدوران الفلكي

إذا كان الكرسي البحثي يمثل الذراع العلمية للأفلاج، فإن مشروع “لمد” يمثل ذراعها التقنية. وقّعت وزارة الثروة الزراعية والسمكية وموارد المياه اتفاقية لتصميم وإنشاء موقع وتطبيق لإدارة الأفلاج العُمانية إلكترونيا، بالشراكة مع كرسي اليونسكو نفسه، وبتمويل من صندوق التنمية الزراعية والسمكية.
ووفق الباحث الرئيسي في المشروع سلطان بن علي البوسعيدي، يقوم النظام على أتمتة جدول الري وفق القواعد التقليدية ذاتها التي يعمل بها نظام الدوران الفلكي للأفلاج منذ قرون، لكن رقميًا يتكون المشروع من ثلاثة عناصر: موقع تعريفي ومكتبة رقمية بحثية، ونظام أساسي لتسجيل ملاك الماء وحصصهم المائية وإمكانية توريثها أو بيعها إلكترونيًا، وتطبيق ذكي يتابع من خلاله المزارعون جدول سقيهم لحظة بلحظة.
بهذا المعنى، فإن ما كان يُدار سابقًا بمعرفة الوكيل وذاكرته وحدها، أصبح يُدار عبر قاعدة بيانات وطنية موثقة رقميًا، تحمي المعلومات من الاندثار وتخفف العبء عن وكلاء الأفلاج.

الأداة تغيرت والجوهر بقي على ما هو عليه

المقارنة بين المادتين تكشف حدود التحول الحقيقي. الذي تغيّر هو الأداة: من التوثيق الشفهي إلى التطبيق الذكي، ومن الإدارة الفردية للوكيل إلى المنظومة المؤسسية المدعومة حكوميًا وأكاديميًا. أما الذي بقي كما هو فهو الجوهر: النظام لا يزال يعتمد على “نفس القواعد والأسس” التي قام عليها الفلج تاريخيًا، والدوران الفلكي للحصص المائية لم يتغيّر، بل نُقل رقميًا كما هو. التقنية هنا لم تستبدل الإرث، بل أعادت تغليفه بشكل يضمن بقاءه للأجيال القادمة.

أفلاج تُحتضر بصمت

في مقابل هذا الزخم المؤسسي والبحثي، يطرح أرشيف “أثير” زاوية أقل احتفائية. إذ وصف مقال رأي واقعًا مغايرًا: أفلاجًا توقفت أو أُهملت، وأخرى تعرضت مجاريها لزحف عمراني أو تلوث من محطات صرف صحي قريبة، وخلافات حول أوقافها وتمويلها. أشار الكاتب إلى أن بعض المجتمعات المحلية باتت تتمنى انقطاع فلجها لتحويل الأرض الزراعية إلى سكن، وأن بعض الجهات المعنية تحاول أحيانًا “البدء من الصفر” بقوانين جديدة، متجاوزة تراكمًا معرفيًا يمتد لآلاف السنين.
هذه الزاوية لا تُبطل مشروعي الكرسي البحثي و“لمد“، لكنها تضعهما في سياقهما الحقيقي: التوثيق العلمي والرقمنة أدوات ضرورية، لكنها ليست كافية وحدها لإنقاذ نظام مائي يتهدده التوسع العمراني والإهمال الميداني بقدر ما يتهدده غياب المعرفة به.

المسافة بين المختبر والحقل

بين كرسي بحثي يوسّع اسمه ليواكب علمًا عالميًا ناشئًا، ونظام رقمي يجرَب حاليا على خمسة أفلاج تمهيدا لتعميمه، تبدو عُمان أمام مسار واضح: توثيق الماضي علميًا، وإدارة الحاضر تقنيًا. فهل يكفي هذا التحول المؤسسي لوقف الإهمال الميداني الذي يتهدد الأفلاج على الأرض، أم أن المسافة بين المختبر والحقل لا تزال تحتاج إلى جسر آخر؟

المصادر:

شارك هذا الخبر