د.عبدالله باحجاج يكتب: بناء قوة المجتمع العماني الذاتية

عن الكاتب

د.عبدالله  باحجاج
د.عبدالله باحجاج

كاتب، وباحث، وصحفي عُماني

د.عبدالله باحجاج يكتب: بناء قوة المجتمع العماني الذاتية
د/ عبدالله باحجاج يكتب: الفصل من الكليات والجامعات .. ليس حلا ، وهذه هي الأسباب
أثير- د.عبدالله عبدالرزاق باحجاج
رغم قلقنا المرتفع من مرحلة الضرائب المقبلة ، وما يصاحبها منذ ثلاث سنوات من فرض رسوم ورفع الدعم …  إلا أن هناك الكثير من البدائل – المعطلة الآن-  وينبغي الانفتاح عليها فورا ، لأنه ليس هناك من خيار آخر لمواجهة استحقاقات الضرائب والرسوم سوى الاستفادة من هذه البدائل المتاحة ، والا ، فهل ستتمكن الحكومة من الاستمرارية في الانفاق على القطاعات الاجتماعية والثقافية أو توفير فرص العمل .. كما كانت سابقا ؟
تدخل الحكومة بصورة تدريجية في مرحلة اعادة تقنين دورها الاجتماعي في ضوء خطة ممنهجة لغل يدها اقتصاديا ، يحتمها ذلك الكثير من الاعتبارات دولية ومحلية ، لعل الدافع الاكبر الان ، دخولها لنظام الجبايات بعد الازمة النفطية لعام 2014، وهذا نظام – كما قلنا عنه سابقا – يحمل المجتمع مجموعة من الضرائب والرسوم ، ورفع الدعم عنه .
تساؤلان يستحقان التكرار دائما :
س:  هل نترك نظام الجبايات الجديد يعري المجتمع من حمايته الحكومية ؟
س: كيف يمكننا صناعة المجتمع القوي ذاتيا في ظل نظام الجبايات ؟
• المرحلة ومتغيراتها أقوى من البنيات الاجتماعية .
في المقالات السابقة ، تحدثنا عن مأسسة المسؤولية الاجتماعية في عصر الضرائب ، ووقفنا عند حتميات التحول المؤسساتي للوقف والزكاة وتأسيس شركات للمسؤولية الاجتماعية غير ربحية ، وهي تشكل بدائل جاهزة للإحلال محل الحكومة في توفير السيولة المالية للأنشطة الاجتماعية والحاجة التنموية الملحة ، وكل عوامل نجاحها متوفرة في البنى الفوقية للمجتمع ، حيث هناك نصوص دينية صريحة كثيرة تحث على إنفاق المال والجهد ، وتربطها بالأجر العظيم في الدنيا والاخرة .
 مثل (مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّئَةُ حَبَّةٍ وَاللّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ )البقرة261وكذلك (إِن تُبْدُواْ الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاء فَهُوَ خَيْرٌ لُّكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنكُم مِّن سَيِّئَاتِكُمْ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ }البقرة271.
وكذلك هناك الكثير من الاحاديث النبوية الشريفة على صاحبها افضل الصلاة وأزكى التسليم ، تكمل وتدعم منظومة الإنفاق وعناصر جذبها الاجتماعي ، فمثلا ، قال – صلى الله عليه وسلم – (اذا مات الانسان ، انقطع عمله إلا من ثلاث : صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له ) .
 ومثل هذه البنى الفوقية للذهنية العمانية تشكل عناصر استراتيجية لاستدامة توفير المال عبر مؤسسات الوقف والزكاة ، وشركات المسؤولية الاجتماعية .
 وهناك قوة أخرى معطلة كذلك ، وقد أصبحت الظرفيات الراهنة تحتمها الان ، بل وقد تأخرنا فيها طويلا ،  وهنا يستوجب علينا ابرازها لدواعي الالمام بالمشهد الوطني الكلي للصور الحتمية التي يمكننا من خلالها تأسيس مرحلة وطنية دائمة ، آمنة ومطمئنة في ضوء المتغيرات الكبرى الناجمة عن التحول في الاقتصاد الوطني من ريعي الى جبائي .
وماهية هذه الصورة الحتمية ، تتجلى في الجمعيات التعاونية الاستهلاكية ،سنرى اهميتها الوطنية للمرحلة المقبلة ، وسنرى كيف تمكن الغرب الليبيرالي من خلالها ان يخلق التوازن بعد أن انكشفت له سلبيات بنيوية عميقة في مجتمعه بسبب وحشية النظام الرأسمالي.
