د/ عبدالله عبدالرزاق باحجاج
كاتب عماني

في مقالين متتاليين، استشرفنا الأزمات الجيوسياسية المستقبلية على بلانا في ضوء الازمات التي شهدتها المنطقة، وبالذات أزمة الأشقاء الراهنة، ورسمنا صورا لخارطة المواجهة، لكي تعمم استرشادا على كل القطاعات. وفي مقال اليوم ننقل الحديث الى المخاطر الإقليمية – وبالذات الحدودية -بعد أن قررت السلطنة تعزيز بوصلتها الاقتصادية نحو البحر ، وتحديدا نحو المحيط الهندي ،عبر مشروع ضخم تتقاطع فيه مصالح عالمية كبرى .
وهذا المشروع هو منطقة الدقم الاقتصادية، ومينائها الجيواستراتيجي من الناحيتين الإقليمية والعالمية، حيث ستشكل الدقم تحولا في اقتصاديات إقليمية رئيسة، بل وفي المجهود العسكري العالمي وقواعده الإقليمية اللوجستية؟
من هنا يحتم استشراف المخاطر لدواعي وضرورات هذا التوجه العماني الجديد نحو المحيط الهندي والرهانات العالمية عليه، فمثل هذه التحولات الكبرى تفرض مخاطر وتحديات مختلفة مؤقتة ودائمة، منها ما هو طبيعي بحكم التنافس بين الدول، ومنها عكس ذلك .
وهذا الأخير الذي يهمنا هنا بالدرجة الاولى، لماذا؟ لوجود نسبة مخاطر حقيقية خارج الحدود، وبالتالي استشرافها ينبغي أن تدخل في صلب الأولويات العاجلة لبلادنا ، فهناك علاقة تلازمية مباشرة من حيث التأثير التلقائي بين ما يجري على الحدود ، وداخل الحدود-اجلا أم عاجلا-
ولأهمية هذا الموضوع المهم جدا، سأتناوله من منظورين رئيسيين، سنجدهما مرتبطان بمخاطر حقيقية، قد أصبحت متجددة ومتصاعدة، ولا نبالغ اذا ما قلنا مقلقة، وهما :
– منطقة الدقم الاقتصادية … في قلب التحول العالمي نحو المحيط الهندي .
– تجدد المخاطر الحدودية … في ظرفية استدارتنا نحو البحر.
أولا: منطقة الدقم الاقتصادية .. في قلب التحول العالمي نحو المحيط الهندي
التساؤلات المرتبطة بهذا المحور:
س: هل أمن واستقرار بلادنا، يمكن أن يكونان مستهدفان لذاتهما بسبب سياسة السلطنة الحيادية -راجع المقال السابق – أم بسبب توجهنا الجديد نحو المحيط الهندي ؟
س: وما هي الأهمية النسبية الجديدة لمنطقة الدقم الاقتصادية للاقتصاد العالمي؟
س: وما هو تأثير المرحلة الدولية الجديدة في المحيط الهندي على مركزية قوى اقتصادية اقليمية فاعلة؟
س: وما هو علاقة ما يجري داخل أجزاء من حدودنا بمصالح القوى الإقليمية؟
تضعنا التساؤلات سالفة الذكر أمام ملامح المشهدين الاقليمي والعالمي بصورة مباشرة، غير أننا لابد من استنطاقهما بصورة تمكننا من توصيل رسالتنا المتعددة الأهداف، من هنا، فإن القراءة المتأنية للتقارير الدولية تشير الى أن موازين القوى البحرية العالمية تشهد تحولا جيوسياسيا ملحوظا، وفي السنوات القليلة المقبلة سينتقل جزءا كبيرا من القوات البحرية الامريكية بالشرق الاوسط من منطقة الخليج الى منطقة المحيط الهندي.
