المجتمع“لنحمي تراثنا” .. حملة لتوثيق الحارات العمانية القديمة
سلّم فريق تعاونت فيه وزارة التراث والثقافة وجامعة السلطان قابوس كتبًا توثيقية لأربع حارات، شملت مسح مبانيها وتحليل بياناتها وإعداد رسومات معمارية.
مسقط – أثير
بعد مرور سنة على المرحلة الميدانية في مشروع توثيق الحارات العمانية، الذي تم بالتعاون بين وزارة التراث والثقافة وجامعة السلطان قابوس، تم تسليم الكتب التوثيقية لأربع حارات عمانية قديمة. طوال ذلك العام، عمل الفريق الذي أشرفت عليه الدكتورة نعيمة بن كاري من قسم الهندسة المدنية والمعمارية بكلية الهندسة في الجامعة الجامعة على إنهاء المشروع على أكمل وجه. شارك في الحملة الأولى عدد من أكاديمي القسم وأكثر من ٢٠ طالب وطالبة من تخصصي الهندسة المدنية والمعمارية بالإضافة إلى متدربين من وزارة التراث والثقافة. تحت شعار “لنحمي تراثنا” انطلق الفريق في منتصف يونيو 2014 نحو أول وجهة له في هذة الرحلة وهي حارة قصرى التاريخية في ولاية الرستاق. استقبل الفريق استقبالا حارا من قبل أهالي المنطقة الذين سعدوا باهتمام الجهات المعنية بهذا الإرث التاريخي الحضاري. مثلت حارة قصرى أهمية تاريخية وعمرانية كونها شهدت ميلاد الإمام ناصر بن مرشد وفترة حكم اليعاربة في عُمان، إضافة إلى روعة بيوتها التي انتظمت على جانبي سكة الطريق الممتدة بين مدخلي الحارة الذي يطلق عليهما الصباح الشرقي والصباح الغربي. بينما تميزت حارة سيجا في ولاية سمائل – وهي الوجهة الثانية بعد قصرى -بطابع عمراني جغرافي مميز، حيث امتدت الحارة على سفح الحبل وضمت تركيبة معقدة من البيوت المتداخلة وعدد من الأفلاج المحيطة بينما تحفها جنات نخيل الفرض المائل. كما ميزها جامع المحلة الواسع الذي احتفظ بملامحه العمرانية الأساسية. الرحلة الثالثة كانت إلى ولاية وادي المعاول حيث حارة حجرة مسلمات ذات الخندق. وتميزت هذه الحارة بنطاق محصن تمثل في سور عالٍ وعدد من أبراج المراقبة. كما ضمت بعض الدكاكين داخل سور الحجرة وعددا من البيوت الكبيرة التي تميزت بأفنية داخلية وأعمال زخرفية مبهرة على جدرانها.
واخيرا انتهت رحلة التوثيق في حارة الخبت في أعماق ولاية الخابورة. وموقع الحارة ذو تركيبة طبيعية خلابة على سفح جبلٍ شاهق من جبال الحجر الغربي. يفصل الوادي بين حارة الخبت وبين حصن عبس الذي بناه أهاليها على الهضبة المقابلة، حيث يعد ذلك الحصن ملجأ للسكان في أوقات الحروب.
تمثل الحارة مع الحصن تحفة عمارنية شامخة تشهد على إمكانيات الإنسان العماني القديم في التعايش مع طبيعته وظروف بيئته في كل مكان على هذة الأرض الطيبة. يشمل العمل التوثيقي، إضافة لمرحلة الزيارات والقياسات الميدانية، مرحلة تحليل البيانات وإعداد كتاب توثيقي لكل حارة. حيث عمل الفريق على تصوير وقياس ومسح كل مباني الحارات لنقلها لاحقا كرسومات معمارية تشمل الحارة بكل تفاصيلها من بيوت وأبراج وبوابات. إضافة لدراسة طبوغرافية للمنطقة، وتحليل لدرجات الحرارة ودور العمارة التقليدية في التحكم بها. كما كان الفريق ينقل المعلومات عن تاريخ الحارة والأحداث التي حصلت فيها والأخبار التاريخية التي يسردها السكان إضافة لتوثيق ملاّك المنازل القديمة.كل هذة البيانات تم تحليلها ودراستها وجمعها في كتاب مخصص لكل حارة. وبذلك شكل هذا الكتاب مرجعا علميا متكاملا يمكن استخدامه لاحقا في أعمال ترميم الحارات وإعادة احيائها. إذ تتميز كل حارة بمواصفات وخصائص تجعلها وجهة سياحية ذات عبق عماني أصيل، وبإمكان سكان المنطقة الاستفادة منها كمشروع ناجح يدر دخلاً مادياً على المنطقة. إضافة إلى الإحتفاظ بهذا الإرث بدلا من اندثاره مع مرور الزمن نتيجة للظروف الطبيعية وسوء الاستخدام. سنحت هذة التجربة للفريق بفرصة المشاركة في مسابقة الأمير سلطان بن سلمان للتراث العمراني في المملكة العربية السعودية والفوز بجائزة المركز الثاني في فئة البحوث الطلابية. كما ألهم المشروع مشاريع الطلاب في المعارض الطلابية الهندسية ومشاريع التخرج وعددا من الأوراق البحثية المعتبرة. وستقدم الدكتورة نعيمة بن كاري هذا العمل في الملتقى الخامس للأيكوموس (ICOMOS)في اليابان. كما يستعد فريق “لنحمي تراثنا” لمرحلة أخرى من العمل التوثيقي وحماية التراث في موسم ثانٍ خلال هذا العام. وسيشمل دفعة جديدة من طلاب القسم الذين يأملون للإستفادة مثل زملائهم السابقين من هذة الفرصة الذهبية في التعرف على مكنونات العمران العماني وهويته الحقيقية كما بناه الأجداد.