عبدالحميد بن حميد الجامعي
لم يكن مصادفة أن تستدعي النفس موضوع خطبة الجمعة الفائتة في عظم أثر القصص عموما، والقصص القراني خصوصا على مسارات الحياة المختلفة، وكيف إن الانسان هو أولى المخلوقات في توظيفها، وإن المؤمن هو أولى المكلفين في ذلك، فالحكمة ضالته، وهو أحق الناس بها، كما وَثَّقَ لذلك نبي الهدى ورسول الانسانية، عليه الصلاة وازكى السلام..
إن ما يمر به القطر العُماني اليوم له مثيله في قصص الأوائل، وإن ردات الفعل التي نراها، رواها لنا التاريخ، وآثارها، وما آلت اليه الأحداث، وهي مبسوطة في كتبه بسطا، تدعوا الى من يتأملها، ويستخلص العبر منها، فكم ظالم نفذ بجلد، وكم بريء سقط بحد، وكم عابث ولغ، وكم خائب نبغ، وكم فاسق أمن العقوبة فأساء بها الأدب، فهدر وهذر وهَبَّب….فلم يسلم من تلكم المعمعة رأس سلطة ولا ساقها، مهما صلحا وصلح ما بينهما، ولم يشفع لهما تاريخهما… لأنهما باتا حيث يتعطل المنطق، وتتلبد العقول، وإن لم يكن في ذلك من حكيم يرد، أو حليم يصد لضاعت الأمة، وتبلغت الغمة، ووقع الظلم على أنفس حالمة، وأجيال قادمة، ولنا في عثمان وعلي وحقب الصحابة رضوان الله عليهم وما دار فيها من هرج ومرج واصطفاف وأثره الى الساعة آية وعبرة.
بعد هذا التوطيد والتأكيد فإن الفعل ورد الفعل في قضيةِ ما يطرح اليوم انحصرت في القضاء في عمان، وهل هو حبيس منغلق، أم حر منطلق، وقد تناولت بعض الصحف رموز القضاء وأنحت إليهم بالفساد وتعطيل سير العدالة والرشى وغيرها، وألمحت الى جهات عليا موجهة للقضاء ولنائب رئيس مجلسه -رئيس المحكمة العليا- وأحد نوابه، بالتبعية لتلكم الجهات العليا دون تعيينها، وواكب ذلك هجوم شرس من وراء البحار عبر تويتر، وتسريبات لأحكام، مع تسجيلات صوتية لمكالمات هاتفية لأطراف رئيسة في القضية المثارة، وحوارات واتس أب، وصور قديمة لتلكم الشخصيات مع خصومها اليوم، كما إن ما عزي من تصريح صحفي لنائب آخر لرئيس المحكمة العليا ضد رئيسه وضد وضع القضاء عموما، وزعم التزوير والتعطيل، كان عملا غير مسبوق في تاريخ الصحافة العمانية ولا تاريخ القضاء العُماني الحديث، وله دوره الكبير في إذكاء المواجهة بين أولاء والجهات الحكومية الأخرى المعنية، والتي كان لها في ذلك موقفها، وأدلت هي الاخرى بدلوها مكتوبا، وعلى الأرض، عبر الاستدعاءات والإيقافات والتحقيقات، وغلق الصحيفة الناشرة، مما شكل في مجموعه عبئا كبيرا على الواقع العُماني، وتحديا عظيما على حاضر ومستقبل الوطن، وتهديدا في بعض جوانبه لأسس ومبادئ أولى للدولة المدنية العمانية، من كل الأطراف دون استثناء، صحيفة وحكومة، مما أرغمني على وجوب الدلو في سبيل الوطن الحر، وفي سبيل مستقبل اولادنا الأزهر، والذي في أعناقنا اليوم دولته، مستعينا بالله متوكلا عليه..