ولماذا هذا الانتقال؟ لأن مصالح العالم تتحول نحو المحيط الهندي، خاصة بعد ما بزغ نجما الصين والهند، ومشاريعهما الإقليمية للهيمنة على التجارة في المحيطين الهادي والهندي، فالصين قد أعلنت منذ سنوات قليلة عن مشروع طريق الحرير البحري، كما أعلنت الهند هي الأخرى عن سياسة “الفعالية الشرقية” التي تهتم بموجبها بمحيطها الآسيوي وشرق أفريقيا بشكل أكبر.
وبالتالي، ستنتقل الأهمية العالمية للموانئ البحرية المفتوحة على المحيط الهندي، وهنا يظهر لنا ميناء الدقم بمحافظة الوسطى، كإحدى الموانئ الإقليمية الواعدة الذي سيعتمد عليه النظام العالمي الجديد المتجه نحو المحيط الهندي، مما سوف يشكل واحدا من مفتاح النهضة الاقتصادية الواعدة في بلادنا .
لكن، هل يتوقع أن يترك دون منافسة ؟ واذا ما سمينا الأشياء بمسمياتها، فعلينا طرح التساؤل بصيغة أخرى، هي هل يتوقع أن يترك ويسحب أهمية الموانئ الإقليمية، وهى تتفرج؟ من يعتقد ذلك ينقصه البعدين السياسي والتاريخي لصراع الموانئ، ويعمل في منطقة حسن النية البريئة التي لم يعد لها وجود حتى في العلاقات الاجتماعية ، فكيف بعالم المال والاقتصاد الجيوسياسي ؟
وميناء الدقم ، مثل ميناء صلالة من حيث موقعهما على المحيط الهندي وبحر العرب ، وهذا يجعلهما قبلة للقوى العالمية في ظل النظام العالمي الجديد المتجه نحو المحيط الهندي، وتخطط الحكومة أن يكون الدقم مركزا إقليميا مهما للتجارة والصناعة والاستثمار، من هنا سيصبح الدقم مفتاح الحركة التجارية على المحيط الهندي، وقد تتقاطع معه كل مصالح الفرقاء العالميين، لحيادية المكان، ونوعية المشاريع فيه، مثل إقامة ميناء تجاري، وأحواض جافة، ومطار عالمي، وأول محطة في الخليج تعمل بالفحم بتكلفة (2) مليار دولار ، ومخزن للنفط ..الخ وهذه تدعم رؤيتنا سالفة الذكر .
وعنه، يقول روبرت كابلان كبير المحللين الجيوسياسين في سترايفور -وهى مؤسسة معلومات استخباراتية – أن منطقة الدقم تقع بأمان خارج منطقة الخليج المعرضة باستمرار لخطر الهجمات ولنشوب مختلف الصراعات، لكنه يبقى قريبا من الخليج للاستفادة من تدفق الطاقة، ويوضح أن مشروع الدقم ليس الهدف منه إنشاء مدينة مشابهة لدبي والدوحة، بل بعث مدينة يستند وجودها على دوافع جغرافية وجيوسياسية محضة، ستنحصر نشاطاتها في التجارة والاعمال ، وستكون نموذجا للمدن الصناعية العالمية خلال القرن الحادي والعشرين .
فيما يتوقع خبراء آخرين نمو تجارة التجزئة في المنطقة بفضل الموقع الاستراتيجي لمنطقة الدقم والميناء، بخاصة إذا ما علمنا أن الميناء يُطل على الأسواق المزدهرة في شبه القارة الهندية وشرق أفريقيا، والتي دائماً ما تعاني الازدحام الشديد، ما يتيح للدقم أن تصبح الخيار الأفضل لمالكي السفن الكبيرة، للرسو والمناولة وإعادة الشحن في الميناء، استثماراً للوقت والجهد والكلفة.
ثانيا: تجدد المخاطر الحدودية .. في ظرفية استدارتنا نحو البحر.
