
ولم يعد خافيا الآن ، أن كل ما تشهده منطقتنا الخليجية سواء بين بعض دولها أو توتر داخلها وإدخاله في صراعات على لقمة العيش ، وراءه استهداف مبيت ومخطط دقيق جدا، له أهداف بعيدة المدى ، وتتوفر لدينا حاليا معادلة واضحة تماما ، وخطيرة جدا ، وهى شغل الدول الخليجية بمشاكل داخلية داخلية ، وداخلية خليجية ، وجر شعوبها الى هذه المشاكل ، وإغراقها فيها ، بحيث لا ترى غيرها من المشاكل والقضايا .
لماذا؟ حتى لا ينشغلوا بقضاياهم الخارجية ، وحتى لا يقفون ضد تحقيق الاجندات الجديدة في المنطقة ، ولن ينشغل الفقير أو من راتبه لا يفي باحتياجاته الشهرية أو الباحث عن عمل أو من يبحث عن علاج مجاني … بقضايا مثل القدس والدين والقيم والأخلاق .. الخ وهو قابع في حفر الفقر والمرض والجهل .. فهذه الحفر لن ترفع رأسه الى فوق منصف إذنيه ، ستظل تجذبه فيها غرقا الى القاع .
هذه رؤية عميقة النفاذ ، قد تناولنا مولداتها ودوافعها بإسهاب في مقالنا السابق المعنون باسم ” كيف يتم تحطيم قوة المواجهة المالية والأيديولوجية الخليجية ” ويتم استدعائها الآن ، استكمالا للمشهد نفسه ، من رؤى إضافية لعلنا نكسر حاج اللاوعي الذي هو الآن يتسيد ميكانزمات الفعل وردة الفعل السياسية على مستوى الخليج .
ونقدم هنا قراءة مختلفة تبتعد عن استهداف الكيانات الخليجية بالاسم ، وتضع القضية في اطار التداعيات الناجمة عن سياساتها الكلية ، والتي تستهدف معظمها ليبرنة المجتمعات الخليجية ، والتخفيف من هيمنة الدين على الدول الخليجية وسياساتها الخارجية ، وقبول ان يشكل الكيان الصهيوني مع بعض أو احداها تحالفا إقليميا تعتمد على واشنطن في تنفيذ استراتيجتها الجديدة .
- ملامح جديدة على نجاح تفتيت القوة المالية .
ظهرت الأسبوع الماضي مؤشرات جديدة على إمكانية اللجوء الى الثروات الخاصة للإنقاذ المالي بعد استنزاف سيولتها المالية طوال السنتين الماضيتين من قبل الرئيس ترامب اما بصورة مباشرة أو من خلال الصفقات العسكرية والاقتصادية ، لن نتحكم هنا للتغريدات التي تشعل بعض مواقع التواصل الاجتماعي ، لأنها مجهولة الهوية ، أي بأسماء مستعارة ، لكننا ، نستدل على طرحنا ، بما جرى في لقاء رفيع في احدى العواصم الخليجية ، ففيه وردت إشارات واضحة على نجاح الابتزاز المالي الأمريكي عبر التفكير في تغطية النقص المالي من قبل أصحاب الثروات الخاصة في الخليج ، أي اقتطاع من ثرواتهم .
وهذه ستكون الحالة الثانية التي تلجأ إليها كبرى الدول الخليجية الغنية ، فذلك اللقاء كان بمثابة تهيئة الذهنيات الاجتماعية لهذه المرحلة ، وإعطاء المباركة السياسية لهذا المسار الجديد الذي يأتي بعد استنزاف رهيب للثروات ، ومما زاد الوضع المالي تأزما الدخول في حروب وصراعات خارجية وفتح قواعد عسكرية… تستنزف موارد مالية سنوية كبيرة ، فهل ستصمد سيولة الدول الخليجية الى ما لا نهاية ؟
وفي تقرير الثروة الفائقة في العالم لعام 2017 ، جاءت السعودية الأولى عربيا ، والتاسع عشر عالميا ، بعدد أثرياء يبلغون ( 2640) ثريا ، تلتها الإمارات (1120) ثريا ، وقد تصدرت القائمة عالميا ، الولايات المتحدة الامريكية بأكثر من (73) الف وحلت روسيا المرتبة الثالث عشر عالميا (3780) ثريا ، وفق تصنيف مقياس wealth”x” .
وهذه القائمة ومؤشراتها تفتح الآفاق لرؤية مهمة ، يعبر عنها التساؤل التالي هل استهداف الأثرياء سيكون عالميا بعد أن شهدنا تطبيقاته إقليميا ؟ نطرح هذا التساؤل في سياق تدعيم طروحاتنا السابقة من جهة وكذلك كون ترامب وبوتين يقودان الآن مرحلة عالمية جديدة من منطلقات داخلية ، فهل فعلا ستنتقل علمية استهداف الثروات الفاحشة من الخليج الى أمريكا وروسيا أم الخليج حالة استثنائية يسمح ترامب مقابل حصة كبيرة من سيولة الخليج ؟
- قنوات استنزاف أخرى للسيولة المالية .
ولا يمكننا ان نحصر جروح الاستنزاف المالي للسيولة الخليجية في مجالات محددة ، فحتى الادعاءات التاريخية وصناعة رأي عام موال لها قد أصبحت من بين الاستنزافات للسيولة الخليجية والتي ستدفع آجلا ام عاجلا الى الاقتطاع من الثروات الخاصة .
