أثير- د. محمد بن حمد العريمي
استعرض الدكتور سليمان بن عمير المحذوري من هيئة الوثائق والمحفوظات الوطنية، خلال مشاركته في الملتقى الصحفي العُماني التنزاني، عمق العلاقات التاريخية والحضارية التي ربطت سلطنة عُمان بمنطقة شرق إفريقيا عمومًا، وتنزانيا على وجه الخصوص، مؤكدًا أن هذه الصلات لم تكن وليدة القرون القريبة، وإنما تمتد جذورها إلى أكثر من ألفي عام، قبل أن تتطور عبر مراحل تاريخية متعاقبة لتنتج تداخلًا اقتصاديًا واجتماعيًا وثقافيًا ما تزال شواهده حاضرة حتى اليوم.
وجاءت ورقة الدكتور المحذوري بعنوان “سلطنة عُمان وجمهورية تنزانيا.. صلات تاريخية وآفاق مستقبلية”، ضمن الملتقى الصحفي العُماني التنزاني، لتقدم قراءة تاريخية لمسار الحضور العُماني في شرق إفريقيا، والعوامل التي أسهمت في نموه، وأثره في الحياة الاقتصادية والحضارية، إلى جانب ما يمكن أن يشكله هذا الإرث المشترك من أرضية لتعزيز علاقات البلدين في الحاضر والمستقبل.
صلات تتجاوز ألفي عام
أشار المحذوري إلى أن الصلات العُمانية التاريخية والحضارية بمنطقة شرق إفريقيا، التي عُرفت لدى العُمانيين باسم “السواحل”، ترجع إلى أكثر من ألفي عام، مستندًا في ذلك إلى ما ورد في كتاب “الطواف حول البحر الأريتري” (Periplus of the Erythraean Sea)، وهو ما يجعل العُمانيين من أقدم الشعوب العربية اتصالًا بسواحل إفريقيا الشرقية.

ولم تكن تلك الصلات عابرة أو مرتبطة بمرحلة تاريخية واحدة، وإنما تواصلت الهجرات العُمانية، الجماعية والفردية، على امتداد حقب زمنية مختلفة. كما تكشف الشواهد التاريخية عن النشاط التجاري والحضري الذي كان قائمًا على الساحل الشرقي لإفريقيا عند وصول البرتغاليين مطلع القرن السادس عشر؛ إذ وجدوا مدنًا مزدهرة، وحركة تجارية نشطة، وبحارة عربًا يمتلكون سفنًا كبيرة ويتمتعون بمعرفة واسعة بموانئ المنطقة.
لماذا اتجه العُمانيون إلى شرق إفريقيا؟
توقفت الورقة أمام جملة من العوامل التي دفعت العُمانيين إلى الهجرة نحو سواحل شرق إفريقيا، من بينها عوامل سياسية ارتبطت بالحروب الداخلية والخارجية، وأخرى اقتصادية في مقدمتها التجارة وامتلاك أسطول بحري كبير، إلى جانب عوامل جغرافية وطبيعية.
وكان الموقع الجغرافي عاملًا مهمًا في توجيه النشاط العُماني نحو شرق إفريقيا، إلى جانب طول السواحل العُمانية ووجود الموانئ الملائمة لرسو السفن، في مقابل ما تمتعت به مناطق شرق إفريقيا من خصوبة الأراضي وتنوع الموارد والمناخ.

