د.رجب العويسي يكتب: المعلمون أوفياء الأوطان

عن الكاتب

د. رجب  العويسي
د. رجب العويسي

‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏كاتب ومؤلف وباحث

د.رجب العويسي يكتب: المعلمون أوفياء الأوطان
د.رجب العويسي يكتب: المعلمون أوفياء الأوطان

 

د. رجب بن علي العويسي- خبير الدراسات الاجتماعية والتعليمية في مجلس الدولة

 

المعلمون في قاموس الحضارات الراقية والأمم الواعية والمجتمعات المتطورة مفردة إنسانية لها موقعها الحضاري ودورها الريادي ومكانها الشامخ وفكرها السامق وقدرها الذي يملأ الصغير والكبير والغني والفقير، حافظون لمكانته عارفون بحقوقه مدركون لحجم رسالته مؤمنون بإرادة التحدي التي تسايره في أداء مهمته.

إنهم أوفياء الأوطان ورثة الأنبياء في صناعة التجديد وبناء الفكر وترقية الأخلاق وتأطير السلوك، شموخ مجد ومنهل عطاء وروح إباء وقيمة مضافة في التنمية المستدامة، وعندما تضع الأوطان في المعلمين بصمة وتبني لهم حضورا وتؤسس فيهم ثقة، فتنهض بهم إلى حيث الآمال والطموحات تعانقت، عندها تنقشع في وجه حياة الاجيال كل مسببات الخوف ومرهقات التفكير والقلق من المستقبل، إذ يبقى المعلمون من يمّدون طاقات الأجيال بإيجابيتهم ويبعثون الأمل بعطائهم ويمسحون الدموع بمبادراتهم ويغرسون الخير بتكاتفهم ويعينون المفلس في أخلاقه بمبادئهم وقيمهم ، يصنعون من الكلمة لحن حياة صادق وبوح شدو واعد تجديدا للعهد والتزاما بالوعد وعملا بالمهمة.
وهناك حيث التعليم ومؤسساته مصنع العمل ومختبر الأداء ومجال التحدي وميدان المنافسة؛ يقف المعلم حكيما في عطائه، شامخا في ثباته ، كان في ذكره عطرا تفوح رائحة عبيره الأرض والسماء في وقفات إجلال واحترام لما أنجزه المعلم وسطرته أياديه وصنعته ذائقته ليشهد الجميع على ما تركه من بصمات خالدة، منطلقا للبحث فيها وإعادة إنتاجها، ليكون المتعلم ذلكم المتربع في عرش الصدارة المستحوذ على وقت اللقاءات او الاجتماعات، لتصدح حناجر القائمين بحديث عن التعليم وجودته، فيصبح المعلم مسار النقاش ومنطق بناء الأدوات وصناعة البدائل واقتراح سيناريوهات العمل، لذلك كان البحث فيه استثمار للإنسان ونهضة للتعليم وتجريب للأدوات وإبهار للمنتج لتضعه في قائمة التميز والتنافس.


عندما وجدت الأوطان في المعلم هذه القيمة المضافة، لم تكن نظرتها له من فراغ أو تمجيد دوره ترفا، بقدر ما هو انعكاس لممارسات المعلم الراقية في عالم مضطرب، فهو مواطن بالدرجة الأولى مصلح في زمن التغيير، مطوّر في ظلال العلم والمعرفة، منتج للثقافة والفكر بطريقة تتناغم مع مبادئ الأوطان وسياساتها الداخلية والخارجية، يحمل أمل الأجيال الصاعدة، ويؤسس لمنهج الأجداد الصامد في وجه التغيير ويرسخ لمسار الحكمة في الدمج بين عالمين قد تكون الفجوة بينها كبيرة، ليشكل بدوره رابطة وطنية تحفظ له حقه ويعيش في كنفها حبا وسلاما، فيقتنع الجميع بحاجته للآخر لعالم تحّلق الأخلاق والقيم والفضيلة في فضاءات التقنية المفتوحة، لتصبغ في ثقافة الأجيال القادمة وهويتها، رسوخ مبادئها وصدق توجهاتها بالمحافظة على ما بناه الأباء واسسه الأجداد ” زرعوا فأكلنا ونزرع فيأكلون”.

لم يكن حديثنا استعطافا للمعلمين واستلطافا لهم، فهم أنصع بياضا، أنوار تمشي على الأرض، فقناعتنا فيهم ، إنما هي نتاج لسلوك المعلم وموقعه في منظومة الحياة وخلده الذي نتنفس منه بريق الأمل الذي عشناه في سنوات حياتنا، لذلك لن يضر ما يقال في حقه من كلمات أوصاف خارجة عن إطار الجادة متنافية مع خلق الطموح غير مألوفة لكل ذي لب، ما دام يحمل الإخلاص ويؤسس القدوة في نفسه ، وإننا بحاجة اليوم لنلمس في المعلمين جميعهم هذه الروح الوثابة والعطاء الماجد والانجاز النوعي الذي سطّره المعلم العماني في كل مراحل التطور في المسيرة التعليمية فكانوا لها خير حافظ.
إن اقترابكم من الطالب وتواصلكم مع المجتمع واستيعابكم لمفهوم التطوير والتجديد وصناعتكم للبدائل والتزامكم الصارخ في وجه المتجاوزين للفضيلة، إنما هي منطلقات أنتم أسستموها للأجيال وسعيتم لتحقيقها في كل زمان ومكان فهي نهجكم الذي تعلمنا منه قيمة الوطن ومفهوم الأخلاق ومعنى السلوك الواعي وطريق الإيجابية حتى أبليتم حُسنا وقدمتم نعماء، فكان سعيكم مشكورا نرجو استمراره في الأجيال القادمة، وإن من العتب الذي لا نرضاه لكم أن تبحث الأجيال عن هذا الأمر في غيركم فتضيع الأوراق بعد ثبوتها وتتبعثر بعد احتوائها، لتبرز على السطح احتواءات ملتوية وتدخلات قسرّية خارجه عن وفاء المعلم واستيعابه لمسار الاختلاف وتنوع فرص حضوره في القدرات والاستعدادات.
إن مسؤوليتكم اليوم أن تصونوا هذه الثقة، تبنون مجد أوطانكم في ظلال التفاني والتضحية التي سطّرها من سبقكم بحمل هذه الرسالة فكانوا حافظين لحدودها باعثين فيها الإلهام، فإن استمراركم في هذا النهج تعبير عن إرادتكم السامية وروحكم النبيلة ومواقفكم المشرّفة التي ستظل محفوظة للأجيال محفوفة بالرعاية والاهتمام؛ فلكم أيها المعلمون في يومكم السنوي الرابع والعشرون من فبراير أجمل باقات ورد تتنفس عبيرها الحياة وترتسم محيى ابتسامتها السعادة.


شارك هذا الخبر