د.عبدالله باحجاج يكتب: التحول الثالث لدور الدولة الاجتماعي

عن الكاتب

د.عبدالله  باحجاج
د.عبدالله باحجاج

كاتب، وباحث، وصحفي عُماني

د.عبدالله باحجاج يكتب: التحول الثالث لدور الدولة الاجتماعي
د/ عبدالله باحجاج يكتب: الفصل من الكليات والجامعات .. ليس حلا ، وهذه هي الأسباب

د/عبدالله عبدالرزاق باحجاج

كاتب عماني

أنهينا مقالنا الاخير المعنون باسم “قراءة متعمقة … في مسير مستقبل المصير”، بالتساؤلات التالية: هل هناك من يقوم بدراسة هذا المستقبل الذي يتم صناعته من خلال نظام الجبايات؟ وكانت إجابتنا عليه بالنفي، وتوصلنا من خلاله الى النتيجة التالية: أن ذلك يشكل كبرى الاشكاليات المعاصرة في بلادنا، فالحكومة مهتمة بالسياسات المالية والضريبية أكثر من الاعتبارات الاجتماعية، بل إن اهتمامها بها يتجه إلى الحد الادنى، على عكس مراحل السبعينيات والثمانينات والنصف الاول من عام 1996م.

كلنا نعلم أن نهضتنا الحديثة قد تأسست على الاعتداد بالبعد الاجتماعي من منطوق أول خطاب تاريخي لعاهل البلاد حفظه الله، وذلك عندما وعد شعبه بالحياة السعيدة والدولة العصرية.

 ومن ثم طرحنا التساؤلات التالية: الى أي مدى ستتخلى الحكومة عما تبقى للدولة من دور اجتماعي؟ موضحين سياسات مالية وضريبية محددة راهنة ومستقبلية، تروج لها الحكومة عبر تسريبات وتصريحات من مصادر رسمية لكنها ليست حكومية.

كما طرحنا تساؤلا آخر، وهو هل يحق للحكومة لوحدها فرض ضرائب ورسوم على المجتمع؟ وهنا ينبغي أن نفرق بين الواقع وما ينبغي أن يكون عليه هذا الواقع، والواقع أن الحكومة لا نزال في حقبة استفراد الحكومة بالقرارات المصيرية للبلاد وبالذات التي تحمل المواطنين أعباء مالية إضافية، وما ينبغي أن يكون عليه الواقع أن أية رسوم أو ضرائب على المواطنين لابد من أخذ موافقة مجلس الشورى عليها، باعتباره ممثلا عن المجتمع، وشريكا للحكومة، لدواعي ضمان العدالة والمساواة في تحمل الأعباء المالية الجديدة، وتساؤلنا الأخير، الى أين نحن سائرون بالمجتمع؟ طرحناه لفتح الآفاق السياسية في ضوء كل ما تقدم، وما تم إضافته الآن.

تلكم تساؤلات لابد أن تطرح الآن إذا ما اردنا أن نتحكم في نتائج التحولات الراهنة التي تتم على خلفية الأزمة النفطية التي في طريقها للتعافي، ومن خلالها -أي تلك التساؤلات- لابد من إجراءات علمية تقييمية وتقويمية وتصويبية، لاستدراك المسير حتى نصل للمصير السياسي الذي تتوخاه القيادة السياسية العليا والمجتمع، وهذا يحتم علينا استقراء المسارات التي ستنتجها السياسات المالية والاقتصادية بشفافية النتائج الراهنة والمستقبلية، لأن نتائجها لا يقذف بها في البحار ولا المحيطات ولا الصحاري والوديان ، وإنما داخل  المجتمع الذي يتفاعل معها سلبا أو ايجابا ، آجلا أم عاجلا .

فماذا وراء التوجهات التي تتخذها الحكومة على وجه التحديد منذ بداية العام 2016م؟ لابد أن ننظر للمسألة من منظور هذا التساؤل، وهذا سيحرر رؤيتنا من ضغوطات التبعية للأزمة المالية الناجمة عن انهيار اسعار النفط، وبالتالي سيجعلنا ننظر لكل ما يجري حاليا بصورة مختلفة تماما، خاصة في ظل تعافي أسعار النفط قبل نهاية العام 2016م، والموارد المالية الجديدة الناجمة عن السياسات المالية والضريبية حتى الآن .