فمثلا ، هناك ما يطلق عليه بالذباب او الشبيحة الاليكترونية- قد تناولناها في مقالين سابقين – قد أصبحت فاتورتها ضخمة كذلك ، فهناك جيوشا اليكترونية تعمل على مدار الساعة تنشر الفتنة وتفرق بين الشعوب الخليجية مقابل الأموال، فمن دولة خليجية واحدة فقط يصدر منها (100) الف تغريدة يوميا – المصدر موقع بي بي سي عربي –
كما أن هناك الأفلام والمسلسلات التي تسحب حقوق تاريخية من دول ، وتنسبها لأخرى – ومسلسل المهلب ابن صفرة انموذجا – وهى بذلك لا تستنزف الأموال فقط بل مشاعر الود والمحبة بين الشعوب الخليجية ، أي أنها تصنع العداوات ، ولن نستبعد حصولها على الضوء الأخضر الأمريكي لأنه يساهم في تهيئة الظروف السيكولوجية لتحقيق الأجندات الجديدة .
وطبيعة المرحلة الراهنة لن تجعلنا نقصي أي احتمال ، لكن ينبغي أن ندخله من منظور استهداف الشعوب الخليجية ، وشغلها بقضاياها الخلافية الداخلية حتى يتم ابتزاز أموالها وثرواتها ، وتحقيق الاجندات السياسية الكبرى في المنطقة .
- دعوة لوقفة خليجية عاجلة مع الذات :
علينا مما تقدم نطرح مجموعة تساؤلات على هذه الأنظمة الخليجية ، أبرزها :
س: كيف تتصورون مستقبل دولكم ومجتمعاتكم اذا ما استمريتم في سياساتكم وتوجهاتكم الراهنة ؟
س: ما هي انعكاسات اهانات الرئيس ترامب المتتالية والمتوالية والمستفزة على البعد السيكولوجي لشعوبكم ، والتي قال فيها أن هذه الدول لن تظل أسبوع كاملا لو لا الحماية الامريكية ، وما تتبعها من تصريحات تمس كرامتنا الخليجية ؟
س: هل لنا ان نتخيل الشعور الشعبي الخليجي من تحويل ثرواته الى ترامب مقابل حرمانه منها في مثل هذه الأوقات العصيبة ؟
لن نجد خليجي واحد يقبل هذه الاهانات على أية دولة ، فكيف بشعوب هذه الدول ؟ فرغم كل ما يحصل عليه ترامب هذه الدول من مكاسب مالية ومواقف سياسية غير مسبوقة ، الا أنه يصر على توالي الاهانات إرضاء لشعبه , فكيف تقبل دولنا الخليجية ان تدفع له المليارات وتقبل في الوقت نفسه الاهانات ؟ لماذا لا تخشى من ردة فعل شعبها ولو مستقبلا ؟
فتراكم الاهانات من المبتز ترامب ، وتفريغ الصناديق السيادية الخليجية ، وامتصاص الشعوب الخليجية بالضرائب والرسوم ، وتفقيرها والعبث بدينها.. الخ كلها عوامل ستشكل المشهد السياسي المقبل في منطقتنا الخليجية ، وفي حينها هل ستنفع الحماية الامريكية لهذه الأنظمة ؟ تأملوا في تاريخ المنطقة الحديث حتى لا تراهنوا الوجود بالأجنبي .
- استشراف المشهد الخليجي الخليجي .
المسلم به ان تلكم الاستنزافات المالية الضخمة للسيولة الخليجية ، تربك الان الأنظمة الخليجية ، وستجبرها على خيار سحب ثروات خاصة من مالكيها ، ولا نتصور ان ابتزازات ترامب ستتخطى الثروة النفطية الخليجية – بعضها أو معظمها – إن لم يكن قد طالها فعلا ، وهذا الاستنتاج الأخير من وحي احدى تغريدات ترامب الأخيرة التي طالب فيها ” بثروة مطلقة ” من هذه الدول من اجل حمايتها ، والثروة المطلقة يمكن ان تنسحب دلالة ولفظا على النفط ؟
ومن ثم ليس أمام هذه الدول الخليجية من خيار سوى اقتطاع من الثروات الخاصة ، وتبني منظومة ضريبية متكاملة حتى لو مست بالتوازن السياسي للطبقات الاجتماعية الثلاث .. لذلك علينا هنا أن ندرك حجم الضغوطات الكبيرة التي تقف وراء تحول دور الدولة الخليجي من الدور الرعائي الى الدور الجبائي .
وهذا ما تسعى اليه الأجندات الأجنبية بصورة مباشرة ، وهو المساس ببنية الطبقات الاجتماعية في الخليج ، لإبطال تأثيراتها السياسية الخارجية ، وهذا سينتج لنا في المقابل مجتمعات خليجية جديدة ، ينبغي أن لا يغيب عن بالنا ان اغلب عناصرها سيكون من فئة الشباب ، وأنهم أي الشباب سيعيشون داخل محيط سيكون اغلبه من الوافدين في اختلال للتركيبة السكانية الخليجية ، عدديا ومكانة اقتصادية … فهل نستشرف من خلاله ملامح مستقبل المجتمعات الخليجية وعلاقتها مع سلطها السياسية من جهة وحجم التأثير السياسي للتركيبة السكانية المختلة من جهة ثانية ؟ وهل هناك رئيس امريكي غير ترامب يمكن أن يقود مثل هذه التحولات الكبرى في الخليج ؟ الجزء الثاني تتمه لهذا المقال .