نقدم هذا النموذج في مقال خاص له ، لمساعدة الفكر على التفكير من خارج الصندوق لمواجهة المشكل المالي في بلادنا ، بل إنه يدعو الى تحطيم هذا الصندوق ،والإتيان بأفكار ورؤى من خارجه ، فالمرحلة ومتغيراتها اقوى بكثير من البنيات الاجتماعية القائمة حاليا .
 وقد كان هذا المشهد مستشرفا من لدن عاهل البلاد حفظه الله ورعاه منذ عام 2011 عندما امر الحكومة بدراسة انشاء الجمعيات التعاونية ، لكن ، للاسف كالعادة ، لم نر هذه الجمعيات حتى الان ، ولا نعرف حتى أين هي هذه الدراسة ؟
 س: ما الحل ؟
التساؤل  يلزمنا الإجابة عنه من منظور حتمية التحول ومتغيراتها على الصعيد الاجتماعي ، وكذلك لنقل صرخاتنا المتتالية والمتوالية ، لعلها تصل الى الوعي السياسي ، ويؤمن بحتميتها ، كما نؤمن بها منذ منتصف عام 2014 ، ومن ثم القناعة بصيرورتها الزمنية التي ينبغي أن تنتج وقائع ومعطيات جديدة في بلادنا ، لم تعهدها مسيرتنا التنموية منذ عام 1970 ، فكل السياسات المالية والاقتصادية – التي اصبحت معلومة ، ونذكرها في معظم مقالاتنا – لم يعد يختلف بشأن تداعياتها ، وهي تأكل المجتمع ، وعلى وجه الخصوص تقليص حجم الطبقة المتوسطة .
، ففعلا ما الحل ؟ من هذه الحيثيات ، تظهر لنا الجمعيات التعاونية الاستهلاكية كحل اخر ، بل افضل الحلول لمواجهة عصر الضرائب والرسوم ، لكنها ينبغي أن تكون ضمن منظومة البدائل المتكاملة والمتناغمة فيما بينها ، وذلك حتى نقابل المتغير بتداعياته ، ببدائل تسد الفراغات في دور الدولة – الحكومة – ويمكن أن تحمي المجتمع في وجوديته القيمية والاخلاقية ومنظومة ولاءاته وانتماءاته المقدسة .
• الجمعيات التعاونية – الاستهلاكية- ضرورة وطنية عاجلة .
بحثنا في الكثير من تجارب الجمعيات التعاونية الاستهلاكية ، وتوفر لدينا خارطة بسلبياتها وإيجابياتها ، والمثير في منشأ هذه الجمعيات أنها بدأت في الدول الرأسمالية أو صاحبة الاقتصاد الحر ، بداية انطلقت من بريطانيا ، ثم الى بقية الدول الاخرى ، فمثلا في بلجيكا هناك أكثر من ثلاثين الف جمعية تعاونية.
 قد نتساءل عن الاسباب في انطلاقة هذه التجربة في الغرب ؟ ربما نجدها هي نفسها التي من خلالها نطالب بالإسراع في اقامة الجمعيات في بلادنا ، وهي كامنة في تداعيات الرأسمالية أو تبني الاقتصاد الحر ، فهذه الرأسمالية تسحق كل ما يعترض امامها من ابعاد وجوانب انسانية من أجل تحقيق أكبر هامش للربح لعدد قليل من الناس ضد مصالح الاغلبية  ولعل المقولة الشهيرة : – الغاية تبررها الوسيلة – تمثل بمثابة الطاحونة الحديدية التي سحقت كل الفئات الاجتماعية المغلوبة على أمرها .
وفي عالمنا الثالث ،  وجد نفسه امام نفس المسار الاوروبي ، فعمل على تأسيس جمعيات تعاونية – ومن بينها الاستهلاكية موضوع مقالنا – من مواطنيها أنفسهم ، للقيام بدورين متوازنين ومتزامنين هما ، دور اقتصادي وآخر اجتماعي ،وهنا يصبح المواطنون ، تجارا ومستهلكين في نظام الجمعيات التعاونية الاستهلاكية ، تاجرا كونه مسهما ماليا فيها ، ومستهلكا كونه يشتري احتياجات أسرته منها .
 ولو تأملنا في تلك الجزئية لوحدها لكفى بها مبررا للإسراع في اقامة مثل الجمعيات ، لأن المواطنين سيتوفرون على دخل استثماري منها ، وفي الوقت ذاته ، سيحصلون على منتجات وسلع رخيصة وذات جودة عالية ، فكيف تتأخر مثل هذه الجمعيات حتى الآن ؟ كما أن المواطنين أنفسهم سيشكلون مجلس اداراتها ، وسيمارسون فيها الديموقراطية أفضل ممارسة لها ، من واقع التعبير عن المصالح وحسمها ، وادارتها بمسؤولية جماعية ، حيث ان ادارة  الجمعيات تكون من المواطنين ، وربع أعضائها يتجددون سنويا .
