
يبدو أن نكبات العالم المتكررة المرتبطة بالنوع البشري وحالة الاقصاء والتهميش التي يتعرض لها إنسانه، في ظل مهددات الفكر الإيديولوجي الفرداني المؤثرة سلبا على مبدأ العيش المشترك، تضع التعليم أمام واقع جديد عليه ان يتعامل معه وفق موجهات وأطر محددة واستراتيجيات أداء مقننه تعزز من مفهوم التعايش الإنساني والتشارك الفكري والتناغم المعرفي والتقارب في الطموحات والتوقعات والاعتراف بحق المبدأ والمصير والمشتركات الإنسانية بينها، كونه مدخل لبناء الانسان وتهذيب سلوكه وإحياء ضميره وترقية الوعي لديه نحو ترجمة هذا المبدأ في واقعه، عبر سياسات التعليم وخططه وبرامجه، سواء في بيئة الصف وساحة المدرسة أو حرم الكلية والجامعة وقاعات التدريس، وبالتالي فهم أعمق لدور التعليم كأداة للتميز البشري والتنافس لبلوغ الأفضل، وبين كونه مشتركا إنسانيا وحقا يجب على الحكومات والدول توفيره في سن الالزام، وأن تعمل المنظمات الدولية على تنظيمه ليصل إلى كل طفل في مناطق العالم التي تشهد حالات نزاع وتوتر وفتن داخليه، وباتت قدرة التعليم على تأصيل مبدأ العيش المشترك في فقه الأجيال وثقافتهم الدراسية، أولوية تضمن الوصول إلى محطات التقاء مشتركة تعيش الشعوب خلالها حياة الأمان والاستقرار والسلام والوئام.
لقد شكّلت حالات التنمر بين الطلبة، والعنف اللفظي والجسدي، وحالة الانطوائية والانعزالية والتوحّد، وإشكاليات الجريمة والنزوع إلى الأنانية والتفكير السلبي في التعامل مع مصالح الاخرين، وحالات الاعتداء والتخريب أو تشويه السمعة والاشاعات والابتزاز التي تتعرض لها مؤسسات التعليم؛ مؤشرات باتت تبحث عن مسارات عمل وطنية أكثر تضامنا وتفاعلا بما تحتويه من تشريعات، وتضع مسألة التعليم من أجل التعايش والعيش المشترك أمام مراجعة جذرية تأخذ في الحسبان كل المؤثرات الداخلية والخارجية المؤثرة ايجابا أو سلبا على المنظومة، بالشكل الذي يضمن قدرة الأجيال على التكيف مع المتغيرات والظروف التي باتت تؤثر في حياتهم، وتبني فيهم قيم البحث والانتقاء والاختيار والتصرف واتخاذ القرار في مستوى قبول المتعلم للتغيير الناتج عن محاولة إثبات مسؤوليته في بناء ذاته وتقليل اعتماده على الاخرين.
وبالتالي ما يتطلبه ذلك من بناء شراكات مجتمعية يقودها التعليم في تأصيل هذا النهج، بحيث يدخل في عمق الحدث ويضبط المسارات المؤثرة في تحقيق هدف العيش المشترك، بمشاركة المجالس البرلمانية والتشريعية والمؤسسات الثقافية ومؤسسات التنشئة الاجتماعية والاعلام والاسرة، بحيث تعمل جميعها على مساعدة التعليم في بناء فهم أعمق لدوره في إعداد لبنات هذا الهدف وفلسفة تحقيق أبعاده في حياة المتعلمين، عبر جملة من الموجهات التي تستهدف تقريب نموذج التعايش في بيئة التعليم في أذهان المتعلمين وواقعهم وممارساتهم واهتماماتهم وأنشطتهم، بحيث تشكل صورة عملية متكاملة مصغّرة لمفهوم التعايش والعيش المشترك على المستوى الوطني والعالمي، في بيئة تعليمية تراعي فيها الحقوق والواجبات وتضمن فيها التشريعات تحقيق ذلك في ظل عدالة والتزام، وبالتالي الإكثار من التطبيقات العملية ونماذج المحاكاة للواقع، التي يجد فيها المتعلمين فرصتهم للتمازج والتناغم فيما بينهم في الرؤى والأفكار مع احترام الخصوصيات ومراعاة القدرات والاستعدادات والملكات وقبول الرأي الآخر، وصناعة بيئة تعليمية نموذجية قادرة على استيعاب مفردات التباين والاختلاف الحاصلة بين الطلبة في القدرات والاستعدادات وتأصيل ثقافة التعايش الفكري والتفاعل المعرفي، والاستفادة من المشترك القيمي والاخلاقي والإنساني في ربط الفرد بمجتمعه، وتعميق وحدة الهدف والمصير في سلوكه، باعتباره طبيعية بشرية وسنة كونية يبقى التمايز فيها بقدر ترقية دوافع الإيمان التفاعلي الداخلي حول الحياة والكون والانسان.
وعليه فإن رصيدنا الثقافي والفكري والقيمي المتزن الذي صنعه الانسان العماني في كل مراحل التطور الحضاري التي مر بها، وانطلق خلالها للعالم الاخر يمارس دوره الريادي ويشارك العالم إنسانيته وانتاجه وعطاءه وفلسفة عيشه ومفردات حياته، شكّل مدخلا لفلسفة التعليم في عمان في تأكيدها على مبادئ الوحدة الوطنية والهوية العمانية والمواطنة المسؤولة، فإن بناء استراتيجيات عمل واضحة في مواجهة حالات التنمر والمفاهيم التي تتجافى مع مبدأ التعايش والعيش المشترك، يستدعي رصد دقيق لكل الممارسات الحاصلة في هذا الشأن وتشخيصها ودراسة مسبباتها وإيجاد الحلول لمعالجتها بصورة تضمن قدرة الاجيال على الاختيار الواعي وتوظيف المشتركات من أجل فهم أعمق لمتطلبات التعايش والعيش المشترك في عالم يتجه إلى الفردانية وينزع إلى المصلحة الشخصية.