كما ساعد النشاط الملاحي والتجاري الواسع للعُمانيين في المحيط الهندي، وامتلاكهم أنواعًا متعددة من السفن الشراعية مثل البوم والبغلة والسنبوق والبدن والجالبوت، على استمرار حركة الانتقال والتجارة بين الضفتين.
الرياح الموسمية: طريق طبيعي بين الضفتين
لفت المحذوري إلى الدور الذي أدته الخبرة البحرية المتراكمة لدى العُمانيين في تعزيز تلك الصلات، فقد عرف البحارة العُمانيون الطرق البحرية وحركة الرياح الموسمية في المحيط الهندي، واستطاعوا توظيفها في تنظيم رحلاتهم بين الموانئ العُمانية وساحل شرق إفريقيا.
وكانت السفن تبحر مستفيدة من الرياح الشمالية الشرقية في رحلتها إلى شرق إفريقيا، ثم تعود مع الرياح الجنوبية الغربية، وكانت الرحلة المباشرة بين عُمان وموانئ شرق إفريقيا تستغرق في الظروف الملائمة نحو ثلاثة إلى أربعة أسابيع.
وساعدت هذه الخبرة البحرية على قيام حركة تجارية نشطة، حصل من خلالها العُمانيون على عدد من المنتجات والسلع الإفريقية، مثل الأخشاب والقرنفل والعاج والصمغ والجلود، في مقابل سلع عُمانية ومحلية من بينها التمور والليمون والأسماك المجففة.
زنجبار: نقطة تحول
شكّل استقرار السيد سعيد بن سلطان في زنجبار عام 1832م محطة مفصلية في تاريخ العلاقات العُمانية بشرق إفريقيا، إذ أصبحت زنجبار مركزًا مهمًا لإدارة شؤون الدولة. كما تحولت إلى وجهة لهجرة أعداد من القبائل والأسر العُمانية التي استقرت في مناطق مختلفة من الساحل والداخل الإفريقي.
وأوضحت الورقة أن اختيار زنجبار ارتبط بمجموعة من الاعتبارات الإستراتيجية والجغرافية والاقتصادية، من بينها موقع الجزيرة وقربها من الساحل الإفريقي، وتوافر المياه العذبة وخصوبة الأرض، فضلًا عن المقومات التي أهلتها لتصبح مركزًا لتجميع سلع الداخل الإفريقي ومحطة مهمة لتجارة الترانزيت.
ونتيجة لذلك، تطورت زنجبار خلال القرن التاسع عشر إلى مدينة تجارية مزدهرة تستقطب التجار من جنسيات مختلفة، وانفتحت على العالم الخارجي من خلال عقد معاهدات واتفاقيات دولية مع عدد من القوى الكبرى آنذاك، ومنها الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وفرنسا، في سياق السعي إلى تعزيز المبادلات التجارية والعلاقات الدبلوماسية.

من الساحل إلى قلب إفريقيا
لم يقتصر النشاط العُماني، بحسب الورقة، على زنجبار والسواحل الشرقية للقارة، بل امتد إلى داخل إفريقيا، حيث كان التجار العُمانيون يتوغلون في الداخل قبل القرن التاسع عشر، ثم شجع السيد سعيد بن سلطان على إحياء الطرق التجارية المتجهة إلى المناطق الداخلية.
ووصل النشاط التجاري إلى منطقة البحيرات الاستوائية، ومنها بحيرات فكتوريا وتنجانيقا ونياسا، كما تأسست مراكز ومدن في الداخل الإفريقي، من بينها تابورة وأوجيجي، أدت دورًا في تزويد القوافل بالمؤن وتخزين البضائع.
وتشير الورقة إلى أن هذه الطرق والمحطات التجارية أسهمت كذلك في تسهيل حركة الكشوف الجغرافية داخل القارة، وأن جماعات عُمانية استقرت في مناطق داخلية تقع اليوم ضمن تنزانيا وأوغندا وبروندي والكونغو وغيرها.

دار السلام: اسم عربي ومدينة تنزانية
من المحطات التي تناولتها الورقة مدينة دار السلام، التي أنشئت في عهد السلطان ماجد بن سعيد سلطان زنجبار في عام 1866م.
وأشار المحذوري إلى أن اسم “دار السلام” عربي الأصل، وأنه عكس الطابع السلمي والتجاري الذي أُريد للمدينة منذ نشأتها، لتصبح لاحقًا واحدة من أهم المدن في شرق إفريقيا والعاصمة الاقتصادية لتنزانيا.
تأثير حضاري تجاوز التجارة
لم تكن العلاقات العُمانية بشرق إفريقيا ذات طابع سياسي وتجاري فحسب؛ إذ نتج عن التواصل المستمر والهجرات والمصاهرة والتعايش تأثير حضاري متبادل شمل جوانب واسعة من الحياة اليومية.
وتناولت الورقة مظاهر هذا التأثير في الأسرة والزواج والمصاهرة والعادات والتقاليد والملابس والمأكولات واستخدام البهارات والموسيقى والطرب والرقصات الشعبية وفنون البحر، إلى جانب أشكال التعايش بين العرقيات والطوائف والأديان المختلفة.
وكانت اللغة والثقافة السواحلية من أبرز صور هذا التفاعل الحضاري؛ إذ نشأت السواحلية “كيسواحلي – Kiswahili” في بيئة شهدت امتزاج اللغات واللهجات الإفريقية، وفي مقدمتها لغات البانتو، مع مؤثرات عربية وفارسية جاءت نتيجة قرون طويلة من التواصل والتجارة.


