د.رجب العويسي يكتب: ما دور التعليم في بناء ثقافة الضبط الاستهلاكي؟

عن الكاتب

د. رجب  العويسي
د. رجب العويسي

‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏كاتب ومؤلف وباحث

د.رجب العويسي يكتب: ما دور التعليم في بناء ثقافة الضبط الاستهلاكي؟
د.رجب العويسي يكتب: ما دور التعليم في بناء ثقافة الضبط الاستهلاكي؟

د. رجب بن علي العويسي
رجب العويسي
كاتب ومؤلف وباحث في المواطنة والتنمية

د.رجب العويسي يكتب: ممكنات البعد الوقائي في السياسات التعليمية، ماذا نفعل؟
د.رجب العويسي يكتب: ممكنات البعد الوقائي في السياسات التعليمية، ماذا نفعل؟

مع القناعة بدور التعليم في إعادة الانتاج الفكري والثقافي والتعامل مع إشكاليات  المعلبات الفكرية الجاهزة والثقافة الاستهلاكية ، إلا أن دوره  يتسع ليشمل الاستهلاك المادي أيضا؛ فمسألة الاستهلاك اليومي راجعة لمساحات الوعي والثقافة المجتمعية، وقوة المبدأ الذي يؤمن به المجتمع نحو  عاداته وممارساته الاقتصادية،  مما يضع التعليم  في محك المراجعة كونه من أقدر الموجهات  الفكرية الضبطية القادرة على التأثير في تشكيل هذا الوعي واستنهاضه وبنائه وترقيته، خاصة عندما تنتهج مؤسسات التعليم  برامج  داعمة لنمو الهدف، وتربية الضمير وتقوية عنصر الحاكمية فيه، بما ينعكس إيجابا على المتعلم والأسرة والمجتمع.

لذلك أصبح الرهان على التعليم اليوم في إعادة  هيكلة الواقع الاستهلاكي للأفراد والأسر، والبحث في القيمة الاقتصادية الناتجة عن بناء مسارات تصحيحية في سلوك الإنسان نحو عادات الاستهلاك المادي، في ظل ما يمتلكه من موجهات تصحيحية وأطر عملية، ومنهجيات ومسوغات، وما يحتكم إليه في ظل منظومة المبادئ والأخلاق والقيم الدينية في تأكيدها على الانتاجية والعمل والبحث ، وعبر  استنطاق القيم والعادات السليمة وتريتها، وتعميق حضورها في الممارسة التعليمية،  وتيسير فهم قواعدها وفق أسس علمية صحيحة، تضمن لها القوة والاستدامة ، بحيث يصبح سلوكه القادم نابع عن قناعة ذاتية والتزام يعكس مساحات الوعي لديه، ويضمن لعاداته الاستهلاكية السابقة الضبطية والتقنين .

إن قدرة التعليم على تأصيل هذه الثقافة الضبطية في التعامل مع السلوك الاستهلاكي ، يرتبط بأساليب التعليم والتعلم في الموقف التعليمي، وأسس ومحددات الحوار وتفاعلها مع سلوك الطالب  الاستهلاكي،  والأنماط الاقتصادية التي يعايشها داخل المدرسة وخارجها، وقدرة التعليم  على وضع السلوك الاستهلاكي الأسري والمجتمعي أمام تقييم ونقد ومراجعة وتصحيح ، بما يضمن فاعليته في تغيير عادات المتعلمين الاستهلاكية  ويبني فيهم حس المسؤولية وضبط المدخلات والعمليات الاقتصادية اليومية، بحيث ينقل هذا الالتزام  من الفردية إلى الجمعية، ومن الذاتية إلى اكونها سلوكا عاما ومن  الوقتية إلى الاستدامة.

وتأتي المناهج الدراسية والأنشطة والدروس المنهجية، والمبادرات الطلابية الجادة،  والمفاهيم  الاقتصادية ذات العلاقة بالاستهلاك  وثقافة إدارة الموارد المتضمنة في المواد الدراسية،  لتؤسس مرحلة متقدمة في فقه الطالب الاقتصادي، بشكل  يتقارب مع واقعه الاجتماعي ومشاهداته، وقدرته على إعادة صياغته، وتقوية جوانب الاهتمام لديه  عبر الدخول في أنشطة  تعزز من صناعة  التفوق والانجاز والمهنية في حياته، كمنطلق لتأسيس مشروعه القادم،  فهو يفكر وهو على مقاعد الدراسة، في طريقة أداء هذا المشروع وعملياته ونواتجه وما يحتاجه من تطبيقات واليات ونماذج عمل وتجهيزات، فيصبح الشغف معايش له، ملامس لتفكيره، فيغتنم كل فرصة مواتية تتيحها المدرسة أو الجامعة في الانخراط في هذا السلوك  عبر العمل التطوعي  والعمل الريادي والمشاركات الجادة، فيتجاوز الثغرات وحالات القلق التي تعايشه حول مستقبله الوظيفي بعد تخرجه، وإدارته للموارد والامكانيات والمصروفات المالية والنقدية التي تصل إليه.

وعليه فعندما يؤّمن التعليم هذا المدخل، ويمتلك المتعلم خلاله قوة في إدارة  الممارسة الاستهلاكية ، عندها يصبح الجانب الاخر للمعادلة  واضحا، لتبدأ معه مرحلة أخرى تقوم على بناء سلوك  إيجابي في بيئة التعلم، وفق نظريات التعليم المنتج،  وصياغة أنموذج المدرسة المنتجة التي تعمل على سد احتياجات المتعلمين  اليومية عبر تعويدهم على  قيم العمل والاجتهاد، وامتلاك الدوافع والقدرات المعززة للإنتاجية، وفق نماذج محاكاة تعليمية داعمة لمنحى التغيير في العادات الاستهلاكية السلبية، ويبني في المتعلم عادات الادخار والمحافظة على المال ، وتقييم السلوك الاقتصادي، عندها تصبح  المعادلة الاستهلاكية  التي يصنعها التعليم مرتبطة  بطبيعة الاحتياج الفعلي  وإدارة وترتيب الاولويات وابتكار أدوات ضبطية تساعد المتعلم على إدارة  واقعة الاقتصادي وتمكينه من إضافة مساحات استثمارية له  في مواجهة ثقافة الاستهلاك  السلبي.

شارك هذا الخبر