سيادة التعايش

ناقش المقال مفهوم التعايش في دلالاته الاجتماعية والسياسية واللغوية، وربطه بقبول الاختلاف وحفظ الهوية وتنظيم المصالح المشتركة بعيدًا عن التسلط والعنف.

سيادة التعايش
Atheer - أثير

محمد الحمزة
المملكة العربية السعودية-الرياض
تويتر: @mhamza22


 

التنوّع والتباين هو سنّة كونيّة طبيعية، وهو جمال الوجود وروعته، واختلاف البشر في الثقافات واللغات والألوان والطبائع هو أمر حتمي وقد جُبل الإنسان السوي على تقبُّله والتكيّف معه واستيعابه، وما سلوك الناس عبر التاريخ إلاّ تأكيد على تلك الحقيقة التي من يُكابر عنها فهو يخالف الفطرة السويّة، والحضارات السابقة كان من أُسس استمرارها وبقائها وقوتها هو مدى إمكانية تعايش أفرادها مع بعضهم البعض وتعايشهم مع الكون والطبيعة، وكثير من الحضارات تفككت وتلاشت بسب التناحر على أمور كان بالإمكان أن يتقبلوا بعضهم البعض فيها، ولكن نزعة التسلط والسيادة لرأي محدد وفرضه جبراً على الجميع هو أول خطوة من خطوات الانكفاء على الذات والتي تؤدي للضعف والفناء.

 

الحضارات القوية والواعية استطاعت عبر سيادة مفهوم التعايش إلى صهر أفرادها في بوتقة واحدة تحت رابطة الأرض أولاً، وتحت ظل أنظمة وقوانين تحكم هذا التنوّع وتسيطر على التباينات، واستغلالها كمصدر قوة لاستمرارها وازدهار نهضتها، وهنا ندرك أهمية التعايش كضرورة وطنية، وحاجة إنسانية وجودية لا مناص منها، وقد يكون جانب المصلحة بين الناس هو المسيطر للتأكيد الدائم عل أهمية التعايش، حيث تبقى المصلحة المجتمعية هي التي تحتم على الجميع القبول الطوعي أو حتى الفرض القسري للتعايش على كل أطياف المجتمع بمختلف توجهاتهم وانتماءاتهم.

 

في السياسة يعرّف التعايش على أنه اتفاق ضمني بين مجموعتين أو حزبين أو دولتين على عدم اللجوء إلى الحرب لتسوية الخلاف بينهما، ويجب أن نفرق بين التعايش والسلام؛ إذ أن الطرفين المتعايشين يظلان حذرين وفي أغلب الأحيان معاديين لبعضهما البعض لكنهما يقبلان بأن يكون اختلاف أيديولوجيتهما ونظاميهما الاجتماعيين لا يسبب اندلاع الحرب ونشوء الصراع بينهما، وقد استعملت كلمة “التعايش” بكثرة خلال الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي-آنذاك- وكانت كفيلة بحماية العالم بأسره من محرقة نووية.

 

لفظة التعايش في معاجم اللغة العربية نجدها لا تنطوي على مفهوم واضح ومحدد للتعايش بالمعنى المعاصر للكلمة، فقد جاء في لسان العرب: ( العَيْشُ: الحياةُ ). كما جاء في المعجم الوسيط: (تعايشوا: عاشوا على الألفة والمودّة، ومنه التعايش، وعَايَشَه: عاش معه والعيش معناه الحياة، وما تكون به الحياة من المطعم والمشرب والدخل وغيره). وفي القاموس المحيط يقترب من الإحالة إلى المعاني الحديثة للمفهوم ما دام يحتوي على الألفة والعيش مع الآخر إلا أنه يفتقر إلى أبسط الأمور التي تؤدي إلى هذا التعايش وهي المساواة والسلم والحوار، فهو وإن اقترب من المفهوم إلا أنه قصر على استيعابه له، لأنه لا يحدد كيفية العلاقة مع الآخر والتي تعد شرطاً في الدلالة الحديثة للتعايش.

 

وفي معجم (لاروس) الفرنسي ورد أن “التعايش” يعني قبول آراء الآخرين وسلوكهم المتآلف القائم على مبدأ الاختلاف، وهو يتعارض مع مفهوم التسلط والأحادية والقهر والعنف من خلال احترام حرية الآخر وطرق تفكيره وسلوكه وآرائه السياسية والدينية، فهو الوجود المشترك لفئتين متناقضتين في محيط واحد، وهو لا يعني الإلغاء وإنما الاعتراف بالآخر المخالف سواء أكان الآخر المخالف عقدياً أم حضارياً أم ثقافياً أم سياسياً ويعد من أحد أهم سمات الواجب توفرها في المجتمع المتحضر. ويعتبر الفيلسوف الفرنسي (فولتير) فيلسوف التعايش من خلال رؤيته أن القانون الأول للطبيعة هو “التنوع” وقبول هذا التنوع أساسي للوجود.

 

والمتشائمون من دعوات التعايش يُرجعونها إلى أن ارتباط الغرب بمصالح مع العرب بجانب الظلم الواقع منهم على العرب ولخشيتهم من الانتقام؛ فقد لجأوا إلى رفع شعار التعايش السلمي في اليوم السادس من نوفمبر 1973م بعد أحداث حرب اكتوبر، ثم يرون أن الشعار قد تطوّر وأصبح دعوة فكرية يخفي خلفه أهدافاً عقدية، وثقافية، واجتماعية، وسياسية، واقتصادية، وقد صدر بذلك كتاباً عن المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة (إيسسكو) باسم «مفهوم التعايش في الإسلام» للدكتور عباس الجراري أشار فيه إلى ذلك المعنى وهذا تسطيح للمعنى الحقيقي للتعايش ممن يعيشون في وهم المؤامرة.

 

من هنا نصل إلى أننا عند محاولة استيعاب مفهوم التعايش ينبغي إدراك نقطة مهمة هي: أن التعايش لا يصح أن يكون بدون كيان شخصي، وهوية خاصة يحافظ عليها ويرفض التنازل عنهما، كما وأن قوام التعايش (التسامح) و(حوار الآخر)، وحتى نعرف كيف يمكننا التعايش وسط ثقافات متعددة، وعولمة تعصف بخصوصيتنا، وهل من المنطق اتخاذ العزلة خيار أمام تلك التعددية؛ فالتعايش هو اتفاقُ الطرفين (أو عدة أطراف) على تنظيم وسائل العيش فيما بينهما وفق قاعدة يحدّدانها، وتمهيد السبل المؤدّية إليه، إذ إن هناك فارقاً بين أن يعيش الإنسان مع نفسه، وبين أن يتعايش مع غيره، ففي الحالة الأخيرة يقرّر المرء أن يدخل في عملية تَبَادُلِيَةٍ مع طرف ثانٍ، أو مع أطراف أخرى، تقوم على التوافق حول مصالح، أو أهداف، أو ضرورات مشتركة.
يقول برنارد ملزر -اعلامي أمريكي- :”إذا تعلمت كيف تختلف دون أن تصبح مقيتا فقد اكتشفت أسرار التعايش، سواء كان في العمل أو العلاقات الأسرية أو الحياة نفسها”.


شارك هذا الخبر