لست هنا في معرض أن أزيد فوق ما أتيت به أعلاه، من حيث الأطراف الداخلة، ولكني في معرض توقفي على بعض جوانب المعالجة التي كان ينبغي او لا ينبغي لها ان تكون، في رأيي الشخصي على الأقل، لا سيما الرسمية وعلى رأسها ذلك الاستدعاء والإيقاف ومنع الصحيفة عن الإصدار، فإن ذلك يعد عندي حلا موضعيا، لا فاوة ولا غراوة فيه، وضره بحق أكبر من نفعه، والنافخ فيه نافخ في رغوة، وعائده على عموم الحاضر والمستقبل غير واعد البتة، ومع أني دعوت وما زلت ادعو الى وجوب مشاركة الجهات الحكومية – لا سيما المعنية بالقانون وتطبيقه- المجتمعَ في تصريحات شفافة صادقة غير انفعالية، بدل ترك الناس في حيصَ بيص، الا ان التعبيرات التي خرجت وقعت في فخ ما وقع به اصحاب مسيرات ٢٠١١، والتي أسموها بمسيرات تجديد الولاء وبشعارات ” بالروح والدم نفديك يا فلان..” الرائجة يومئذ روجانا عظيما خارج عمان، والتي أرادوا بها خيرا ووقعوا من حيث لم يحتسبوا في شرها، لأن السياق لم يكن قط مناسبا لها، وهكذا التصريحات التي انطلقت أيامنا هذه من ان ما عرضته الصحيفة – مع تحفظي على منهجها في عمومه- هو انتقاص للقضاء وتشكيك في نزاهته كضامن للعدالة في الدولة، فهو وإن كان له وجه قبول، إلا أن طريقة معالجته لم تكن هي الوجه او الرأي الأصوب في القضية، بل أضرت فعليا من حيث ارادت الإصلاح بالقضاء، اكثر مما أضر به التحقيق الصحفي الذي أوردته الصحيفة، ورفعت مستوى الشك فيه اي القضاء داخليا وخارجيا أكثر من مستوى ما كانت لترفعه الجريدة لو لم تكن هناك تلكم المعالجة، وسواء كانت هذه الدعوى او دعوى “حرية التعبير مسؤولية” التي رفع شعارها بعض تصريح نشرته العمانية، وجاء في الجريدة الرسمية معزيا الى مسؤول او مصدر حكومي غير مصرح به – وهي مرة اخرى صيغة بيانية لم تكتمل-، سواء كانت هذه الدعوى او تلك فهما قد قاما بتأكيد ما لا احسب أن الواقفين وراءهما أرادوا تأكيده من؛
– أن الإيقاف للأفراد او المؤسسات هو سبيل الاعتراض على اي منهما، والسبيل الوحيد لمعالجتهما
– أن المسؤولية معدومة، وأن القانون ومواده قاصرة عن علاج المتجاوزين من صحفيين وغيرهم وعن إيجاد عقوبة رادعة لهم، من ذلك يلجؤ الى النقطة الاولى..
– غياب الموضوعية والتي عادة ما تطلب عزل النظام والحق العام عن الشخوص مهما بلغت مناصبهم، اي أن المساس برئيس المحكمة العليا او المدعي العام ليس مساسا بموسستيهما، ويستدعي التأكد من انتفاء الادعاء، ووجود البينة على ذلك، وتحريك قضايا شخصية وعامة في إطارها القانوني دون خروج عنه باعتقال خارج دائرته، او رد فعل فوق ما يستحق، بِما قد يوصف بالتعسفية والظلم، فهذا إنما يرسخ للمؤسستين ويبرؤهما، ويثبت نزاهتهما، ويحفظ هيبتهما، وفي ذات الآن يبرؤ او يثبت التهم على الشخوص بالدليل والبينة..
مظاهر التاجر وظاهرة الفقاعة؛
لم تغب الزمن في أحداثها الاخيرة عن مظاهر التاجر، الشخصية التي لا تزال تشكل جدلا حقيقيا في الداخل العُماني، وكان لها دور كبير في خبر الزمن الأخير، ومعركتها مع خصومها، الا أن التاجر لا يظهر اهتماما الا فيما يخص القضاء وعموم السلطة، وينتقي من القضاء أشخاصا بعينهم يَصْب عليهم جام غضبه، فهو في سبات عميق عن مواضيع عدة وأحداث وطنية مستحقة، فلا ترى من صولاته من أحد، ولا تسمع له ركزا، فإذا جاء ذكر القضاء او السلطة القضائية عموما وذكر شخوصه المعلومين، انطلق كالمتفلت من عقال، وطفق يخصف بورق ما يجد أمامه، يغدو ويروح، يهدد ويتوعد، يخلط القديم والجديد، والشخصي والرسمي، وكذلك يفعل، ووصل به أن يزعم أن السلطان مسكين محبوس في قصره، وان انقلابا يقوده رئيس المكتب عليه، وخيبات واسعة، ألقى بها مظاهر التاجر، ولم يعقب، لا تدلل الا على مشكلة نفسية وشخصية عميقة مع سلطة القضاء، والذي يمكن ان يعذر فيها من ذلك، ولما قد يكون بينه وبين من يعادي من مواقف، الا أنه يجب أن يتعامل مع جميع تصريحاته على ضوءها..
