في الكتابة عن الكتابة

يكتب محمد الهادي الجزيري عن انشغاله منذ منتصف الثمانينات بالكتابة عن الكتابة، مستشهدًا بمقاطع من «هدنة» و«قنوط» و«هاتها» وأسئلة جدوى الكتابة.

في الكتابة عن الكتابة
النصّ البحريّ


” هذا البحر المحيط بحري، لكن ادّعت السواحل أنّه لها “
ابن عربي


محمد الهادي الجزيري

من أهمّ المحاور والمواضيع التي تشغلني منذ منتصف الثمانينات من القرن الماضي ، ككائن مصهور في فرن الكلمات والمعاني ، موضوع الكتابة عن الكتابة ، وقد كتبت عديد القصائد منصاعا لأوامر الهاجس الأكبر المسيّطر عليّ ، ألا وهو أرق الكتابة وصداعها ، جدواها ومخاطرها ، أسئلتها وحرائقها …إلخ ، وبصرف النظر عن القصائد الخاصة بهذا الموضوع المزعج بالنسبة لي ، تكاد لا تخلو قصيدة واحدة من متني الشعري ، من الإشارة أو الإلتفات إليه ، وتوريطا منّي لأهل الكتابة والصداع ، وتذكيرا لمن نسي هذا الألم في استراحة محارب ، أو إغفاءة عليل ، أطرح بعض الجمرات الشعرية على هذه الصفحة ، حتّى يقاسمني إخوتي الأعداء هذا الوجع المزمن ، وذاك أضعف الإيمان :

هدنة

أين ضيّعت وجهك؟

في غابة الخبز أم في قفار الكتابةْ؟

وإلى أين تمضي بك الأبجديّة والحزن

يا طائرا ظنّت الريح أنّه تاب؟

وما تبت … لكنّها هدنة ، كان لابدّ منها:

لتبكي قليلا على ما فقدت

لتنزف حبر الكتابةْ

قنوط

كأنْ ما اختليت بها قبل ليلك هذا

وما فاضت العين والكأس والأبجدية

من فرط ما بكما

كأنْ ما توهّجت بين يديها

وأوغلت فيها

كما ينفذ الطير في الشجرةْ

كأنْ ما تكسّرت في حضنها

وتحدّرت في نحرها دمعة .. دمعة

كأن ما اختليت بها قبل ليلك هذا

وقلت لها ما يقول غريب لأنثاه في ركن غابةْ

كأنْ لم تعد مؤمنا بالكتابةْ

مقطع من قصيدة ” هاتها “

هاتها

للقصيدة فرسانها الأغبياء

وبي ظمأ للحياة ولذّاتها

هاتها

لم أعد أحدا بالقصيدة

ولولتُ من شجن بالغ في طريقي إلى القبر

فاعتقد الناس ما اعتقدوا

أَوَ شعر بكائي على طائر كنتُه ؟

أوَ شعر نواحي على أمّة

غصّ قلبي بأيتامها

وقطعت حياتي وراء جنازاتها؟

هاتها

ولتحلّ على كتبي لعنتي

وعلى كلّ من حوّلوا وجهتي

من سكينة روحي إلى ضجّة الكتبِ

أين أهرب من هذه الجلبةْ؟

كيف أفلت من زحمة الكلمات وأصواتها؟

….. ؟ …..

لم أكتب منذ

ولن أكتب حتّى

ما جدوى إهداري لدمي

في رسم الموتى للموتى؟

ما جدوى تبذيري لحياتي

في بيت اللغة المهجورْ

وبيوت الدهشة شتّى؟

شارك هذا الخبر