المكّرم د.اسماعيل الأغبري
كل أمر ذي بال وأهمية سهل بدايته صعب نهايته، ميسر أوله عسير آخره.
اليمن أرض ذات ميراث حضاري فهي سبأ والملكة بلقيس وعرشها وقصة سليمان عليه السلام .
اليمن سد مأرب وعظمته بالإضافة إلى طبيعة اليمن الجغرافية ووعرة الأرض التي انعكست على سكانه صلابة وخشونة .
قد تنزل عليهم الكوارث وتداهمهم الخطوب لكن يأبون أن يقولون إذا اشتد الجرح عليهم ( آه آه)
تعبث أقوام غزت اليمن من أهل اليمن بسبب البيئة وصلابة السكان وتكسرت قوي الإنجليز وعانت قوات جمال عبد الناصر .
اليمنيون شعب مسلح يكاد عدد قطع السلاح تقارب عدد سكانه بل يمتلكون من الأسلحة ما لا تمتلكه دول في أفريقيا .
اليمن فيه أيدلوجيات كثيرة علمانية وقومية ووطنية ودينية والدينية أقسام وآجناس متخالفة.
الناصريون لهم صولة وجولة بل لا زال للشيوعيين حراك وحركة قوية.
التعامل مع ذلك الشعب شديد المراس يحتاج إلى فطنة وحكمة وحنكة ولا يجوز امتهانه بسبب ضائقته المالية ووضعه الاقتصادي.
حسن الجوار معه وإقامة خير العلاقات معه مع عدم التدخل في شؤونه أمور ضرورية جدا.
اندلعت حرب اليمن منذ سنة ونصف تقريبا وكان الظن بها أن لا تتجاوز الشهر وعلى أقصى تقدير الشهرين إلا أن هذا الظن كان بعيدا.
استنفدت الحرب كل هدف ثابت أو متحرك ولحق الأذى بالمدني قبل العسكري فلم يعد في اليمن مكان قائم على سوقه لم يصبه أذى.
بقيت رؤوس الحرب لم يصبها أذى وكأن إرادة كسر العظم وتحدي من يعض على أصابعه أولا هي السائدة اليوم.
العقلاء من ساسة العرب وحكمائها وهم قلة قليلة كانوا يعلمون أن اليمن مستنقع أو كأنه مثلث برمودا من دخله لم يخرج منه وإن خرج فإنه لن يكون كما دخل.
العقلاء من ساسة العرب كان لهم رأي وهو السعي إلى مصالحة أهل اليمن دون الميل مع أحد أو تأجيج الصراع بينهم أو الدخول في اليمن كطرف محارب.
العقلاء من ساسة العرب الذين أدركوا أن الذهاب إلى اليمن كأطراف حرب يعني طول أزمة وخراب البلاد وردة فعل عنيفة من أهل اليمن على من دخل أرضهم يبغي حربهم.
العقلاء من ساسة العرب يدركون أن انطلاق الرصاصة سيتبعه كل أنواع الأسلحة التي تهلك الحرث والنسل.
ها هي حرب اليمن أشرفت على عام ونصف ولم تنكسر إرادة المراد كسر إرادتهم وكذلك الطرف الآخر لم يزل يأبى إلا أن يحقق شيئا ولو رمزيا من باب إقناع الجماهير أنه حقق بالقوة ما لا يمكن تحقيقه بالسلام.
وكل قد تعب من الحرب ولكن تعب أهل اليمن معقول وسقوط قتلى منهم مفهوم فهم حسب رأيهم يدفعون عن أرضهم وميراثهم وعرضهم من يبغي النيل منهم وفي سبيل ذلك لا بأس ولو سقط الملايين ولكن خسائر الآخرين من غيرهم العدة والعتاد،والجغرافيا والمال الوفير هو غير المفهوم ولا المقبول،
الحرب بين اليمنيين أنفسهم كلها خسارة لما في ذلك من تدمير بلادهم وتأخر عجلة التنمية فيها.
والحرب بين اليمنيين وغيرهم خسارة كبيرة للطرفين إذ كل فيها خاسر ولو أعلن النصر لما في ذلك من إزهاق الأرواح وخسارة الممتلكات وتبديد ثروات الملايين والمليارات من الدولارات.
انتهت مفاوضات الكويت اليوم بإعلان خجول وكلمات مطاطة حاولت أن تتجنب نعي محاولات الإصلاح والتوفيق بين الأطراف اليمنية نفسها وبينها وبين من يشن على اليمن الغارات العنيفة التي لم تبق ثابتا ولا متحركا ولا إرثا تاريخيا ولا منشأة صناعية ولا تجارية حسب تصريحات من الأمم المتحدة وإن تراجعت بعد ضغط تلو ضغط تلو ضغط مما يجعل تقارير تلك المنظمات على ألمحك.
سلطنة عمان بذلت جهدا واستفرغت وسعا ليس مشاركة في التحالف العربي ولكن في التقريب بين أهل اليمن وكانت أذن خير للجميع.
