اقتصاديات النفط : بين ترشيد الإنفاق وتنويع مصادر الدخل (2)

ناقش د. سيف الرمضاني عام 2015 ترشيد الإنفاق وتنويع الدخل بعد تراجع قيمة النفط، ودعا إلى الاستثمار في الشباب والتعليم والسياحة والطاقة المتجددة والزراعة والأسماك والتعدين.

اقتصاديات النفط : بين ترشيد الإنفاق وتنويع مصادر الدخل  (2)
Atheer - أثير

د.سيف الرمضاني

 

كان الحديث في الجزء الأول من هذا الموضوع حول أهمية ترشيد الإنفاق الحكومي ، مع التدليل على مواقع بعض نقاط تسريب المال العام التي من الممكن سدها لتكون قيمة مضافة للموازنة العامة للدولة في هذه الأوقات العصيبة التي فقد فيها النفط أكثر من نصف قيمته التي كان عليها قبل أكثر من عام من الآن ، واليوم أستكمله بالحديث عن أفكار ليست جديدة في تنويع مصادر الدخل كنت قد أوردت بعضها على جداريات الفيسبوك من قبيل ” إن الذكرى تنفع المؤمنين “.

 

أولا وقبل كل شيء علينا أن نذكر أنفسنا بأن ما يقارب من نصف المجتمع العُماني من الشباب إذا حسبنا الفئة العمرية بين ١٥ – ٣٩ سنة ، وفي ذلك ما فيه من إيجابيات كبيرة وسلبيات خطيرة تبعا لطبيعة تعاملنا مع هذه الفئة من المجتمع. فإن نحن اعتبرناها كنزا ذهبيا وهبه الله لنا وخصنا به، وتعاملنا معها على هذا الأساس من تعليم وتأهيل وتدريب وتهذيب وتوظيف وإشراك في عمليات اتخاذ القرار وتنفيذه ، ثم وضع الشخص المناسب في المكان المناسب ، فإن هذه الفئة الشبابية ستتحول إلى معين لا ينضب وثروة لا تنفد من الخير والازدهار والأمن والاستقرار ، أما إذا أهملناها وتركناها لرياح السموم تميل بها حيث تشاء فإن تبعات ذلك ستكون مكلفة جدا علينا اقتصاديا واجتماعيا وأمنيا ، ولا حاجة لنا للتدليل على ما يحدث في العالم من حولنا.

 

وهذا يدعو إلى بذل مزيد من الجهود للاهتمام بهذه الفئة الذهبية التي تشكل عصب الحياة النابض بالنشاط والحماس والتوهج والقوة والحيوية ، ولعل أولى الخطوات في هذا الطريق إنشاء كيان مؤسسي جامع لأنشطتهم وهواياتهم المختلفة ، سواء كان على شكل وحدة حكومية ، أو مجلس حكومي أهلي خاص يُعنى برسم السياسات الخاصة بقطاع الشباب ومتابعتها والإشراف على تنفيذها. الشباب ومن قبلها فترة الطفولة هي من أهم الفترات التي تتشكل فيها هذه الفئة بدنياً وفكرياً ووجدانياً ، ولا عجب أن ربط ابن الرومي بين حب الشباب لأوطانهم والمآرب التي قضوها بين عرصاته والذكريات الجميلة التي عاشوها في جنباته :

ولـى وطـــن آلـــيت ألا أبيــعه
وألا أرى غيري له الدهر مالكا
عهدتُ به شرخ الشباب ونعمةً
كنعمةِ قومٍ أصبحوا في ظلالـكا
وحبب أوطـان الرجـال إليهـمو
مـآرب قضـاها الشباب هنالـكا
إذا ذكـروا أوطانهـم ذكرتهمــو
عهـود الـصـــبا فيها فحــنـوا لـذلكا





 

وفي مجال التعليم لعله ينبغي التعجيل في إنشاء جامعة عمان ، ولم شتات الكليات التطبيقية وكليات التقنية العليا بحيث تكون تحت مظلة جامعية معترف بها دوليا، وإعادة فتح بعض كليات التربية من جديد ، وإصدار قانون التعليم ، وتنويع التعليم ما بعد الأساسي بحيث يشمل الجوانب المهنية والتطبيقية كما كان عليه الوضع في ثمانينات القرن الماضي بهدف استيعاب الطلاب الموهوبين في هذه المجالات وغير الر اغبين في مواصلة دراساتهم الجامعية.

 

أما السياحة فإنها تأتي في مقدمة موارد الدخل البديلة التي يجب أن يعول عليها بعد المورد البشري ، فلدينا من المقومات السياحية ما قد لا يتوافر لدى الآخرين ؛ فبالإضافة للموقع الاستراتيجي والتنوع الجغرافي والانسجام الاجتماعي والاستقرار الأمني التي حباها الله للسلطنة هناك الصحاري الواسعة والسهول والأودية الخصبة والجبال الشاهقة والشواطئ البِكر الممتدة الغنية بثرواتها البحرية والمعتدلة المناخ طوال العام ، ومعظمها لا تجد من يستثمرها ، ويهتم بها ، ويستخرج كنوزها ، في الوقت الذي تجد فيه دولاً لا تمتلك سوى كيلومترات معدودة من السواحل والخيران الحارة الرطبة ، وقد استطاعت تحويلها إلى صناعة عالمية مزدهرة للسياحة والترفيه والتسوق والعلاج.

