تحليل ورأيمجان والكتّاب الكلاسيكيون في قبضة علي بابا
يعرض المقال حججًا تاريخية وأثرية لربط مجان بعُمان، من تجارة النحاس في صحار إلى مواقع صور وسمهرم ووبار، وينتقد قراءة الجغرافيا القديمة بحدود حديثة.
موسى الفرعي – أثير
بسم الله الرحمن الرحيم
( فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ ) صدق الله العظيم.
قلوبٌ خاليةٌ من العصمة والتأييد كما ورد في تفسير القراءن وهي إشارة واضحة للفساد الذي في قلوبهم والعذاب هنا وبعيدا عن المعنى القرآني هو جزاء النفاق والجحود والتكذيب والذي يؤديه التاريخُ بنفسه وتعاقبُ الأجيال وأهلُ الذمة التاريخية. حتى ليلة أمسِ كنتُ قد اكتفيتُ بتغريدة قلت فيها: مجان والكتّاب الكلاسيكيون في قبضة علي بابا، ذلك هو شأن التاريخ والثقاة من رواته حين يصحو شذاذ الآفاق من غيبوبتهم. إلى أن كان أحد الردود الذي ألحق الخجل كصفة للتواضع فقلت لنفسي نعم عُمان وأهلها درس في تواضع الحق وسلام القوي فكان مني ما هو كائن.
ما كان أغناهم عن هذا وكأنهم على يقين من قدرتهم على تزوير التاريخ، التاريخ المادة الأكثر خطورة من بين الروافد الإنسانية والأشد غموضا، مجان التي وردت في النصوص السومرية والأكادية هي الإمارات، وأهل عمان الذين ثاروا على الأكاديين في ذلك الحين هم يسكنون بفضل التقسيم البريطاني الحديث اسم ( الإمارات ).
إن التاريخ ليس مجرد حبر يكتب فيدّعي من يدعي شكا ونفاقا أو حملا وانتفاعا، بل أصدقه ما حفظه الحجر وقُتل بحثا ودراسة علمية وهو ما حفظه الكتّاب الكلاسيكيون الثقاة في مذكراتهم، وأسماء الأودية كوادي العين ووادي بهلا ليس مرجعا أو مصدرا تاريخيا وما أكثر المسميات في عُمان التي سيجد به مزور التاريخ والمنتفع به مادة دسمة لإرضاء الظلام الساكن فيه غير أن هذا كله لا يساوي قيمة الحبر الذي يكتب به على دفتر الشيكات أو أوراق الصرف المالي.
وإنصافا للحق أقول إن الاسم لم يُذكر في الألواح القديمة سوى بأرض مجان إلا أن أدوات البحث التاريخي والأنثروبولوجي وجميع الدراسات ذهبت بالمؤرخين والباحثين إلى أن أهل عمان قد ثاروا على الأكاديين حتى أرسل ( نارام سن ) حملة للحفاظ على الإمبراطورية الأكادية وعاد بذلك ساحل الخليج العربي من عمان إلى أعلاها وصار جزء من مملكة أكد ، وهذا ما ذكره الدكتور جواد علي في تاريخ العرب قبل الإسلام.
والكثير من الشواهد التاريخية والصلات التي ربطت عمان بحضارة الشرق القديم والعديد من الحفريات الأثرية تؤكد أن مملكة مجان التي ورد ذكرها عند السومريين هي عُمان، كالحفريات في صحار التي أكدت أن تجارة النحاس في عُمان تعود إلى الألف الثاني قبل الميلاد وبأن هذا التصنيع تم تصديره إلى بلاد ما بين النهرين من السومريين والأكاديين والبابليين والآشوريين، بالإضافة إلى العديد من المدافن التي تحكي مراحل زمنية مختلفة في ( سمد الشأن ) والعشرات من المواقع الأثرية في ولاية صور على الساحل العماني حيث اكتشفت مواقع سكنية يعود أقدمها إلى الألف الخامس قبل الميلاد، وأخرى تعود إلى العصر البرونزي، وعدة قوارب أثبتت الدراسات أنها مارست التجارة مع بلاد الهند وبلاد ما بين النهرين وافريقيا.
وقد كشفت المسوحات الأثرية التي تمت في بداية التسعينات بمحافظة ظفار عن وجود مدينة ذات حضارة عريقة كانت ملتقى التجارة والطرق البرية ما بين الجزيرة العربية وبلاد ما بين النهرين وحضارة العالم القديم وهي مدينة وبار التاريخية والتي جاء ذكرها في الكثير من الكتب والخرائط القديمة فكيف إذا ما قُرأ التاريخ القديم حينها لن يتسع الوقت حتى للذوبان.
ولسنا هنا بصدد الكتابة التاريخية فهذا أمر يُوسّد لأهله وأما المقاييس بالكيلو متر و الأميال فالجغرافيا مفتوحة ونظرة سريعة على الخارطة الموضحة للإمبراطورية العمانية وهي حديثة قياسا بالتاريخ القديم توضح الأسماء والاتجاهات التي تخلو من الدويلات التي تذوب في قطرة ماء.
فمن الجنوب ظفار وامتدادها التاريخي والجغرافي القديم والتي تمثل الجزء الأكبر من بلاد الأحقاف والتي عبر مينائها ( سمهرم ) تحرك أهل عمان من هذا الجزء المبارك إلى بلاد ما بين النهرين ومصر سادةً وتجارا وهذا ما توضحه النقوش الفرعونية. ومن الشمال إلى جبال الحجر إلى الربع الخالي غربا، وصحار بكل امتدادها القديم جغرافيا بين جبال الحجر غربا وخليج عمان شرقا والتي تم تصدير النحاس منها وارتباطها الوثيق بحضارة الشرق القديم. ومن الشرق صُور بامتدادها التاريخي والجغرافي ومينائها البحري الذي تم الكشف عنه والذي يُعدُّ من أقدم المواني التي عرفتها الجزيرة العربية. وكان يمثّل حلقة الوصل بين شبه الجزيرة الهندية وعمان وبقية مناطق الخليج العربي.
من هذا يتبين لنا أن طريق رسم الحراك البشري تاريخيا لا يُقاس بالأميال التي نعرفها الآن، وأن الانفعال الشخصي لا يؤكد مرور الطريق التاريخي بـ (أبوظبي الحديثة ) وليس دليلا على أن الإمارات الحديثة هي بوابة العبور السياحية الأوحد لكل حضارات الشرق القديم إلا كما شاء لها كاتبها، وهذا ما أردتُ الوصول إليه من خلال الطرح السابق، واصدقكم القول ذلك يمكن أن يكون ولكن فقط لدى السذج والجاهلين بالتاريخ القديم وجغرافيته والقابلين أن يكونوا هُزُوًا وَلَعِبًا لدى العارفين.
عفواً هيرودوتس، سترابو، وبليني فقد أمسيتم قبضة في يد علي بابا ولكن لا عليكم فأنتم أكثر حياة من محاولات النيل منكم واستخدامكم إزميلا لكسر أحجار التاريخ ونقوشه. وعفوا أيها التاريخ لكن عزاؤك أن أشباه الأحياء لا معنى لوجودهم وأن المعرفة وأصولها لها أهلها وسبيلها.
.