كما إن التاجر في ظهوره الأخير تفنن كثيرا، فظهر كاتبا لموسوعات عن سلطة وسلطان، وعن قضاء وعدالة، في مجلدات عظام، مذيلة باسمه، لم يسبقها منه بحث صغير او كبير، ولا مقال تأصيلي او تنظيري في هذا الحقل او ما شابهه من قبل ذلك، ودون أن يظهر له في ذلك معين، بل كلها كتبها مظاهر التاجر، وهو ما يثير تساؤل منطقي كيف ومتى وما الهدف ومن أين له الجهد والفكر لذلك؟!…
كما تفنن التاجر مرة أخرى، وساعدته ربما وسائل التواصل الاجتماعية في المشهد الأخير على إحداث بلبلة حقيقية حول القضاء وحول شخوصه، وساعده ايضا رد فعل الجهات الرسمية في الإملاء له، من اعتقال وتصريح وغيره، مما أوجد له مصداقية عند كثير، وهو ما لم يكن ليتحصل عَلَيْهَا لولا مجموع العوامل السابقة..
غير أن التاجر ومن خلال متابعتي حاول اللعب على العواطف، وفي سبيل ذلك أظهر القديم والجديد الخاص والعام الطبيعي وغير الطبيعي، كما أخفى الكثير وأظهر القليل، وهذا ان شئنا التعبير عنه فإن أقل ما يمكن ان يوصف به هو أنه مارس التدليس عمدا، فمهاتفاته التي سجلها لرئيس المحكمة العليا، رغم أنها تعد تعرضا لخصوصية، الا أنها لم تكن عادلة، وكانت شخصيته الموتورة طاغية في مفرداته وصيغة كلامه، فضلا أنه قطع التسجيل بعد معرفة رئيس المحكمة له ولم يشرك به الناس، ما يثير الشك في مصداقيته، وهكذا كانت حواراته المزعومة عبر الواتس أب مع رئيس جهاز الأمن إن صح المتحدث، والتي اجتهدتُ فيها لتثبيت الصفحة التي دحرجها التاجر سريعا، لأتمكن من قراءة الحوار، ورغم انتحال التاجر لشخصية مكذوبة تتكلم عنه مع رئيس الأمن الا ان تفاعل الأخير لم يكن فيه اعتراف ولا تعريض يمكن للتاجر ان يعتمده سلاحا ضده، بل كان كلامه موزونا لا اعتراف به بشيء، رغم ذلك فلم يعي التاجر وافتعل الأزمة في آخر ما كتبه من رئيس الجهاز، وحاول ليه في سبيله، والعادل يرى كيف إنه فشل في ذلك بشكل واضح…
لقد اثر تدخل التاجر في قضية ما جاءت به الزمن، ودخوله طرفا فيها الى المسارعة في إغلاقها، وما جاء بعدها وقبلها من تداعيات..
ورسالتي للأخ مظاهر التاجر أن الحرة لا تأكل بثدييها، وأن العدل في القول والشهادة والصبر عليه قوام النصر وأخذ الحقوق، وأن عكس ذلك قوام الفشل، وأن نبل الهدف -إن صح- لا يبرر خسة الأسلوب، والموتور لا يمكن أن يكون عادلا، ومن لم يَصْدق الوطن العاطفة فلن يصدقه الوطن العاطفة، ومن قزم الوطن والخير فيه سهلا وجبلا في شخوص مهما بلغ صلاحهم وفسادهم فقد احتمل بهتانا وإثما مبينا، وأن الله مع المتقين…
أيها القاضي إلى أين..