وأوضح المحذوري أن اسم اللغة نفسه يرتبط بالكلمة العربية “ساحل”، وأن السواحلية كُتبت بالحروف العربية مدة طويلة، قبل أن تحل الحروف اللاتينية محلها خلال القرن العشرين في ظل السياسة البريطانية في المنطقة.
وتنتشر السواحلية اليوم في مساحة واسعة من القارة الإفريقية، وتُعد من أهم اللغات المستخدمة فيها، خصوصًا في تنزانيا وكينيا، كما تُدرّس في جامعات ومعاهد لغات في عدد من دول العالم.

ومن الطرائف الثقافية التي أوردتها الورقة وجود نماذج من الشعر العُماني العربي الذي تنتهي أبياته بقافية سواحلية، بما يعكس عمق التداخل اللغوي والاجتماعي الذي نشأ عن حركة العُمانيين بين عُمان وشرق إفريقيا.
فمن فرائد الشعر العُماني قصيدة باللغة العربية الفصحى تنتهي بقافية سواحيلية. مثال من شعر العلامة ناصر بن سالم بن عديم الرواحي:
يا خميسًا يا مهوكا / لا تقل أني مشوكا ( تعبان )
كلما أدعوك دومًا / قيل لي هاكو كتوكا ( خرج غير موجود)
كل وقت أنت عن / خدمة بيتي وتروكا ( تهرب )
الماضي بوابة للمستقبل
بعد استعراض هذا الامتداد التاريخي، انتقلت الورقة من سؤال الماضي إلى سؤال الحاضر والمستقبل، مؤكدة أن الإرث المشترك بين سلطنة عُمان وتنزانيا يمكن أن يشكل قاعدة للبناء عليها وتطوير علاقات البلدين في مجالات متعددة.
ومن مظاهر العلاقات الحديثة التي أشارت إليها الورقة زيارة فخامة رئيسة جمهورية تنزانيا المتحدة إلى سلطنة عُمان في يونيو 2022م، وما صاحبها من توقيع عدد من مذكرات التفاهم في مجالات مختلفة، من بينها التعليم العالي والمتاحف الوطنية.

كما تناول المحذوري جانبًا من التعاون الوثائقي والثقافي بين البلدين، ومن ذلك إقامة المعارض والندوات والمؤتمرات، مشيرًا إلى افتتاح معرض وثائقي بعنوان “عُمان وعلاقاتها الدولية” في مركز المعارض بمدينة دار السلام في سبتمبر 2013م، فضلًا عن التعاون بين هيئة الوثائق والمحفوظات الوطنية والأرشيف التنزاني في مجالات الرقمنة وتبادل الخبرات.

ذاكرة مشتركة
تكشف ورقة الدكتور سليمان بن عمير المحذوري في مجملها أن العلاقة بين عُمان وتنزانيا تتجاوز مفهوم التواصل السياسي الحديث بين دولتين، فهي علاقة صنعتها قرون طويلة من الإبحار والهجرة والتجارة والاستقرار والمصاهرة والتفاعل الثقافي.
وإذا كانت السفن الشراعية والرياح الموسمية قد أسهمت قديمًا في وصل الموانئ العُمانية بالساحل الإفريقي، فإن ما خلفته تلك الرحلات من لغة وثقافة وعادات وذاكرة مشتركة لا يزال يمثل جسرًا إنسانيًا بين الشعبين، ورافدًا يمكن البناء عليه لتوسيع آفاق التعاون العُماني التنزاني في المستقبل.





