أثير- الدكتور رجب بن علي العويسي – كاتب ومؤلف وباحث في التنمية والأمن الاجتماعي والتطوير المؤسسي والفكر الشرطي والتعليم
اختتم مؤتمر دور المعلم في كفاءة التعليم الذي نظمه المركز العربي للبحوث التربوية لدول الخليج العربية بدولة الكويت أعماله في المنامة بمملكة البحرين، نهاية الأسبوع المنصرم، وسط حضور كبير من المعلمين والخبراء والمهتمين بقضايا التعليم، قدمت فيه العديد من أوراق العمل من خبراء اقليمين ودوليين، ودون الخوض في أعمال المؤتمر، فما أحاول الحديث عنه في هذا المقال، هو: كيف شكلت لغة الخطاب الدولي نحو المعلم منطلقا لتغيير السياسات التعليمية، وترسيخها لمنهج الثقة في أدائه وإكسابه قدرة أكبر للوفاء بتوقعات المجتمعات منه؟، هذا التساؤل يطرح لنا لغة الخطاب الموجهة نحو المعلم، وهي لغة ما زالت غير حاضرة بشكل مستديم في خطاب منظومتنا العربية والخليجية، فما زالت تقرأ بلغة أقرب إلى التكتم والاستحياء، وهي نتاج للقناعات الفكرية التي نحملها حول المعلم، وفي المقابل، تلك اللغة المتجددة الراقية التي تحملها منظومات التعليم الدولية على لسان خبراء التعليم الدوليين من منظمة اليونسكو ومكتب التربية الدولي والمشاركين من فنلند وأمريكا وسنغافورة وغيرها،
إذ ما زالت لغة الخطاب لدينا قائمة على ذكر مفاهيم التخلف والرجعية والتقليد واساليب التدريس العشوائية في دور المعلم، وما زلنا نلقي على عاتقه أسباب الضعف وأنواع المشكلات التي يعانيها التعليم، ونتحدث عن أنه يعاني من سلب حقوقه وضعف التقدير الاجتماعي، ونتحدث عن مسؤوليته في ضعف التحصيل الدراسي ، والانقطاع والتسرب، وأنه يعاني من أزمات فكرية ومعرفية وعدم الثقة في نفسه، أو قدرته على مسايرة واقعه المتغير، ويفتقر لمهارات الاتصال والتواصل والتقنية، فجل حديثنا قائم على أفكار وقناعات وتراكمات عشوائية بعيدة عن الدليل، تدور في فلك السلبية منذ عشرات السنين، وأحكام وتراكمات وتخيلات وتكهنات وتعميمات ظالمة، تضع هذه الاستثمارات والموارد والميزانيات والبرامج والخطط والمؤتمرات في مهب الريح، وستظل كذلك لمائة سنة قادمة ما دامت أفكارنا لم تتغير، وهي اللغة الأكثر تداولا في أروقة مؤسسات التعليم، وفي الحوار الاجتماعي ، وقد تمارسها بصورة مقصودة أو غير مقصودة بعض فنون الاعلام الوطنية، حتى أغمضت البصيرة عن كل تحول أو تجديد في نهضة التعليم وملف المعلم.
وعندهم على النقيض من ذلك، إذ لغتهم نحو المعلم تتركز على الحديث عن قصص النجاح والجوانب المضيئة المشرقة في حياة المعلمين، وتسويق الممارسة الإيجابية وتعزيز حضورها وترقيتها، وضمان قدرة المعلم على البحث عن موقع له في منظومة الحياة، إذ كيف نوجد معلما ملهما مبدعا مؤثرا مشاركا في استدامة التنمية، داعما لحوار العالم، باحثا متمرسا عن بدائل لحل مشكلات الإنسانية ، منتجا للمعرفة داعما للتطوير، عبر صناعة متجددة تأخذ بيد المعلم ، وتضمن تأثيره في تعزيز الشراكة والوحدة والتعايش والإيجابية والهوية والمواطنة، فمنحت المعلم مساحات أوسع من الغوص في دلالاتها وفهم منطلقاتها وأصلت لديه منهج الولاء والانتماء للمهنة، والاخلاص في المنجز، وخلقت لديه شعورا بقيمة المنافسة، لذلك اعتمدت مفاهيم ومفردات متزنة داعمة لها أبعادها النفسية والاجتماعية والثقافية والضبطية المنسجمة مع رغبات المعلم الإنسان، في ظل حرص منه على الالتزام والوفاء ، مما أحدثت تحولا في قراءة موقع المعلم في السياسات الوطنية، وأسست له أرضية واسعة للعطاء بلا توقف والانجاز بلا حدود ، وحفزّته لاستثمار الفرص والاستفادة من المعطيات لتحقيق جودة التعليم، فتناغم المنجز مع حجم الانجاز، فأصبح عطاؤه مبهرا، وعمله متقنا، والتزامه قانونا يمشي على الأرض، فارتبط ذكره على ألسنه النجاح والتنافس والتميز واستحقاقات الجدارة.
من هنا كان علينا اليوم أن نقرأ التعليم ودور المعلم بلغة جديدة حالمة، تعزز فيه مبادئ العطاء والحب والعمل والنجاح والاخلاص والمثل والقدوة والوعي ، ليكون المعلم مشروعنا الحضاري الوطني القادم، ومنتجنا الذي نفخر به ونفاخر العالم بما يقدمه كل يوم من عطاء ممدود وانجاز مشهود ، وعندها سنحقق ما نريد، وسنصل بالمعلم فوق ما نتوقع.، لنتحدث عنه بلغة الالهام والابداع والتجديد والعطاء، ولنبني في ممارساته المجيدة ذاكرتنا الحضارية، التي ستصل إلى الأجيال نماذج تمشي على الأرض …