لم أكن وأنا أرى والدي رحمة الله عليه في معايانته القضائية الميدانية يعزف عن دعوة لقهوة يدعى لها او ظل يستظله من أطراف الدعوى او من شهد لهم لأعلم ما يعني ذلك حتى بلغ بي العمر، وتمثل لي الحدث، إنه ترفعه لذات القاضي الذي يمثله ومقام الوظيفة التي يتقمصها أن يعاب عليه، او ان يجد عليه طرف من منة فيدخل خلالها اليه، او ينال منصب القاضي منه…فعاش شريفا لم ينله في قضائه سهم كائد ولا ممتن، رحمه الله رحمة واسعة، وأدخله فسيح الجنان..
لقد أخذ سلطان البلاد بطرف شرعي جائز ظهر في السنوات الاخيرة، في إغداق مناصب حساسة عليا بالمال والمعاش والعطايا السنوية، حتى تعف أنفسهم عن أي أمر الا منصبهم، الذي وضعوا له، يعفهم عن المباح (المجادلة والمزابنة وذهاب الهيبة فيهما…) فضلا عن المكروه ( التجارة في غير حاجة والشركات والحوالات…) والحرام ( الرشا، وتحقق المصلحة الخاصة على العامة الخ)، يعفهم عن كل ذلك من اجل الابداع والاخلاص وبذل الجهد..
رسالتي الى كل مسؤول هذا شأنه، إن الامر عليكم مضاعف، عقابا وحمدا، وأن العفة يجب أن تكون شعاركم، وأنكم لستم وباقي الناس سواء، لستم واحدا تجادلون كما يجادلون، وتتاجرون كما يتاجرون، إن جدلكم أمر لا يقبل الرد، وجدلهم يخضع للأخذ والرد، وتجارتكم معبدة سهلة، يخطب ودها، ولا يمكن ردها، ويطمع فيها منكم بالرضى، فهي مدخل لافساد الانفس، وإفساد الأعراض، وانتشار الأمراض، وخلق سوق بعيد عنها الشرف، قريب منها التلف والكلف، وتجارتهم بينهم سواء، تخضع للعرض والطلب والرضى، يدفع بعضها بعضا، رفعا وخفضا….فلا يفيدكم بعد ذلك نيتكم، ولا زعمكم أنكم أناس كما الناس، فهو زعم كذب، كما مر، وإنكم عنه مساءلون..
القضاء وشهادة حق..
القضاء كما غيره من حقول الحياة، إن زرع حنظلا اخرج حنظلا، وإن غرس وردا وورسا اخرج وردا وورسا، فكما تكونوا يول عليكم، وزراعته ليست منقطعة، بل يسبقها تهيئة للغرس عبر حقل التعليم، ونجاعة أحكامه ونفاذها ليست قائمة بذاتها، بل مرتبطة بالحقل التنفيذي، فإن اختل أي منها اختل العدل في العموم..
كان لا بد لذلك الربط بين حقول التعليم والقضاء والتنفيذ لنقترب قليلا، من تبيان واقع القضاء في السلطنة، اذ هي معادلة تتحق بها العدالة، ويتجلى بها الأمن المجتمعي، فالمعلم المجيد في البيئة التعليمية الصحية سينتج لنا قاضيا واعيا عادلا، ومنفذا للحكم حاسما حازما، والناظر في واقعنا يرى الخلل في أنظمة التعليم المختلفة، ومن ثم فالخلل في القضاء وفي جهات التنفيذ هو وارد بقوة، هذا من حيث الجانب النظري..
أما من حيث الواقع والجانب العملي فإنه ومن تجربة ومعرفة شخصية وتاريخ والد كريم في القضاء يمكن تلمس الخلل في القضاء اليوم دون زيادة عناء، من النواحي الإدارية والفنية وحتى الكفائية، وقع الظلم جهلا دون مصلحة، او عمدا مع مصلحة، وفريق تفتيش علميٌ مستقلٌ عن القضاء ومجلسه -وذلك منسحب على جميع الجهات الحكومية- يستطيع بسهولة التدليل على ذلك الخلل في نظام القضاء القائم، وإبراز الخلل جليا إن شئنا التطوير فيه والإجادة، وقد قدمنا ذلك من قبل وبصفة شخصية ومباشرة لفضيلة رئيس المحكمة العليا، بعد ما أبدينا له تجربتنا وشهادتنا..
