د.عبدالله باحجاج: أحد المنظرين لسياسة ترامب.. يكشف بعض الأوراق ويمرر سرًا (2)

عن الكاتب

د.عبدالله  باحجاج
د.عبدالله باحجاج

كاتب، وباحث، وصحفي عُماني

د.عبدالله باحجاج: أحد المنظرين لسياسة ترامب.. يكشف بعض الأوراق ويمرر سرًا (2)
د.عبدالله باحجاج: أحد المنظرين لسياسة ترامب.. يكشف بعض الأوراق ويمرر سرًا (2)

أثير- د.عبدالله باحجاج

هذا المقال هو تتمة لمقالنا أمس الذي استعرضنا فيه الإطار النظري لمحاضرة الخبير الأمريكي، وأوضحنا طبيعة القضايا الإقليمية التي ستتصدر اهتمامات الفريق السياسي الجديد لترامب ، ومواقف إدارة ترامب منها .

وقد كان التنبؤ بإعلان ترامب الانسحاب من الاتفاق النووي مع ايران – كما حدث ليلة أمس – أحد تأكيداتنا الصريحة التي جاهرنا بها أثناء مناقشاتنا مع هذا المنظر الأمريكي، ودللنا بالحجج والمنطق على حدوثه، من منطق معرفتنا البحثية العميقة بالثابت والمتغير في السياسة الأمريكية الخارجية عامة وفي حقبة ترامب خاصة.

وإعلان ترامب الانسحاب من الاتفاق النووي، والكشف عن قرب إصدار قرار آخر يعيد العقوبات الاقتصادية على إيران ، يرجح طروحاتنا في هذه النقاشات، ويعلي من شأن عمق علمية البحث في فهم السياسة الأمريكية الخارجية في عهدي الجمهوريين أو الديموقراطيين ، ويزكي المطالبات الكثيرة والمتعددة بضرورة إقامة مركز لدراسات السياسات الإقليمية والعالمية وانعكاساتها على الشأن العماني.
فمن الأهمية الوطنية أن يكون لدى صناع القرار في بلادنا معلومات أولا بأول عن ما يجري وما سيجري داخل محيطنا الجيوسياسي خاصة والعالمي عامة حتى يمكن لبلادنا من مواجهة تحدياتها في حينها .