يبدو لنا هذا التجدد لافتا، بل طاغيا على رؤيتنا للمشهدين السياسي الاقتصادي المحلي والإقليمي، ورغم حصرية الآنية الجهوية للمخاطر الإقليمية، الا أن ندعو الى استشرافها من كل الحدود، والاولوية الآن، حدود تفصلنا عنها (286كم)، وتضعنا هذه الكيلومترات في صورة ذهنية واضحة، من حيث القرب، والتحديات التي ستواجهنا جراء ما يجري داخلها.
ونستدعيها هنا لكي نقرب الفهم لدواعي استدراك تأثير ما يجري وراء حدودنا على داخل حدودنا، خاصة وأن الوضع الاقليمي على حدود بلادنا معقد جدا، والبوصلة الإقليمية مفتوحة اليوم على كل الاحتمالات.
وقد اجتهدنا في رسم خارطة بالمخاطر الإقليمية من كل الجهات الحدودية المتاخمة لبلادنا مرتبة حسب الأولوية، لكن انشغالنا بما يجري حصريا داخل تلكم الحدود من جهة الجنوب، قد وجدنا فيه الأولوية الجغرافية من حيث مخاطرها المتوقعة، فتلكم الكيلومترات تشكل سياجا أمنيا واجتماعيا وثقافيا … لبلادنا ، وأية تدخلات اقليمية أو أجنبية فيها – أي من خارج تلك الدولة الوطنية – لن يفسر ايجابا ، وفي مفهوم العلاقات الدولية يعتبر استهدافا مباشرا للدولة الحدودية الاخرى ، فهذه الحدود غالبا ما يكون البعد الديموغرافي والأمني واحدا رغم وجودهما داخل دولتين بحكم ترسيم الحدود بين الدول المجاورة .
ومثل هذه الحدود تعد كذلك، مقياسا لحسن نوايا الدول المجاورة أو العكس، فهناك علاقة تلازمية مباشرة من حيث التأثير التلقائي فيما يجري على الحدود على داخل الحدود-اجلا أم عاجلا-.
وبالتالي، علينا أن نطرح تساؤلا عن الواقع الأمني الإقليمي الجديد المتاخم لحدودنا من تلكم الكيلومترات، حتى يمكننا أن نستشرف انعكاسات هذه المخاطر على شأننا الداخل لدواعي تفاديها ؟
في عدة مقالات سابقة، منشورة ورقيا، قد تحدثنا عن قوى الإرهاب الجديدة كالقاعدة وداعش التي تتخذ من جنوب اليمن مقراً لها، ومن بين هذه المقالات، مقال بعنوان “الخطر الإرهابي من الجار اليمني” .. تحسبا واستدراكا” فهو أي هذا الخطر، يشكل إحدى المخاطر القديمة الجديدة، وينبغي هنا أن نأخذه الآن بعين الاعتبار بعد هزائم قوى الارهاب في سوريا، واحتمالية نزوح أو نقل اعداد كبيرة أخرى لهذه المنطقة مستغلة احداث اليمن الداخلية، وايضا امكانية استغلالها من قوى إقليمية وعالمية متضررة من تحول العالم نحو المحيط الهندي.
وينبغي أن نطلق عملية الاستشراف من كل المحاذير إذا أردنا أن نرسم خارطة بالمخاطر الإقليمية، وهذا يحتم استدعاء كل الافتراضات والفرضيات حتى لو في أضعف احتمالاتها.
وأضعفها هنا، الافتراض أن لدى فرع القاعدة اليمني الآن علم ومعرفة بمختلف طرق ووسائل دخولهم لبلادنا سواء عن طريق البحر أو الصحراء، السرية منها والعلنية ، وحالات التسلل العديدة المعلنة وغير المعلنة، تجعلنا نشكك في بعض حالاتها، وربما تكون بلادنا مستهدفة سياسيا منهم في مرحلة ما قادمة ، أو قد تكون خيارا مكانيا لأسوأ احتمالات التنظيم ، لن نقصي هنا أية احتمالات قد يتوصل اليها التحليل الموضوعي .