 وبهذا نضمن قاعدة عريضة من المشاركة من المواطنين ، ونضمن من خلالها إنضاج تجربة المشاركة المجتمعية في الشأن العام ، فكيف يتأخر هذا التطور حتى الآن ؟ وهو لو حدث سابقا ، لكانت تجربتنا الشورية والبلدية في ممارسة ملتزمة أكثر بكثير مما هي عليه الان.
ومن فوائد مثل هذه الجمعيات كذلك – كما اطلعنا عليها في تجارب عربية وعالمية – أنها تلعب دورا مهما في الحياة الاجتماعية لسكان المنطقة التي توجد فيها ، حيث تقوم بتخصيص ربع أرباحها للانشطة والخدمات الاجتماعية وحتى التنموية للمنطقة ، فعن طريق الربع من الارباح تم تأسيس مرافق صحية كبيرة ، كمستشفى للقلب .
كما أنها في حالتنا العمانية ، ستقضي كذلك على التجارة المستترة التي تخرج شهريا من بلادنا الملايين من الريالات ، الاولى بها داخلنا ومواطنينا وبنوكنا ، وهذه التجربة تتيح لنا تصحيح الكثير من الاختلالات التجارية والاقتصادية ، وتحقق لنا تحسين مستوى معيشة المواطنين وتحريك عجلة اقتصادنا الوطني ، كما أنها ستحرك الطلب على المنتجات العمانية ، كونها ستكون هي المستهدفة من قبل هذه الجمعيات ، وبالتالي ، نتوقع ارتفاعا في وتيرة الانتاج ، كون وجود أسواق محلية تنافسية تستقطب المنتج العماني ،  فكيف تتأخر هذه التجربة حتى الآن ؟
إذًا ، كيف لم تتجاوب الحكومة مع توجهات عاهل البلاد حفظه الله ورعاه في دراسة اقامة الجمعات التعاونية منذ 2011، ومدى حاجة بلادنا اليها مثل ما تتضح لنا الان ؟
ويفترض أن تشهد بلادنا ولادة الجمعيات التعاونية الاستهلاكية منذ عام 1996 ، ولماذا هذا العام ؟ ففيه حدث التحول نحو الخصخصة ، عبر تحويل ملكيات الكثير من مرافق الدولة وشركاتها الى ملكية خاصة ، وفيه اندمج اقتصادنا في العولمة من أوسع ابوابها ، مما حدث من خلالها آلام  اجتماعية كثيرة ، كتبنا عنها أول مقال لنا معنون باسم ،، الآثار الاجتماعية .. في تجربة الخصخصة العمانية ,,
والآن يحدث التحول التاريخي الثاني ، وهو التحول من الاقتصاد الريعي الى الاقتصاد الجبائي ، دون وجود نية معلنة للانفتاح على تجارب الجمعيات التعاونية التي تبناها الغرب الرأسمالي من أجل حماية مجتمعاته من الرأسمالية المتوحشة ، فهل ستسلم بلادنا من وحشيتها ؟
من هنا ليس أمام بلادنا من خيار لمواجهة عصر الضرائب والرسوم سوى تشجيع إقامة الجمعيات التعاونية الاستهلاكية في المحافظات والسماح لها بفتح فروع في كل الولايات ، ومنحها امتيازات ضريبية وإعفاءات متعددة الأشكال من أجل نجاحها ، على ان تجمع هذه الجمعيات اتحادا عاما للجمعيات لدواعي الرقابة وحل مشاكل الجمعيات ، وحسم خلافاتها ، كما يشكل هذا الاتحاد قوة تفاوضية في الشراء لينعكس ذلك إيجابا على البيع باسعار معقولة ، كما هو حاصل في التجارب الخارجية .
 أما رفضها أو التردد فيها ، تحت هواجس السلبيات ، يعد قصورا في استيعاب حجم التحديات المقبلة ، وعدم تقدير معادلة الايجابيات أكثر من السلبيات ، وحتى هذه السلبيات يمكن تفاديها عبر تحديث القوانين وتفعيل أجهزة الرقابة الحكومية والتفكير في اعادة هيكلة وزارة التنمية الاجتماعية أو وزارة التجارة والصناعة حسب الجهة التي ستكون مشرفة عليها ، ولنا في تجربة الرقابة وردع المتلاعبين نموذج هيئة حماية المستهلك ، وهي تنفي السلبيات كمبرر دون قيام جمعيات التعاون الاستهلاكية على وجه الخصوص .

شارك هذا الخبر