إن نقد الواقع واجب وطني شريف، وتعرية موجبة، بعدها يكون الستر والعافية، وليس هو تشكيكا دون بينة، او هدما لصرح القضاء ومعالمه، او انتفاءً للعدالة، كما عبر عنه المعترضون لأعداد الزمن الاخيرة، بل ترويج ذلك وزعمه هو الضرر بعينه، لأنه إما أن يكون المعترض جهل وجود الخلل، وأجاب رغم الادلة المعروضة في الجريدة صحت او اخطأت ورغم أدلة الواقع بعدم وجوده وحارب لذلك، فهذا إن لم يمنعه ما جاء وما قد يشهد به الناس وتجاربهم عن إطلاق التعميم والشهادة فلن يمنعه -في الأغلب – ما هو دون ذلك، فلا أمل فيه من ثم لأن يستبين الخلل في المستقبل ويصلحه، وإما أن يكون علم الخلل فكابر رغم ذلك، فهذا أشد يئسا في استفاقته وتسديده من سابقه..
من هنا فإن الشهادة توجب الاعتراف بوجود الخلل في نظام القضاء، خللا فنيا واداريا وكفائيا، ووجوب الحاجة الى تقويم ذلك وتسديده، وهذا لا يمنع من الاعتراف بأن الهيكلة القضائية لعمان عالية، وحال السلطنة واستقرارها يهيئ بامتياز المناخ للتصحيح من نظام القضاء بل ونظام التعليم قبله ونظام التنفيذ بعده، ومن بيدهم القرار محثوثون على ذلك، ولا يعطيهم الشرع والقانون والاخلاق الخيار، ومن فعل ذلك فقد ظلم نفسه، والعدل يوجب علي ايضا ان أُحيل الى ان غياب المرجعية الحاضرة ذهنا وقرارا لتلقي شكوى المظلومين او ملاحظة الملاحظين يدفع بأولاء الى الخروج للعلن، والجهر بالسوء من القول، لأنهم في أنفسهم ظلموا، فإن وجدت القناة التي بيدها اتخاذ القرار العادل سريعا، فلن تكون هناك حاجة لخروج الأصوات المتبرمة للعلن، الا من ظلم نفسه وكشف سوء غايته…
عامتنا وخاصتنا…لو أهل عمان اتيت..
مخطؤ من يظن أن الدول لا تتأثر بالاحداث ولا يطرأ عليها الغِيَر، لأن مكونها البشري اجتماعي إنساني تفعالي، وذلكم التفاعل كائن في شتى الاتجاهات، سلبا وموجبا، ثقافة وقناعة وتشييدا ونظاما عاما، وليست عمان من ثم عن كل ذلك بمنأى، إلا أن المجتمع الناجح، هو ذلك الذي يتحصن خلف وعي مجتمعي رائد، يدرك الصورة الفوقية للمشهد فينتقي بيد ماهرة ما يسره ويترك ما يضره او يغير قيمة او مكتسبا عظيما اكتسبه..
لقد ظهر خلال أحداث جريدة الزمن وتداخل التغريدات المختلفة مدى غياب ذلك الوعي، ومدى غَلِّ تلكم اليد الماهرة، فضجت الساحات بالسب والتهم الجزاف والتهكم والنيل من الناس وأمانتهم، وهو تهديد لتلاشي مكسب شهد به رسول البشرية، من شرف لسان وشرف بنان لأهل عمان، كما ظهر ايضا ذلك الشرخ بين المتداخلين وبين الحكومة ومؤسساتها، وظهرت تلكم الاصطفافية، وتلكم الحزبية القبيحة، حتى لم يعد هناك من تداخل ضد التاجر او ضد الزمن الا هو صناعة أمنية..
إن تلكم النظرية تعد نظرية عبثية وثنائية متخلفة، الأمن والمثقف، او الأمن والشعب، وظهر تخلفها في اعتقادها الضمني ” من ليس مع التاجر او الزمن فهو أمني..” فخلت الرأي والساحة الا منهم ومن الأمن كما يزعمون، وأعدمو بذلك الرأي العام الاخر، وأنه كما إن هناك لوجهة نظر الجريدة والتاجر مريدون ينشرون غسيل خصومهم كذبا وعدلا، فإن هناك لجريدة الزمن والتاجر كارهون من الناس ومن العامة، وينشرون غسيل الزمن والتاجر كذبا وعدلا كذلك، تقاطع أولاء مع طرف ام تقاطعوا مع اخر..
