الدكتور عبدالله عبدالرزاق باحجاج
لم تكن منطقتنا – بعربها وفرسها – بحاجة لدور السلطنة الآن ، أكثر من أي وقت مضى ، رغم اهمية ادوارها السابقة ، ونجاحها في نزع فتيل ازمات اقليمية كبيرة ، وتجنيب المنطقة حرب جديدة على خلفية الطموحات الايرانية النووية ، فهناك سيناريو مخيف الان ، يعيد مشهد المواجهة مجددا بصورة غير مسبوقة ، والاخطر ما في هذه المرحلة ، التهيئة النفسية الخليجية للمواجهة مع ايران على حساب التصالح.
وهذه التهيئة قد تم صناعتها بوسائل رعب عديدة ، منها تعرية الخليج العربي من اية ضمانة أمنية عالمية، وتصوير طهران عبر اذرعتها المنتشرة في عدد من دول المنطقة في عهد الرئيس الامريكي السابق اوباما ، على أنها الخطر الوجودي الاول للدول والانظمة الخليجية ، ولم تعمل طهران من جانبها على تبديد المخاوف ، بل إنها ساعدت الغرب في هذه التهيئة.
فهل وقعت إيران في الفخ أم كانت حساباتها الاقليمية غير دقيقة ؟ وهل الانظمة الخليجية ستستفيد من اخطاء الماضي القريب أم ستستقوي مجددا بالأجنبي الذي يعود مجددا للوقوف معها ، طمعا في خيراتها ، ولمصالح اسرائيلية معروفة . فعلا ، الظروف كلها مهيأة لكل الاحتمالات ، صناعة تاريخ جديد في العلاقات الاقليمية أو مرحلة صراع جديدة.
وزيارة الرئيس الايراني روحاني القصيرة مسقط مؤخرا ، وفي توقيتها الزمني ، تعلي من شأن الخطر المحدق بالمنطقة ، وتظهر طهران في موقف المبادر بالمصالحة ، فهل ذلك ممكن الان أم جاءت في اللحظة الاخيرة ؟ ورغم شح المعلومات حول طبيعة تحركات روحاني لمسقط والكويت ، الا أن صحيفة فانينشال تايمز البريطانية تقول إن ايران باتت على استعداد لإجراء حوار مباشر مع السعودية مقابل تقليص دعمها للحوثيين والدعوة الى وقف اطلاق النار ، واجراء محادثات يمنية يمنية ، كبادرة حسن نية من طهران ، فهل ستقبل الرياض ان تقدم طهران هذه البادرة من خلال الازمة اليمينة أم السورية ؟ فيما تقول صحيفة ،، عالم الاقتصاد ،، الايرانية من جهتها إن الرئيس روحاني طلب من مسقط ايصال رسالة الى الرياض تعبر عن استعداد بلاده للحوار بشكل مباشر ودون اية شروط ، وتحييد التهديد الاقليمي.
إذًا ، ما مدى إمكانية قبول السعودية للدعوة الايرانية ؟ هنا تأتي دعوة عاهل البلاد حفظه الله ورعاه لشقيقه الشيخ صباح الاحمد الصباح أمير دولة الكويت لزيارة البلاد لمدة ثلاثة ايام لبحث العرض من منظور التحديات الكبرى التي تواجه المنطقة دون الاغراق في جدلية ردة الفعل الايرانية المتجاوبة أخيرا مع المصالحة ، وذلك لبلورة موقف عماني كويتي ، يمكن أن يدفع ببقية المواقف الخليجية نحو صناعة فعل عقلاني بعيدا عن الضغوطات الاقليمية الدولية.
من هنا ، تفتح محادثات عاهل البلاد مع أمير الكويت ، الاحتمال الايجابي ، رغم تغليب سيناريو الأسوأ بعد ان صنفت ادارة الرئيس ترامب مؤخرا ايران كأبرز دولة راعية للإرهاب ، وقبلها فرضت عقوبات اقتصادية جديدة على مجموعة من كيانات ايرانية بعد الاعلان الايراني عن انتاج صواريخ بالستية ، وكذلك في ضوء تمدد ايران الاقليمي ، وقيادتها نزاعات ساخنة في المنطقة ، في سوريا والعراق .. وتُتهم بتدخلها بالوكالة في نزاعات اقليمية أخرى كاليمن.
وتقدم مسقط نفسها مجددا، كمتنفس مثالي للأزمات الاقليمية عندما تصل الى طريق مسدود ، أو لمساعدة الفرقاء في المنطقة على الخروج من اختناقات السياسة الدولية ، ولنا في دورها في الاتفاق النووي الايراني الغربي عام 2015 – أنموذجا – حيث جنب المنطقة حربا جديدة ، وفتح الآمال لمرحلة سلام اقليمية ، لم تستغل بصورة ايجابية ، خاصة انفتاحها نحو التصالح مع دول الخليج ،ففي حينها كانت الظروف الاقليمية والدولية مهيأة لإنتاج التصالح الاقليمي ، وسيكون من السهولة بمكان قبول مبادرة طهران بخلفية اليمن كبادرة حسن نية.
