د. رجب بن علي العويسي- كاتب ومؤلف وباحث في التنمية والأمن الاجتماعي والتطوير المؤسسي والفكر الشرطي والتعليم
ينطلق حديثنا في هذا المقال من حاجتنا إلى التعليم عالي الجودة، لكي نطوّر الاعلام، ونصل من خلاله إلى ميثاق أخلاقي للممارسة الاعلامية الراقية المعززة بصدق الكلمة، ووضوح أدوات وآليات الرصد، ليؤدي رسالته الإنسانية السامية في ظل سلامة المبدأ، وصدق المنهج وقوة الهدف، ومهنية المصادر وجودة المعلومات، فمسألة الحديث عن دور الاعلام في تطوير التعليم، وأنّ طريقة التسويق الاعلامي للتعليم وأجندته من بين أسباب ضعف التعليم والثقة فيه، لم تعد لُبّ المشكلة اليوم، في ظل إعلام سلبي يفتقد هويته الحضارية، يحمل عوامل الضعف والانسحاب، وعدم امتلاكه ثوابت العمل، أو أساليب التعامل مع الأزمات والتحديات، وما عبّرت عنه الحالة المغايرة للرسالة الاعلامية النزيهة، التي وصل اليها بعض الاعلام الخليجي في التعامل مع الازمة الحاصلة بين بعض دوله، والمسار الذي اتجه إليه، في سعيه إلى تشوية الذاكرة الحضارية لشعوب المنطقة، والجهود والمبادرات والمنجزات المتحققة على مختلف الاصعدة الاجتماعية والثقافية والسياسية والانسانية والعلاقات بين دولة، والاسلوب الذي اعتمده في وصف أو التعامل مع معطياتها، والذي يلمس فيها المتتبع لأنشطة الاعلام الصحفية والإذاعية والتلفزيونية والاعلام الرقمي وشبكات التواصل الاجتماعي وغيرها، مستوى الضعف الفكري والسطحية الغوغائية في لممارسة الاعلامية الحاصلة، وعدم قدرتها على إحداث تحوّل في مسار الوعي الاجتماعي، وتصحيح مسار العمل عبر فتح المجال لمزيد من الحوار والتواصل، وما ارتبط به من زيادة مساحات التباعد، وتقليل فرص اللقاء وانعكاسه السلبي على وحدة البيت الخليجي، في تنكّر لكل القيم والاخلاقيات والاعراف الانسانية، وضياع للهوية الاعلامية، وتعدٍ على مفهوم الحريات التعبيرية المعتدلة، وما تستدعيه من تدخل فوري وسريع للتعليم في حسم هذه القضية ومعالجة المشكلة، عبر تجديد مناهجه واساليبه لبناء منطلقات إعلامية جديدة تنطبع على فكر الممارسين الاعلاميين، وتوجيه مزيد من الاهتمام بالمؤسسات الاعلامية ومدخلاتها وعملياتها ومخرجاتها ، وتأسيس إطار تعليمي واضح يصنع نموذج حضاري متكامل للسياسات الاعلامية الواعية، على مستوى المحتوى الرقمي والمعلوماتي، والممارسين للإعلام، ومصادر الاعلام ومنطلقات عمله واخلاقياته ومعايير الاداء ، وإيجاد مراكز تشخيص إعلامي فوري تتابع من قبل مؤسسات التعليم ومراكز البحث الاستراتيجي ، قائمة على موجهات العلم الرصين، وأساليب التعليم الناجحة، ومنهجيات التعلم الرصينة، وطرائقه واستراتيجياته الخلاّقة، بما ينعك على شكل الرسالة الاعلامية الناتجة، وأخلاقيات الممارسين للإعلام ، والتزام منهج العمل الاعلامي المحترف، واتقان فنونه ومختصراته، عبر تمحيص المعلومة، وقوة المحتوى، والرصانة في المادة الإعلامية، والترويج النوعي لمساراتها، وتعميق مفهوم الاستثمار الاعلامي القادر على توظيف الانشطة الاعلامية في المدارس والجامعات، وتبني استراتيجيات تطوير وتوجيه واستشراف لها، عبر إعداد القيادات الاعلامية، وصياغتها وصقل تجاربها وبناء فكرها، وتعميق البعد الأخلاقي والقيمي والحضاري في سلوكها الاعلامي، وضبط مسار الرسالة الاعلامية وموجهات عملها وتقييدها في اطار أخلاقي قيمي حضاري متزن، واستراتيجيات قائمة على الدقة والمعياربة والثقة والمهنية ، والفكر النقدي البناء، وتوجيه المفاهيم والمصطلحات الاعلامية واعادة صياغتها، وإيجاد التفسيرات المقننة والاطروحات المقنعة المستوعبة لكل المفاهيم الاعلامية المستجدة، بشكل يقيها عثرة الانحراف في منطوق الكلمة، وأسلوب الخطاب، وهو ما يلقي على مؤسسات التعليم، مسؤولية توفير البرامج الداعمة لصقل المواهب الطلابية الاعلامية، وبناء القدرات وتأهيلها، وتأسيس كفاءات إعلامية من مؤسسات التعليم العالي، قادرة على إتقان منظور الرسالة الاعلامية ومضمونها، والالتزام بميثاق شرف أخلاقي إعلامي، يضمن الوفاء به في كل مواقع العمل والمسؤولية، ويؤديه كل ما يقومون بهذا الدور في مختلف الوجهات الاعلامية، فمع الاعتراف بأن سياسات الاعلام توجّه وفق الأجندة والأهداف التي تسعى إليها الحكومات؛ إلا أن دور التعليم يبقى مؤثرا ، فيما يضمنه من ثبات قيم الاعلام الرصين، وأخلاقياته ومبادئه ومعايير عمله، وهويته في سلوك المخاطبين، والممارسين، والمطورين الاعلاميين، والمتفاعلين معه، وبما يؤصّله فيهم من دوافع الالتزام، وضمير المسؤولية، فيؤسس عبر مناهجه وانشطته المخططة والموجهة، لمحتوى إعلامي راق، ومنظور إعلامي يستوعب التحديات، ويقف في ثبات من منظومته الأخلاقية والتأريخية والاجتماعية والتواصلية.