ان غياب تلكم الحقيقة عن اعيننا جعلنا لا نرى الا تلكم الثنائية الاصطفافية العقيمة، والتي هددت دولا وأعدمتها، وما زالت تهدد دولا اخرى وشعوبا من وراءها، والمنجى منها التمسك بالانسان في دواخلنا اولا، وعدم التعامل باصطفائية مُطلقا، وعدم التعجل في الأحكام، وحفظ الأعراض، وعدم ركوب الموجة أين ذهبت، والحفاظ على الموروث الاخلاقي والرصيد الثقافي لمجتمعنا، كان ذلك من عامة الناس او من الجهات المسؤولة أمنية وغيرها،
الاعلام بين التبعية والصمت:
لم يتعاط الاعلام المسالة تعاطيها المستحق، بل من نطق منهم كرس للاصطفاف بيانه، ولم يتوجه للدعوة العامة والنقد العام، ومن صمت لم يعقب، وكان جديرا به ان يسدد ويفعل..
إستقلالية الاعلام والمحسوبين عليه يجب ان يكون له دور في الصدع بوجود الخلل، والصدع باقتراح الحلول، كما إن الصورة النمطية للإعلام انه يجب ان يكون ضد المؤسسة الرسمية والإعلام الرسمي يجب ان يراجع من الطرفين، ويجب للطرفين ان يعملا سويا على الرفع من ثقافة النقد لدى المجتمع، والنأي عن الاصطفاف لأي كان من أطراف القضية، لان في الاصطفاف عمى، وسوء قراءة، وقد اثبتت لنا التجربة في عام ٢٠١١ اثر ذلك على المسار العام، ولعب منتدى الوصال يومها دورا كبيرا في رأب الصدع وتقريب وجهات النظر، الا أن التراجع كان باديا في قضية القضاء الاخيرة، ولا اعلم سببه، والعتب من ثم قائم وبشدة، على كلا الصيغتين، من صمت واكتفى بالنظر وكانت لديه الكلمة، ومن تكلم عن انتماء لطرف وانجرار لموجة، دون ان يكون له صيغة إستقلالية عن الأطراف الداخلة، ولن يقوم الامر الا بتكلم الأوائل واداءهم دورهم العادل، وباستقلال الاواخر، ولو كانت وزارة الإعلام او جمعية المحامين والصحفيين وغيرهم…
المؤسسات المعنية والحكومة عموما…
إن الواجب الوطني الذي تحمله مؤسساتنا هو شرف ما نحن عليه، وشرف ما أولينا به، وليس تشريفا لها بِنَا، من هنا فإن افعالنا وردات فعلنا محسوبة على وظائفنا، ومحسوبة على وطننا، وعلى أمنه واستقراره…
إن السياسة الخارجية التي اثبتت الحكومة نجاحها يجب ان تواكب بسياسة داخلية إن لم تزد عليها درجة فلا أقل أن تكون مثلها، والإبداع إنما يكون في تحقيق تلكم المعادلة الدقيقة..
الخروج عن القانون المنصوص في عمومه يجهد الدول، ويخلخل نظامها، ويضعها في حرج، ويمس من هيبتها لا شك، كان الخروج من الأفراد او المؤسسات غير الحكومية، ان لم تجد من يردعها، أو ممن هم معنيون بتفعيل وتطبيق القانون، من الجهات الضبطية والأمنية، بل إن خروج الأخيرين الرسميين أشد وأنكأ، لأنهم عمود القانون، وهم أهله وخاصته، وأحق الناس بتقويته وتطبيقه وإلباسه لبوس الهيبة والوقار، بدءا بالنظام الأساسي للدولة الى ما دونه من قوانين، ويدخل في ذلك الأحكام..
والحق كما مر، فهناك ترهل في القانون بسبب ترهيل أهله له،
وترهل من ثم في عموم الدولة وانظمة عملها على مختلف المستويات، أحكاما وقضايا وعقوبات، وهو ما يسبب كثيرا من هدر للمال الخاص والعام، والحقوق والواجبات، وشتات للجهود، واغتيال للابداع والتطور، وعلى الحكومة ومؤسساتها المعنية أن تتقبل ذلك الواقع المنقود وتعمل على تغييره بدل صم الآذان عنه اي النقد والتفاعل بسلبية بدعوى هيبته اي القانون او القضاء والدولة، فالدولة ملك الجميع، والهيبة هيبة القانون، والقانون والدولة معني بهما الجميع، ليسا هما حكرا على مسؤول، او أن يُفَصِّلَهما أحدهم مسؤولا وغيره على قدر مصالحه ومصالح من يليه، وهي أمانة في أيدينا لمن يلينا من ابناءنا ولأجيال اخرى قادمة..