 

ولعل إجازة العيد الأسبوع الماضي كشفت – كما غيرها من الإجازات – عن الخلل والقصور والإهمال الكبير الذي يعاني منه هذا الكنز السياحي الضخم الذي يبدو أن سيدنا الخضر عليه السلام قد أقام جداره عليه حتى نبلغ أشدنا ونستخرج كنزنا رحمة من ربنا في المستقبل ! وها هو الوقت قد حان لنبش هذا الكنز الدفين واستخراجه. ولعل النسبة المتواضعة جدا التي تطمح للوصول إليها وزارة السياحة بعد ثلاثين سنة من الآن لإسهام قطاع السياحة في الناتج المحلي قد لا تحقق الطموح وعليها إعادة النظر فيها من جديد.

 

ومن الأفكار السياحية مثلا التي لا تحتاج إلى كثير جهد أو مال لتنفيذها مسقط العاصمة ؛ فبعد تحويل ميناء السلطان قابوس بمطرح إلى ميناء سياحي ، لعله من المناسب تطوير الواجهة البحرية وسوق مطرح بما يوفر مزيدا من المواقف للزائرين ، وإنشاء شركات نقل بحري سياحي عبر يخوت تقليدية وحديثة لزيارة معالم مسقط ، وتحويل أجزاء من بعض المنشآت السلطانية والقلاع التاريخية في مطرح ومسقط إلى مزارات سياحية أسوة بما هو متبع في الكثير من دول العالم. وتطوير منطقة سد وادي ضيقة وذلك بإنشاء مرافق سياحية حول ضفافه كالمنتجعات والشاليهات والمقاهي وحدائق الألعاب والرياضات المائية.

 

كما يمكن استغلال المناطق التي تقع خلف السد واستصلاحها للزراعة المنتجة من خضار وفواكه ، إضافة الى النظر في إمكانية استثمار السد لتوليد الطاقة الكهربائية لتغطية منطقة السد على أقل تقدير. ومن المشروعات التي من الأهمية بمكان التعويل عليها في الوقت الحاضر مشاريع الطاقة الشمسية وطاقة الرياح لتوليد الكهرباء وتحلية المياه واستخراج النفط ، ومع علمنا بأن بعض الجهات في الدولة قد بدأت بالفعل في تجريب مثل هذه التقنيات ؛ إلا أن الضرورة تحتم الإسراع في مثل هذه المشاريع وتكثيف العناية بها ، فأسعار النفط دائما إلى انخفاض ، وهو كذلك سلعة ناضبة ، والوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك.

 

ومن الأفكار أيضا حجز البقية الباقية من الأراضي المحيطة بسد وادي الخوض الذي يعد من أكبر سدود التغذية الجوفية في السلطنة ؛ بهدف استثمارها في الزراعة المنتجة ، وهي أراض خصبة بحكم الأودية الكثيرة التي تصب في وادي الخوض والمنحدرة من سلاسل جبال الحجر.

 

قطاع الأسماك هو الآخر من القطاعات الغنية التي لو أُحسن استغلالها وإدارتها بالشكل الصحيح لضخ في موازنة الدولة الكثير من المال الذي يبدو أنه يجود بخيراته للوافدين ؛ تماما كالقطاع الزراعي وقطاع المعادن والتعدين التي أصبحت فيها العمالة الوافدة هي المسيطرة والمهيمنة عليها دون حسيب أو رقيب.

 

لقد كان جلالة السلطان قابوس المعظم – حفظه الله ورعاه – سباقا إلى طرق موضوع تنويع مصادر الدخل منذ سبعينات القرن الماضي عبر خطاباته السنوية في الأعياد الوطنية ، كما أن خطة التنمية الأولى التي بدأت عام ١٩٧٥م كان من بين أهم أهدافها تنويع مصادر الدخل إلى جوار الإيرادات النفطية لتحل محلها في المستقبل ، وكذلك الحال بالنسبة لخطة ٢٠٢٠ التي ركزت على التنويع الاقتصادي المستمر والمتجدد. كما نبه جلالته كذلك إلى خطورة العمالة الوافدة وتضاعفها والتجارة المستترة وانتشارها على اقتصاديات البلد ونسيجه الاجتماعي. فبعد أن أهملنا هذا الموضوع طوال تلك السنوات ، ولم نعر اهتمامنا بتلك الإضاءات والتنبيهات والمؤشرات ؛ هل نحن “مجتمعا ودولةً” مستعدون الآن لعمليات التصحيح هذه ؟ أم إننا مازلنا نعيش أحلام رفاه الذهب الأسود الذي أعمى عيوننا ووجه بوصلتنا وحول دروبنا عن أنواع أخرى من الذهب أكثر إشراقا ولمعانا ؟!

شارك هذا الخبر