 كيف؟ الكيفية تجعلنا نبحث هنا عن التحولات التي طرأت على دور الدولة الاجتماعي، فمن خلالها سنتعرف، هل ما يجري حاليا وما سوف تتخذه الحكومة لاحقا من سياسات مالية وضريبية… هل من أجل الموائمة مع الأزمة النفطية أم أنها تعتبر فرصة سانحة للتحول الثالث في دور الدولة الاجتماعي والاقتصادي؟ وإذا كانت من أجل الموائمة، فلماذا تواصل الحكومة سياساتها بصورة تصاعدية وتمس عمق البنية المجتمعية رغم ارتفاع أسعار النفط، وتجاوزها خط الخطر بأضعاف المستويات؟

يبدو لنا واضحا أن الحكومة تتخلى تدريجيا عن دور الدولة الاجتماعي بعد ان سمحت لصندوق النقد الدولي بالدخل في شؤونها المالية على غرار بقية دول مجلس التعاون الخليجي، بعد ما وجدت نفسها مضطرة في ظل استمرار تدني أسعار النفط في منتصف عام 2014م، وقد رسم خبراء الغرب سيناريو مخيف لأسعار النفط، لم يكن حقيقيا ، وإنما كان لدواعي التخويف حتى تقبل هذه الدول أجندة الصندوق والبنك الدوليين ، وقد نجح الخبراء في هز هذه الدول بالتوقعات المخيفة لانهيار الاسعار النفطية إلى حاجز (20) دولارا للبرميل، فشهدناهم -أي خبراء تلك المؤسستين- في العواصم الخليجية الست لعدة أسابيع ، يرسمون سياساتها المالية ويحددون أوعيتها الضريبية الجديدة، وما على الدول الخليجية سوى تطبيقها دون الاعتداد بالأبعاد الاجتماعية، فتلك المؤسستين غير معنيتين بتلك الأبعاد أبدا، كل هاجسهما الأرقام المجردة، وفتح كل أبواب الدول الاقتصادية للشركات عابرة الحدود .

ومن المعروف أن الدور الاجتماعي للدولة، شهد ثلاث تحولات أساسية منذ عام 1970م وحتى الآن، يشكل كل واحد منها، مفصلا تاريخيا في إعادة صناعة المجتمع على وجه التحديد. الأول من عام 1970م-1995م، وهو دور تدخلي في الاقتصاد والمجتمع، وقد تمكنت من خلاله السلطة السياسية من صناعة مجتمع بمنظومة ولاء وانتماء عالية الارتباط ببنيات الدولة الفوقية والتحتية، إلى مستوى أن اطلقنا عليه في مقالات عديدة بـ “القوة النووية العمانية”.

 والثاني، التحول نحو الليبيرالية من خلال صياغة الرؤية الاقتصادية 2020م، فمن خلاله تنازلت الدولة عن دورها الاقتصادي للقطاع الخاص بنسبة (80%) بينما ظلت محتفظة بنسبة (20%)، فشهدنا من خلالها ربط الاقتصاد العماني بالاقتصاد العالمي، والدخول في اتفاقيات ثنائية مع الدول الكبرى، وتبني نظام الخصخصة على حساب دورها الاجتماعي التقليدي، وتحول مسار التوظيف فجأة من الحكومة الى القطاع الخاص، غير أنها لم تتحول لليبيرالية بمفهومها المتوقع لها بسبب الضغوطات الاجتماعية.

 والتحول الثالث النيولبيرالي الذي أصبحت المؤسسات المالية والنقدية العالمية تحاول فرضه على دول الخليج العربي بقوة تخويفها بانهيار الأسعار النفطية، وضرورة تبني نظام الجبايات، ويبدو أنها قد نجحت في حمل هذه الدور حتى الان بحيث نجدها ماضية وبقوة فيه تحت ضغوطات الأزمة المالية، وهاجس استدامة مالية الدولة من خلال فرض الضرائب والرسوم، وتصاعدها المتواصلة أي من خلال نظام الجباية – راجع مقالنا الاخير – المعنون باسم “قراءة متعمقة…في المسير نحو مستقبل المصير”.

فهل النظام الليبيرالي أو النيوالليبرالي، يلزم الدولة – بصفة مجردة – أن تتخلى نهائيا أو تقلص إلى حد كبير دورها الاجتماعي؟ وهل هناك من يتابع التحولات التي سوف تطرأ على نظام العولمة بعد مجيء الرئيس ترامب للرئاسة في أمريكا، ومساعي اليمين المتطرف في أوروبا وتحديدا في فرنسا وايطاليا والمانيا وهولندا الوصول للحكم؟ إذا، لا ينبغي الاستعجال في هذه الهرولة، وأمامنا الآن عالم يتغير ويتحول من منظور سياسي وايديولوجي يلوح به ترامب، وهو الشعبوية … للموضوع تتمة بعد عودتنا من الخارج.

شارك هذا الخبر