د.رجب العويسي يكتب: كيف يضمن التعليم كفاءته في صناعة بيوت مطمئنة؟

عن الكاتب

د. رجب  العويسي
د. رجب العويسي

‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏كاتب ومؤلف وباحث

د.رجب العويسي يكتب: كيف يضمن التعليم كفاءته في صناعة بيوت مطمئنة؟
د.رجب العويسي يكتب: ما دور التعليم في بناء وإعادة إنتاج المشترك القيمي؟

د. رجب بن علي العويسي- كاتب ومؤلف وباحث في التنمية والأمن الاجتماعي والتطوير المؤسسي والفكر الشرطي والتعليم

يأتي تناول هذا الموضوع في ظل بعض  الأحداث الجرمية التي طالعتنا بها شرطة عمان السلطانية، ونشرت في الصحف اليومية، والتي تستدعي قراءة معمقة لكل الدلالات التي تحملها في مستقبل الأسرة العمانية، والدور المحوري الذي يمكن أن يؤديه التعليم كمحور ضبط، وتقنين، ومنطلق  ترسيخ روح التناغم الأسري، مستفيدا من التحولات الايجابية التي تعيشها الأسرة العمانية في مجالات الوعي والمستوى المعيشي والخدمات الاجتماعية والترفيهية والتثقيفية والتعليمية والصحية وغيرها، وانعكاسات ذلك على قناعات أفرادها وأفكارهم ، وطموحاتهم وتوقعاتهم، ومستويات الرضا لديهم حول تفاصيل الحياة اليومية، وكيفية تقليل حجم الانحسار الحاصل في مسألة الضبط الاجتماعي والأسري ، والرقابة الأبوية، أو المستنزفات التقنية والفكرية المؤدية إلى مشتتات الحديث مع الآباء،  وما لذلك من  انعكاسات على الشعور الجمعي في إعادة  صياغة الممارسة الأسرية، وفق محددات المشترك القيمي والمؤتلف الإنساني، ليمثل التعليم دوره كرابط اجتماعي  لحفظ معادلة التغيير، وضمان كفاءة منظومة الحقوق والمسؤوليات والواجبات، وفهم دقيق لمغزى النسبية والثبات في قيم الاسرة ومبادئها وأخلاقياتها، عبر أطر محددة، وأنماط سلوكية تعبّر عن استمرارية منهج الأبوة في الرعاية والتربية، وكفاءة المتابعة والنصح، والعدالة والمساواة، وسلوك البنوّة في التقدير والاحترام، والبر والاحسان، والثقة وحس الالتزام،  والسمع والطاعة في غير معصية، ليمارس التعليم دوره  في بناء مرتكزات هذه  المعادلة، وتوفير أدوات تقييم سلوك الابناء في  الامتثال لها، وترسيخ آليات التفاعل معها، وتطبيقها في ممارسات التعليم والتعلم،  بما يمنع أي انحراف عن النهج، أو خروج عن الطريق، أو المجازفة  فوق القانون، أو محاولة اثارة قضايا الخلاف الأسري كمدخل لزعزعة الاستقرار العاطفي والإنساني،  فهو بمثابة الاطار الذي يوجّه بوصلة العمل الأسري، ويؤصّل الحب والمودة بين أفرادها، ويبني أخلاقيات الوعي بأنظمتها وقوانينها وتشريعاتها، ويرسم سيناريو المستقبل لمتطلبات الأسرة الناجحة، لضمان بلوغها  شرف الحياة النبيلة، في هدوئها وصفائها والتزامها واعترافها  بحقوق الآخرين من أفرد أسرته وأرحامه وجيرانه؛  بعيدا عن  شحنات السلبية والأحقاد، أو عبارات الشتم والسباب،  أو مسببات الصراخ والازعاج.

 إنّ التعليم  وفي ظل  ما يحتكم إليه من مبادئ، ويؤطّره من تشريعات، ويؤسّسه من ثقافة راقية، قائمة على حسن العشرة والتعامل ، ومنهج الأخوة والتسامح،  وتعزيز ثقافة الذوق،  ومحطات العطاء الذاتي،  وما تمثّله مناهجه من فرص أكبر  لقراءة واعية لنهج السماء، وسيرة سيد المرسلين، وقصص النجاح التي رسمها السلف الصالح في  بناء الأسرة، ورعاية الأبناء، واحترام الوالدين وبرهما، وروح المودة والرحمة والانس بين الزوجين، وقيم التعاون والمشاركة بين الأخوة؛ يعّول عليه إدارة هذا الملف بمهنية،  فإن ميزة الاحتواء والتأثير التي يُحدثها التعليم، عبر اختيار الأدوات المناسبة  في التعامل مع الإشكاليات التي تواجهها الأسر، والتخطيط النوعي لجودة حياة الأبناء في ظلال الأسرة، سوف تنطبع على سلوكيات الطلبة وأفكارهم وقناعاتهم ، وتصبح بمثابة إطار تقييمي داعم لحق الأسرة،  فتصنع المدرسة والجامعة في بنيتها المعرفية والأدائية، معالم الاسرة الواحدة في توادّها وتراحمها وتعاطفها، وتؤّصل في طلبتها روح المسؤولية والمبادرة، والمنافسة فيمن يخدم الآخر ويرعى مصالحه، بما ينعكس على سلوكهم مع أسرهم، وتعاطفهم معها، وتفاعلهم مع منظومة الأوامر والنواهي،  والحوافز والمحاسبية، في ظل التأصيل الديني لها، فيصنع منهم شخصية مسالمة، تتعاطي مع تفاصيل الحياة  بهدوء وسكينة، والتزام يمنح الأمل والتجديد الأسري موقعه في قاموسهم الحياتي.

ومع الاعتراف بما تتضمنه المناهج الدراسية والأنشطة التعليمية من مفاهيم الأسرة وآليات بنائها؛ إلا أننا اليوم بحاجة إلى تلمس فعلي  لمحور التغيير، في طريقة صياغة الممارسة التعليمية الموجهة نحو بناء الأسرة، وإعادة إنتاج أشكالها التعبيرية ونماذجها التطبيقية، بصورة أكثر كفاءة في المحتوى التعليمي، وفلسفة التعلّم، وطرائق التدريس، وقصص النجاح، وتأطير مساحات التفاعل الأسري التعليمي، وزيادة منصاتها الاعلامية، التواصلية والحوارية التشخيصية والاثرائية  والعلاجية ، كأنموذج عملي لصناعة بيوت مطمئنة، تعيش السعادة، وتلتحف الأمان، وتمارس المسؤولية، وتصنع القدوات، أخلاقا تمشي على الأرض،  لا تدنّسها تدخّلات التقنية، أو تُبهت بريقها فجوة التباين بين الطموحات والممارسات.

شارك هذا الخبر