وهذه الرؤية تعطينا المشروعية في الذهاب الى القول بأن القاعدة ربما تكون قد زجت ببعض عناصرها من ضمن المتسللين السابقين لبلادنا لدواعي اكتشاف الطرق والأمكنة وتحليل الأبعاد الفسيولوجية والاجتماعية للمكون الديموغرافي العماني حتى يمكن معرفة من أين يمكن اختراقه؟ ومتى؟ كما اشرنا إلى ذلك في مقال سابق منشور ورقيا تحت عنوان “جبهتنا الداخلية … رهاننا لمواجهة تداعيات الاوضاع في اليمن”
إننا أمام إكراه مخاطره الإقليمية قد أصبحت معلومة بالضرورة، وتداعياته معروفة بالضرورة، ومن ثم يجب العمل على إحباطها في مهدها، وإذا كنا قد وصفناه في مقال سابقا بأنه إكراه لا يزال لم يتحول الى عدو مباشر،، لكنه بالتأكيد سيصبح كذلك اجلا أم عاجلا ، سواء وجد نفسه مضطرا أم مختارا ، أو مدفوعا بأجندة إقليمية لدواعي سياسية أو اقتصادية .
وكذلك ، هناك مخاطر جديدة يتقاطع تمددها داخل تلك الكيلومترات مع مرحلة استداراتنا الجديدة نحو المحيط الهندي ، ولابد أن نأخذها بعين الاعتبار ، وأن يكون لها الاولوية الكبيرة ، وهى تكمن في تدخلات إقليمية على مستوى الدول ، وهى فعلا العامل المزعج لنا خاصة أذا ما كان امتدادها الى تلكم الكيلومترات سالفة الذكر ، وهذا الامتداد علينا توقعه – اذا لم يحصل حتى الآن – في ضوء انكشاف ما وراء التدخلات الإقليمية لصالح الشرعية اليمينة من مصالح جيوسياسية من المنظور الاقتصادي، تجلت لنا من خلال سيطرتها على منافذ بحرية لها نفس الاهمية الجيوسياسية للدقم وصلالة .
ويمثل تدخل الامتداد الإقليمي بالقرب من حدودنا خطورته هنا في التأثير على البعد الديموغرافي الذي له بعد عميق وعريض مع مكوننا الديموغرافي، وهنا، ينبغي أن نعتبره خطا أحمرا إذا ما تم الامتداد الى تلك الكيلومترات ، وينبغي أن يفسر بسوء نية واضحة ، فما يحدث داخل الحدود الفاصلة بين الدول تعكس حقيقة النوايا للدول والجماعات معا ، سلبا أو ايجابا- وهى ستبدو لنا سلبا ضمن السياقات سالفة الذكر .
إذا، يحتم على بلادنا التعامل بكل جدية، وبصورة مستنفرة ، وتسخير كل امكانياتها المختلفة لمواجهة المخاطر الحدودية كلها ، وبالذات من الزوايا المحتقنة حاليا ، ففيها تتقاطع المصالح السياسية والاقتصادية الإقليمية ، وتتصارع في الوقت نفسه ، ودون شك ، سنجد بلادنا مستهدفة في أمنها واستقرارها للتأثير على وجهتها البحرية الجديدة، التي تأتي بعد أن خبرت وجهتها البرية والصحراوية ، وصبرت كثيرا على مخاطرها المتعددة ، ومن المؤكد أنها ستجد في البحر أكثر أمنا وفائدة اقتصادية لشعبها من البر والصحراء ، على الاقل حتى تتغير ظروفها السياسية الراهنة ، لكن هل ستتركها المخاطر الإقليمية الجديدة ؟ تساؤل نوجهه لسلطتنا السياسية ؟