وكما هو مخطط سابقا ، فسوف نركز في الجزء الثاني من المقال على ما دار من نقاشات ثنائية مع هذا المنظر الأمريكي في حضور نخبة تنتمي مؤسساتيا لقطاعات تعنى بالسياسة الخارجية الامريكية وتأثيراتها على بلادنا، مع ربط الانسحاب بالسر المسرب من هذا المنظر لترامب في محطته لمسقط .
• تصويب أطروحات المنظر الأمريكي لسياسة ترامب الخارجية.
بعيد الانتهاء من طرح مرئياته عن السياسة الخارجية الأمريكية في حقبة الرئيس ترامب – يمكن الرجوع للجزء الأول من هذا المقال – حرصنا على أن نكون السبق في النقاشات ، بهدف تصويب ما جاء في طروحاته من رؤى لا تنفذ الى جوهر المحددات والضوابط الحاكمة للسياسة الخارجية الأمريكية ، وطبيعة المتغيرات المتاحة للرئيس سواء كان جمهوريا أو ديمقراطيا .
وباعترافات هذا المنظر نفسه، فقد شكّلت محطة مسقط عنصر مفاجأة له، بخلاف محطاته الخليجية الأخرى، سواء من حيث شفافية النقاشات وصراحتها أو من حيث مواقفها من المسائل التي طرحها هذا المنظر الأمريكي .
• السياسة الخارجية الأمريكية في عهدي الجمهوريين والديموقراطيين .
الباحث في السياسة الخارجية الأمريكية سيلاحظ أنها محكومة دائمًا بثوابت بصرف النظر عن جود أي حزب أمريكي يتولى الرئاسة المتعاقبة في أمريكا ، سواء كان جمهوريا أو ديموقراطيا ، وسيجد الباحث كذلك أن المتغير يكون دائما في الآليات التي تنفذ الاستراتيجيات والسياسات الأمريكية ، وسيجد أن طبيعة الآليات التي يعتمدها الحزب الجمهوري هي ما يطلق عليها بالآليات الصلبة أو الخشنة ، وهي تتجلى في استخدام القوة العسكرية والعقوبات والتهديدات والخطابات المتشددة .. الخ بينما يتبنى الحزب الديمقراطي الآليات الناعمة التي التي تكمن في المفاوضات والديمقراطية وحقوق الإنسان ودعم الأقليات .. كوسيلة ضغط مرتفعة لتحقيق السياسة الأمريكية الخارجية .
وأفضل تطبيقات لهذين النموذجين ، الأول جورج بوش ” الاب والابن ” والثاني أوباما ، ولو تتبعنا الآليات التي يتبناها ترامب حتى قبل استلامه السلطة ، سنجد في شكلها وجوهرها آليات صلبة ، رغم ان هذا المنظر الأمريكي قد حاول إقناعنا بالليبرالية ترامب وانتمائه للمحافظين الجدد ، وهذا لا تسقط تلكم الحقيقة عن السياسة الخارجية الأمريكية ، بل تثبتها من منظور الممارسة العلمية لتنفيذ السياسة الأمريكية .
صحيح هناك هوامش كبيرة للمؤسسة الرئاسية الأمريكية سواء كانت جمهورية أو ديموقراطية في المنظورين معا – أي في الثابت والمتغير- ونجد ترامب الآن يعلب بهذه الهوامش ، ويستغلها لتنفيذ توجهاته ومعتقداته وأجندته الانتخابية الشعوبية ، أي إنه لا يزال حتى الان داخل هذه الهوامش ، وهذا يعني أن السياسة الخارجية الامريكية في حقبته ستكون محكومة بمعيار الصفقات التجارية والاقتصادية ، تحت ضغوطات الوعد والوعيد والترغيب والترهيب ، وإحراج الأنظمة مع شعوبها .
ولنا في تغريدات ترامب الأخيرة نموذجا ، فمثلا يقول في إحدى تغريداته ” … كم مستعدون للدفع ثمنًا لحفظهم من الانقراض الكلي ..ادفعوا الآن “وكذلك تغريدة ” أخبروا ( …) وغيرها بأننا نريد النفط مجانًا على مدى عشر سنوات مقبلة ، وإلا لن نحمي طائراتهم الخاصة .. ادفعوا ” وكذلك تغريدة ” ينبغي على ( …) أن تدفع مليارات كثيرة للولايات المتحدة مقابل دفاعنا عنهم ، بدوننا سيسقطون ” وكذلك ” نحن مستعدون لحماية ( … ) أمام إيران وآخرين عن طريق إرسال السفن الحربية ،كم سيدفعون لنا مقابل هذه الحماية ؟ ”