ربما لم تكن الحسابات الايرانية دقيقة لتلك المرحلة ، لعدة اسباب ، ابرزها شعورها بانها في موقف الاقوى ، وأن أمريكا أكبر دولة في العالم ، تكسب ودها ، بعد أن أظهرت عاجزها ، وشلل ارادتها في قضايا اقليمية ساخنة مثل الازمات السورية والعراقية واليمينة ، لصالح روسي، بل إنها ترى ان العالم دخل في مرحلة ما بعد الغرب ،وأن كل تطورات العالم لم تعد تصنع فيه – اي الغرب – من تساؤلنا سابقا ، هل وقعت طهران في الفخ أم في حسابات غير دقيقة؟
وكل من تابع مؤتمر ميونيخ للامن الاخير ، ان التحول نحو مرحلة ما بعد الغرب لن بهذا السهولة ؟ فقد تدخل نائب الرئيس الامريكي مايك بنسر في هذا المؤتمر واضعا حدا لهذا الجدال ، وذلك عندما ذكر بوعد الرئيس ترامب بدعم اوروبا ومساندة حلف شمال الاطلسي ، مؤكدا تمسك بلاده بالنظام العالمي الذي نجم عن الحرب العالمية الثانية.
ولم تنتبه طهران بعدم انتهاء مرحلة قيادة الغرب للعالم – وبالذات أمريكا – الا بعد أن اختبرت الرئيس ترامب بعيد تسلمه الرئاسة ، بالإعلان عن صواريخها بالستية ، فتفاجأت بحزمة عقوبات اقتصادية جديدة ، والان تتفاجأ كذلك بمخطط اقليمي امريكي وتضيف بعض المصادر الكيان الصهيوني ، يستهدفها ، ويجعلها محور صراع ربما غير مسبوق ، رغم ان هناك مؤشرات قد سبقت مرحلة اختبارها لترامب ، ويجعلها تنظر بعين فاحصة ، أن حقبة اوباما ما هي إلا مسرحية لتهيئة النفسيات السياسية والاجواء العامة للمنطقة لمرحلة ترامب ، أو في أحسن الظن ، أن ترامب وإدارته سوف يستغلونها لتحقيق اطماعهم الجديدة في الثروات الخليجية ، وتحويل الصراع العربي الصهيوني الى صراع عربي فارسي.
وهناك الكثير من العوامل التي تدفع ببقية دول الخليج العربية وعلى رأسها الرياض نحو التحفظ كثيرا على المبادرة الايرانية ، بعضها ذاتية بسبب التهيئة النفسية ، وتاريخ عدم الثقة مع طهران ، وكل ما نخشاه أن ينظر الخليج في استعداء ترامب لطهران قوة لها ، وأنه قد جاء في الوقت المناسب لها ، وبالتالي نتساءل ، هل سيظل الخليج العربي رهينة صناعة الرعب من ايران أم في موقع صناعة الفعل لمستقبل جديد للمنطقة رغم هواجس الخليج من طهران؟
وبعض تلك العوامل موضوعية، ابرزها، الامتداد الايراني في سوريا والعراق ودعم الحوثيين .. وبروز تركيا، كلاعب اساسي منافس لطهران في هذه الدول ، مما اصبحت الرياض مثلا تنظر لوجود قوات درع الفرات التركية في شمال سوريا كتخفيف لحجم خسائرها هناك ، خاصة وان من بين اهداف القوات التركية الحفاظ على بعض المكونات في تلك المناطق ، وهناك توافقات تركية مع ترامب لتوسعة وجود القوات التركية في شمال سوريا ، وقد تذهب هذه التوافقات الى بعد من هذا المدى في ضوء المخططات الامريكية ضد طهران ، وقد اصبحت انقرة تقترب مع المواقف الخليجية كثيرا ، فمثلا يتفق الجانبان على ضرورة الحفاظ على التركيبة الديموغرافية للسكان في العراق ، ووقف التهجير وتغيير التركيبة السكانية على اساس طائفي ، كما تتفق انقرة مع دول الخليج في قضايا ضد طهران مثل قضية الحجاج الايرانيين ، وانتقاد الدعم الايراني للحوثيين ، وانتقادها لاحتلال طهران للجزر الاماراتية ، هذا فضلا عن تلاقي المصالح الاقتصادية بين الجانبين ، وآفاقهما المقبلة التي كشفت عنها جولة اردوجان الاخيرة لكل من الرياض والدوحة والمنامة.
ورغم تلكم التعقيدات المحبطة للتفاؤل ، الا أن الرهان يظل قائما على المتنفس العماني ، وهذا الرهان مبني الان على عامل التدخل السياسي المباشر لعاهل البلاد حفظه الله الذي استقبل روحاني مؤخرا ، واليوم يجري مع شقيقه أمير الكويت جلسات عصف ذهنية ، لاستكشافات الفرص الممكنة من رحم تلك التعقيدات بغية توجيه المرحلة الاقليمية لصالح دولها وشعوبها بعيدا عن الظرفيات واحتقاناتها ، وحساباتها الضيقة.
فكلنا ثقة في حكمة جلالته ، وفي قيادته لسفينة الامن الخليجي الى بر الامان ، لأنه رجل السلام ، صنعه أولا من داخل وطنه ، ونجح في نقله الى خارج حدوده ، والخليج الان بعربه وفرسه ، يتطلع لرجل السلام في قيادة جهود السلام في المنطقة حتى لا تنفجر بؤر الاحتقان – وما أكثرها – ويكون اكبر متضرريها الشعوب المسلمة ، الله يبارك هذه الجهود ، ويضع فيها الاثر الفوري والمباشر بمشيئة الله ، فقد آن لدول المنطقة أن تتعايش في سلام وأمان ، بصرف النظر عن تنوعها الفكري وفي اطار جغرافيا ثابتة ومحصنة من الاختراقات.






