د.رجب العويسي يكتب: كيف يسهم التعليم في إعادة إنتاج الثقافة الوطنية للأجيال القادمة؟

عن الكاتب

د. رجب  العويسي
د. رجب العويسي

‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏كاتب ومؤلف وباحث

د.رجب العويسي يكتب: كيف يسهم التعليم في إعادة إنتاج الثقافة الوطنية للأجيال القادمة؟
د.رجب العويسي يكتب: ما دور التعليم في بناء وإعادة إنتاج المشترك القيمي؟

الدكتور رجب  بن علي العويسي– كاتب ومؤلف وباحث في التنمية والأمن الاجتماعي والتطوير المؤسسي والفكر الشرطي والتعليم

الدكتور رجب  بن علي العويسي

لم يعد الحديث عن التعليم اليوم في كونه مجرد حافظا لثقافات الشعوب وهوية الحضارات ورصيد الأمم الثقافي والاجتماعي والفكري ومنظومة العادات والتقاليد الأصيلة والقيم المشتركة،  بل اتجه إلى بناء مدخلات  أكثر عمقا  ومنهجية ورصانة في  امتلاك لغة  التجديد واعادة الانتاج لهذه الثقافة بطريقة تضمن لها التفوق والتميز وقدرتها على  البقاء في وجه تيارات العولمة ، بشكل يضمن لها قوة التأثير والتحول إلى إطارها العالمي، والاتجاه بها في كونها إحدى الفرص الانسانية التي يستدعي فهمها وإدراك مقتضياتها وإبراز فرصها وموجهاتها وإعادة تدوير حركة التطوير فيها لتشكل  ثقافة عالمية تبني الخير للإنسان وتحقق له مسار التنمية والسلام، بالاضافة إلى  قدرتها على تحقيق الالهام لدى الاجيال، بالشكل الذي  يجدون فيه ثقافتهم الوطنية في حياتها المتعددة وحركتها وحيويتها وقوتها واستدامتها، واندماجها مع عالمهم وارتباطها  بتوقعاتهم وطموحاتهم، وما تلتزم به من  معايير التنافسية العالمية ونقل التجارب  الإنسانية  لتبرز في ذاكرة الأجيال، تحفظ لهم وجودهم، مساهمين في التنمية،مستلهمين معاني القوة في المنهج ، والدقة  في الطريقة والأسلوب،  فإن التعليم هو المرشح للقيام بهذه المهمة، نظرا لما  يمتلكه من مساحات أكبر في إدارة التجربة الإنسانية، وبناء المعرفة النموذجية المرتبطة بالسلوك، وتعميق روح المسؤولية لدى الافراد، وصقل مواهبهم وخبراتهم وقدراتهم، بشكل يمنحهم قوة التحمّل للصدمات والثبات على المبدأ، على أن الأجندة التعليمية المتنوعة في أرصدة عملها وتعددية بدائلها واكتسابها صفة المعيارية والتجديد عبر مناهج التعليم والبحث  العلمي، وتعميق سلوك المتعلمين نحو قيم المجتمع ومبادئه، وفرص التشخيص والتحليل  والجاهزية والاستقلال والتفنيد والتصحيح والتقييم التي يلتزم بها في منهجية عمله، واستراتيجيات التعلم المقننة، ومناهجه الخفية المرتبطة بجوانب السلوك التي يتعلمها الطلبة عبر أقرانهم ومحاكاتهم للواقع وتفسيراتهم الشخصية، سوف تعزز في مسيرة تعامله مع هذا الرصيد الثقافي، وإعادة هندسته في الواقع  بشكل يجعله أكثر قربا من طموح الأجيال، وأكثر التصاقا بتجاربهم اليومية، وأكثر قدرة على نقل تخيلاتهم لبناء فرص التطوير القادمة لهذه الثقافة، ويستمر دور التعليم في التسويق  لهذا التراث والترويج له، وتبسيط مفرداته، وتصحيح مناهجه، ورسم محاور التجديد فيه، وتفنيد الشُّبه المشكّكة فيه، وتعميق مفهوم السياحة العلمية والتراثية والثقافية، بل أن مسألة إعادة انتاج الثقافة الوطنية تبرز في  الرسالة التي تحملها، وهي رسالة محورها السلام والحوار والتواصلوالتعايش والتقارب  بين أبناء المجتمع الواحد، لتتشكل بذلك مرحلة أعمق في  جعل هذا التراث  قيمة مضافة في حياة الأجيال، ومنطلق يحكي سيرة أمجادهم، فيمارسونه بمهنية ويتعاملون معه  بكفاءة، وينظرون إليه على أنه طريقهمللابتكار والالهام وتحقيق الانجاز، ونقل صورة حضارية مكبرة حول الرصيد الثقافي العماني بمختلف تجلياتهومجالاته وأنواعه.

من هنا تأتي  محورية دور التعليم في ربط أجيالهذا الوطن برصيدهم الثقافي والمعرفي الوطني، ومشاركتهم العالم صناعته وتقدمه، وأن يمتلك التعليم أدوات إنتاج هذا التراث، وإعادة عمليات تسويقه وتطويرهوبناء فلسفة  فكرية قادرة على سبر أعماقه واكتشاف جواهره،  واعطاء تفسيرات دقيقة  لها في كل مراحل التأريخ العماني، بما يعني تعزيز عملية الاكتشافات الأثرية  وقراءة ما تحتضنه المتاحف الوطنية من كنوز أثرية، وفتح المجال للدراسات البحثية في هذا الجانب، بما يبني في الأجيال القادمة مداخل التجديد للتراث، وفرص إعادة الثقافة بطريقة  أكثر ملامسة لفكر الأجيال وتناغما مع  رؤية التطوير فيها، على أن يشمل هذه التحول تعامل الاجيال مع منظومة العادات والتقاليد والاعراف الراقية وصيانتها وصونها، وقدرتهم على تضمينها ضمن أشكال التعبير الثقافي اليومي، وفق معطيات  تضمن حسن استخدام مفرداتها واختيار وانتقاء ألفاظها في مجالات الاعلام والتسويق والتعليم والاعلان والخطاب،  بشكل لا يفقدها خصوصيتها، او يضعها في قالب الاغتراب وفجوة  التباعد عن ثقافة الشباب وطموحاته، بل إعادة الحياة فيها وشحنها  بموجهات فكرية عصرية معتدلة، بما يتيح لها فرص التكيف والولوج إلى عالم التقنية والفضاءات المفتوحة، وسياجا يضمن لهذه الثقافة مساحات التطوير والتجديد والحياة في عوالم متعددة.

شارك هذا الخبر