د. رجب بن علي العويسي

كاتب ومؤلف وباحث في المواطنة والتنمية والأمن الاجتماعي والتطوير المؤسسي والفكر الشرطي والتعليم

تؤدي الخصوصية التعليمية اليوم، دورها كمعيار قوة في ميزان قبول التجارب العالمية من عدمه، بل ويتسع تأثيرها في الحكم على كفاءة التطبيق ونواتجه، ومستوى الاعتراف المجتمعي المقدم لقبول العمل والاستمرار فيه، أو البحث في أدوات تطوره ، بحيث يمكن استقرائها في موجهات التعليم وفلسفة عمله، وقناعات المجتمع وطموحاته وأفكاره حول التعليم، والتوقعات التي يريدها منه، سواء من الشركاء خارج المنظومة، بما فيهم مجتمع الأعمال والاقتصاد والمال، ومجتمع الأمن والاعلام وأولياء الأمور، أو من هم داخل المنظومة من الممارسين للتعليم أنفسهم، من معلمين وأكاديميين وإدارات المدارس والجامعات، بالاضافة إلى مجتمع الطلبة، فمع ما يعيشه عالمنا اليوم من ثراء فكري واسع في تجاربه التعليمية وخبراته التربوية، بفضل ما تيسّر له من فرص الرصد والنشر والتقييم، وسهولة تداول المعرفة، عبر التقنية والفضاءات الفكرية المفتوحة التي أسست لشراكات علمية وبحثية وغيرها، وما أتاحته مؤشرات دافوس لقياس جودة التعليم، الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي ، ونتائج الدراسة الدولية لقياس جودة تعلم الطلبة في مادتي العلوم والرياضيات ( Timss ) والدراسة الدولية لقياس مدى تقدم القراءة في العالم ( Pirls )، وغيرها من نماذج العمل التعليمية المتطورة، والدراسات التشخيصية والتقييمية والاثرائية والتطويرية الموجهة لقياس جودة التعليم ، من فرص أكبر لزيادة التجارب الناجحة في دول العالم المختلفة، وما أتاحه دخول دول أخرى ناشئة حيز المنافسة ( كدول نمور جنوب شرق آسيا)، وتفوقها على الأنظمة التعليمية في دول أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية، من فرص أكبر للاختيار والانتقاء، وتعدد البدائل التي قد تتقارب في ثقافتها التعليمية ومنظومتها الفكرية والثقافية من واقعنا التعليمي والحالة العمانية؛ إلا أن قبول هذه التجارب ظل مرهون بأحكام محددة ومسوغات معروفة مرتبطة بحجم ما تمنحه الخصوصية التعليمية من صلاحيات الموافقة وإشارة البدء، فشكّلت بذلك أداة ضاغطة ، وضعت السياسات المنظورة للتعليم أمام مراجعات مستمرة، وقراءات متعددة تستوعب حجم هذا السيل من التعددية في الأفكار والتوسع في البدائل، للوصول إلى نقطة تماس يقترب منها مشترك التعليم، أو خيط ممتد يبني عليه مدخلات عمله في إطار مفهوم الخصوصية واملاءاتها، كونها من تصنع للتعليم موجهاته وفق رؤية الدولة ومنظورها التنموي، وبالتالي يصبح سقف نجاح توقعات القائمين على التعليم محكوم باقترابه من مسوغات الخصوصية التعليمية، وقراءتها لهذه التجارب، وتجاوبها مع ما تطرحه من ثقافات وتؤصله من قيم ومبادئ، تنعكس على نمط التعليم وشكل الممارسة التعليمية القادمة . وعليه فإن البحث في فلسفة الخصوصية التعليمية الوطنية ، لا يعني حجب التعليم عن مسارات التطوير العالمية، بقدر ما هي اطار داعم لتوجهات التعليم، ومساحات واسعة تضمن قدرة التعليم على التحرك فيها بسهولة، بما يضمن لجهود التطوير التي تتخذها مؤسساته، الاستدامة والتكاملية والتناغم، وقوة التأثير المتوقعة، إذ من شأنها أن تضع الشركاء أمام مسارات عمل مقننة حول مساحات التدخل المتاحة لهم في ذلك، ووضوح دورهم في تعزيز الوعي الاجتماعي ونشر ثقافة التطوير، وتعزيز منصات الحوار والتواصل مع المجتمع. ومعنى ذلك تأكيد البحث في كفاءة ما أعدته مؤسسات التعليم من أدوات، وشراكات عمل واضحة، وأطر تخطيط وتشخيص، تضمن لها الوفاء بالتزاماتها المجتمعية، وكسب رهان الثقة في تنفيذ مشروعاتها التطويرية، وقبول العمل بالتجارب المنتقاة، عبر رسم خارطة عمل واضحة، تدفع للمزيد من التخطيط وتوجيه قنوات التواصل، ومساحات اكبر من التفكير والبحث وتوفير البدائل وأنظمة التقييم والتقنين والتصحيح والتقويم، بالشكل الذي تتلاشى فيه مساحات العشوائية أو المزاجيات أو الوقتية؛ وتتجه فيه أطر العمل إلى الكفاءة والفاعلية وقوة التأثير، بما يضمن دمج كل الأصوات والآراء والأفكار ووجهات النظر في صوت واحد، عبر ميثاق وطني شامل للتعليم، يدعم استراتيجياته وخططه ويقرأ واقعه ويستشرف تحولاته، مع وضوح الآليات والبرامج ونماذج العمل ودور الشركاء فيها، بما يعزز من فرص الاستفادة من التجارب العالمية، وأرصدة النجاح الدولية والإقليمية، بالشكل الذي يبقى مسار الخصوصية مؤكدا لحق التجديد والتطوير والابتكارية والتنويع، مع المحافظة على الثوابت التعليمية العليا، بما يصنع لمؤسسات التعليم فرص نجاح واستحقاقات تميّز قادمة، ويضمن امتلاكها أدوات العمل اللازمة لتحقيقها.
*مصدر الصورة: مسندم نت