إن ما يفتح المجال للعابثين والوالغين من الخارج، من مؤسسات ” الاسم شايع والبطن جايع” او مؤسسات ” من برَّا الله الله ومن داخل يعلم الله..” هو ذلكم التفاعل الرسمي مع القضايا، والذي هو حجر زاوية لرد الفعل الشعبي، إيجابا وسلبا، والذي هو ايضا مبني على خبرة وتراكمات يعرفها العامة والمسؤول ، وإن عدم تفعيل قنوات إصلاح فاعلة وحقيقية تخترق جميع المستويات بين اعلى هرم من المؤسسة الى الشارع والمجتمع وتضمن المباشرة والسرعة بينهما، دون أن يضر ذلك في نظام المؤسسة العام بل يرفد ويقوي، ليجس نبضه، ويرى رأيه في خدمته، أو وضع مؤسسته مهما تخصصت، إن عدم وجود تلكم القنوات الفعلي او عدم وجودها التفاعلي ( فقط في الأوراق “وهي وجهتها خبر خير..”) واكتفاء المسؤول ببطانته وحاشيته ومن حوله هو من الأسباب الرئيسة للترهل، بل يكاد يكون هو السبب الرئيس والأكبر في وضع الدولة اليوم، ولا يستثنى من ذلك منصب في الدولة مهما ارتفع…
رسالة اخيرة..
لم يغب إشكال ما أحدثته جريدة الزمن في أخبارها، ولا أثر نائب رئيس المحكمة العليا في تصريحاته، ولا مشكل ردة الفعل الرسمية على ما جاء من توقيفات وغلق لجريدة الزمن وتصريحات مضادة، ولم يغب المواطن في خبرته التراكمية ومعرفته بالبلد قبل هذه الأحداث، جيدها وسيئها، في تشكيل قناعته، وحكمه على عموم المشهد، قالت أطرافه وسوّقت لنفسها ولرسالتها، رسمية وعامة، ام لا، وإن لم تُبْدَ تلكم القناعاتُ واكتنزتها الأنفس، لم يغب كل ذلك ولا ينبغي أن يغيب، لا سيما الأخير، ولا سيما من جهات الدولة الرسمية، لأن في ذلك حصنا للجميع، وحرزا للحاضر والمستقبل، رسالتي ها هنا الى وجوب تدارك الأخطاء وسرعة تفعيل القانون بحقه، وتحميل الشاهد مسؤوليته، والشفافية في خطواته، ويجب تبرئة المسؤول إن كان بريئا في أعين العامة، كما اتهم في اعينهم، او يدان كما ادين، ويتحصل ذلك بالرد على المسألة المثارة، والأحكام التي ذكرت بأرقامها، أنها مغطاة او مزورة، برد علمي رزين، ويجب ان يفعل القانون ويشد عليه، بدءا بتعزيز التفتيش والرقابة على الأداء من قبل جهات مستقلة لا تتقاطع والجهة التي يقع عليها التفتيش، ولا يد للأولى على الاخيرة، وانتهاء بتفعيل ثقافة الخطوط الساخنة بين المسؤول والعامة، فضلا عن المسؤول وموظفيه، وهذا يكون أوجب في المؤسسات الرقابية والأمنية، وأن يتم إعطاء الملاحظات حقها من النظر والسرعة في البت والعمل، كما يجب علينا كمواطنين عدم الوقوع في فخ ما وقعت وتقع فيه الامم الاخرى من الاصطفاف، والفصل بيننا وبين الحكومة وأجهزتها، لا سيما الأمنية والقضائية، وكأنها جاءت من المريخ، او من دولة أخرى محتلة، ويتعامل معها بالشك والريبة، فكل قبيح منها، وكل صادق وصالح من غيرها…
٩ ذو القعدة ١٤٣٧
١٢ اغسطس ٢٠١٦





