د. رجب بن علي العويسي
يتناول مقالنا قراءة لما يمكن أن يقدمه التعليم من أطر تصحيحية وموجهات أمنية ، تعزز مبادئ الأمن وقواعد السلم الوطني، وتحافظ على حضورها المستمر في سلوك الأجيال، مرتكزات تحفظ لهم كيانهم، وسياج يصون لهم حقوقهم، ويرتقي بمتطلبات أمنهم الشخصي والفكري والنفسي والاجتماعي والثقافي والغذائي والاقتصادي والبيئي، بحيث يصبح سلوكهم متناغما مع قواعد الاستقرار ومحدداته، وعليه فإن تحقيق قواعد الأمن وأنماطه وأنظمته وترسيخ قيم السلم الوطني والتسامح والتضامن، يرتبط بوجود مناهج عمل واضحة، واساليب وتطبيقات ونماذج، يقوم التعليم بصناعتها وتجريبها في بيئة التعليم والتعلم، بحيث تعكس الممارسات التعليمية التي تتم داخل البيئات التدريسية تحقيق أمن الطالب، عبر جملة من الموجهات الضامنة بتوفير مساحات الهدوء والحريات المضبوطة والمشاركة الواعية، والاستخدام الأمثل للموارد، والمحافظة على الممتلكات، وطريقة استخدام الأدوات، وترسيخ قيم الحياة التعليمية كالالتزام والاتزان والحوار والتعايش، والتكامل والتناغم في الأهداف والأولويات في بيئات التعلم، وترسيخ ثقافة التعاون والتكافل الاجتماعي والأخوة الإنسانية القائمة على النصح والتواصي بالحق والتواصي بالصبر، والتعايش التعليمي بين مختلف الفئات كطلبة الدمج والمعوقين، واحترام خصوصية الآخر وثقافته الناتجة عن تنوع الجنسيات الحاضرة في بيئات التعليم، أو احترام النوع الاجتماعي من الجنسين ومراعاة حقوقه، وتوجيه الممارسة وفق معايير الايجابية والذوق والثقة والاحترام، وتقدير الآخر والاهتمام بتعدد الآراء، وبناء فرص أكبر للاستفادة من المشترك التعليمي القيمي والأخلاقي ، وإعادة انتاج الثقافة الاجتماعية السائدة بشكل يجعل منها ثقافة داعمة للتعليم الناجح والقرار الرشيد والثقة المعتمدة على الكفاءة والخبرة. إذ تمثل هذه البيئات نماذج مصغرة ومختبرات تطبيقية ومناخات تعليمية اجتماعية تصنع واقعا معززا للأمن والنظام والاستقرار، واندماج الجميع ضمن مجتمع عليهم البحث عن أرصدة النجاح فيه والارتقاء به ، وإضافة التجديد له في أدواته وألياته، عبر مناهجه الدراسية وأنشطة الطلبة وأسلوب الإدارة والبنية التنظيمية للمؤسسة التعليمية، ومستوى التكامل والجودة في هيكلية عملها، والمساحات التي تمنح للابتكار وتقدير الانجاز ومناقشة أساليب العمل ، وبيئة المؤسسة التعليمية ذاتها وما تحتويه من مرافق وتجهيزات ومختبرات وأجهزه وقاعات ومساحات خارجية وملاعب مفتوحه ومغلقة وغيرها ، وكفاية القيم والمبادئ الأمنية فيها ، وطريقة تحليلها، ومستوى حضورها في محتوى المناهج الدراسية، ومدى تواجدها في لغة التخاطب بين المعلمين والادارة والطلبة وأولياء الأمور ، وطريقة تفسير مفاهيم الأمن والسلم، وإيصالها إلى ذهن الطلبة وتفكيرهم ومستوى الوعي المتحقق لديهم بها، عبر استيعاب المراسيم والقوانين والتشريعات والأنظمة واللوائح والمواثيق الاخلاقية والتنظيمية والادارية والتطويرية والمهنية الداعمة ، واستحضارها في أنشطة الطلبة والبرامج الاثرائية والخطط الدراسية والمشروعات والنماذج التعليمية المبتكرة ، وتعميق وجودها في برامج المحاكاة أو المعارض أو الحملات التوعوية والتثقيفية والزيارات الميدانية وأنشطة العمل الاستكشافية، بشكل تتناغم مع هذه المبادئ وتعكس ضوابطها وآليات عملها، وترجمتها في سلوك المواطنة والتسامح والتعايش والعمل التطوعي لتعزيز الوعي بها وترسيخ ثقافتها في ممارسات الطلبة، ليشكّل التعليم إطار عمل داعم لكل القطاعات الأمنية والشرطية والقضائية والقانونية والتشريعية وغيرها، التي تعمل على دعم مبادئ وقواعد الأمن والسلم الوطني، بما ينعكس على تصرفات أجيال الوطن، وقراءتهم لواقعهم وفهمهم لطبيعة التحول وموجهات التطوير وآلية التعامل مع مستجدات الأمن والسلم، بهدف ترك بصمة ايجابية تضمن لممارساتهم الاتزان وتجنب المخاطرة ، والوقوف عند خطوط العمل وحدوده المرسومة له.
وعليه فإن مسؤولية التعليم تبقى في قدرته على نقل هذا الرصيد الوطني للأجيال القادمة بطريقة رصينة بعيدة عن التحريف أو التشويه أو التشكيك ، عبر وضوح مفاهيم الأمن والسلم الوطني والاستراتيجيات والمبادئ التي يقوم عليها، بالشكل الذي يضمن توافقها مع الأهداف الوطنية العليا، ويُكسبها القوة عبر توفير المعينات والنماذج الداعمة لها في واقع حياة الطلبة، بما يجعل منه لغة حياتية متجددة ، تتناغم نوعية الأفكار والمفاهيم والمعلومات التي تطرحها مناهجه وفلسفة عمله، مع احتياجات الإنسان للأمن والاستقرار والتسامح والسلام.