حاولت لم شملهم أجمعين وقامت بوساطات كثيرة لكن للأسف أطراف عربية لم ترغب في إتمام المصالحة عن طريق السلطنة مخافة أن يترسخ لدى الجمهور العربي أكثر فأكثر صواب المنهج العماني ومخافة أن تزداد السلطنة مكانة في قلوب الملايين من العالم.
أوتي السلطان قابوس باعتبار الإرث الحضاري الذي ينتسب إليه وباعتبار الخبرة الواسعة في إدارة شؤون الحكم والتجربة في حلحلة القضايا الشائكة أوتي قدرة على تقدير العواقب وقراءة ما قد تسفر عنه التدخلات في شؤون الدول لذلك تمكن أن يجنب بلاده هذه الفتن.
السلطان قابوس أيضا ليس فقط يتمتع بتلك الحنكة والحكمة لكنه أيضا ذو نزعة إنسانية فهو يرفض امتهان أي شعب بسبب اللون أو العرق أو الجنس أو القومية أو الدين أو المذهب أو الحالة الاقتصادية أو الناحية الاجتماعية وهذه القيمة الإنسانية قلما نجد لها وزنا عند الزعامات السياسية.
السلطان قابوس ذو نزعة إنسانية لذلك يرفض إراقة الدماء بل منهجه السلم وحلحلة الصعاب بالطرق السلمية وهو في ذلك لها تجارب ناجحة.
السلطان قابوس ليس فقط ذو نزعة إنسانية بل ذو نزعة حقوقية أيضا وهو أمر أيضا قلما تراعيه الزعامات السياسية.
لا يمكن القول بأن الأطراف اليمنية فقط هي التي اكتوت بنيران الحرب بل قوات التحالف تلقت ضربات موجعة جدا فغقدت عشرات العشرات من القتلى وسقط منها العشرات العشرات من الجرحى كما خسرت طائرات ومعدات.
وإذا كانت بعض الأطراف اليمنية تراجعت عن بعض الأراضي فإنه أيضا قوات التحالف خسرت أراضي وبلغت بعض القوات اليمنية أراضي خارج اليمن بالإضافة إلى خسارة المليارات لتمويل الحرب التي لم يتوقع الداخلون فيها طولها.
يبقى أن أهل عمان يعيشون في نعمة كبرى بفضل قيادة جلالة السلطان قابوس فهو ومنذ أن ولي أمر عمان لم يدخل بلاده في أتون حرب مع قريب أو بعيد.
يبقى أن أهل عمان يتنعمون بقيادة ليس لها ردات فعل عاطفية بل تسير السياسة بالعقل لا بالمزاجية والعاطفة
يبقى أن أهل عمان يذكرون للسلطان قابوس أنه لم يزج بأبنائهم من القوات المسلحة في حروب لا ناقة لعمان فيها ولا جمل ذلك أن جلالة السلطان هو القائد الأعلى للقوات المسلحة والمنتسب إليها هم أبناؤه فهو لا يرسل أبناءه هنا وهناك موزعين في صراعات لأنه لا يرغب أن يرجع أبناؤه في توابيت ونعوش.
نعم هو القائد الأعلى وبإمكانه الأمر والنهي والحل والعقد لكنه أيضا يراعي إنسانية الإنسان وحقوق الإنسان.
هذه القوات من أجل عمان وأهل عمان يذودون عنها أرضا وعرضا وبدفعون عنها كل خطر ويحرسونها بالليل والنهار
ختاما ليت هذه الحرب اليمنية وغيرها تنتهي دون تعنت أحد أطرافها أهل اليمن والتحالف فكلهم أشقاء وجوار والدم لا يصير ماء.
وأخيرا ليت الزعامات تنتج نهج جلالة السلطان في الجنوح إلى السلام كخيار استراتيجي وليس تكتيكي فإن هذا الخيار يضمن للشعوب عيش السلام وحياة الاستقرار أما خيار الحرب فيعني تدمير الحضارة وخسارة الأرواح .
عسى أن لا تعود جولات الحرب في اليمن بعد أن تم طي مفاوضات الكويت دون نجاح وتحية للكويت التي بذلت أقصى ما يمكن من أجل حلول السلام وأميرها رائد في ذلك وساع وداع إلى السلام وليت التحالف العربي والأطراف اليمنية استجابت لمراد أمير الكويت.
حفظ الله السلطان قابوس الذي ستذكر الأجيال العمانية والتاريخ أنه طوال حكمه لم يشعل شرارة فتنة في أي بقعة من بقاع العالم وستذكر أجيال الدول أن السلطان قابوس يكاد يتفرد من بين زعماء العرب في الأنفة من الحروب وأنه لم يكن طرفا في الفتن في اليمن وسوريا وليبيا بل داع إلى رأب الصدع وجمع الكلمة.