هل هذه الآليات ناعمة أم خشنة ؟ إنها تشكل ضغوطات عميقة جدا ، أقوى من الأسلحة الفتاكة ، أننا لو تأملنا فيها ، سنجد فعلا أن ترامب يلعب في منطقة الهوامش الرئاسية ، ومتغير آليات تنفيذ السياسة الخارجية الامريكية ، بأبشع صورها .
سنجد فيها كذلك – أي التغريدات – وسائل مبتكره جديدة ، وغير مسبوقة للآليات الخشنة مع الحلفاء ، فكيف مع الأعداء ، وهو هنا أي ترامب يدشن مرحلة سياسية قائمة على الابتزاز المالي وثروات الدول عبر تخويف الأنظمة وإهانتها .
وقد وجهنا للمنظر الأمريكي تساؤلات مهمة جدا ، تدور حول انعكاسات هذه الإهانات على شعوب هذه الأنظمة ؟ والى أي مدى إدارة ترامب مطمئنة على بقاء العلاقة قائمة بين الأنظمة وشعوبها في ظل استمرار مثل هذه الاهانات وفي ظل ابتزاز أموالها وثرواتها بوسائل مكشوفة تماما ؟
لا يمكن للعقل السياسي النظيف سوى الذهاب إلى اعتبار أن إثارة شعوب هذه الأنظمة يدخل ضمن استهدافات ترامب ، لماذا ؟ لشغل هذه الشعوب بقضايا داخلية كبيرة تصرفها عن الانشغال بقضاياها العربية والإسلامية الخارجية ، كما اشرنا الى ذلك في مقال سابق معنون باسم ” تحطيم القوة المالية والأيديولوجية لدول المواجهة الخليجية ”
لذلك ، لن نستغرب على ترامب وإداراته السياسية والعسكرية والأمنية ، من استخدم سلاح العقوبات وحتى القوة العسكرية في الملف الإيراني حتى دون الرجوع للكونجرس الأمريكي ، استغلالا للرخصة الممنوحة من الكونجرس للرئيس الأمريكي منذ حقبة بوش ، كما سيكون ممكنا استخدام العقوبات الاقتصادية المشددة على طهران أو اية دولة أخرى اذا لم تتناغم مع هوى ترامب في تنفيذ إستراتيجية وسياسات دولته التي بدأت عليها الشيخوخة مقابل تجديد شبابية دول قديمة كروسيا ، وبروز جيل جديد من القوى الصاعدة مثل الصين .
• انكشاف تمرير السر بشأن السلطنة .
كان علينا من الضروري إمعان الفكر فيما كشفه المنظر الأمريكي بشأن موقف ترامب وإدارته من السلطنة خاصة مما قاله هذا الخبير من ان السلطنة لا تحظى الان بتركيز كبير في واشنطن ، وان علاقاتها بإيران يساء فهمها من قبل ترامب وادارته ، رغم أن هذه العلاقات هي التي ساعدت واشنطن إبان الحكم الديمقراطي على نزع فتيل الكثير من الأزمات والصراعات في المنطقة ، وحل الكثير من القضايا الإنسانية يكون فيها أطراف أمريكية .
علما بأن هذه العلاقات هي نتاج لسياسة عمانية ثابتة، ومعروفة للكل ، ومحل تقديرهم ، بمعنى أنها ليست انحيازا ظرفيا لدولة ما ، وانما تشكل طهران وغيرها الكثير نماذج لتطبيقات منهج السلام وحسن الجوار مع كل الاشقاء والأصدقاء بصرف النظر عن خياراتهم السياسية والأيديولوجية .
من هنا علينا ان نبحث عن الأسباب التي تجعل من إدارة ترامب تتخذ هذا الموقف الشاذ جدا عن السلطنة ، وكذلك عن السبب الذي يجعل من هذا المنظر الأمريكي يلوح به أثناء زيارته لمسقط ، مما اعتبرناه كسر مسرب بقصد وصوله الى المعنيين بالأمر ؟
ولدواعي الإقناع بما وراء هذا السر المسرب من خلفيات سياسية دافعة له ، سنتناول هذا الموضوع من منظورين ، الأول ، تعارض أدوات تنفيذ سياسة ترامب الخارجية مع أدوات تنفيذ السياسة الخارجية العمانية ، والثاني ، شراء الموقف الأمريكي من السلطنة ، لأن كل من يريد موقفا أمريكيا أو توسعا جيوسياسيا ، فعليه أن يدفع لترامب ، هكذا يبدو المشهد لكبرى الدول العالمية .
فبالنسبة للمنظور الأول ، فمن المعروف أن إدارة جمهورية مثل إدارة ترامب ، تؤمن بالآليات الخشنة في تنفيذ السياسة الأمريكية ، وما إعلان انسحاب ترامب ليلة أمس من الاتفاق النووي مع إيران سوى أفضل مثال يقربنا لفكر ترامب وإدارته على عكس الأوروبيين الذين ورغم تسليمهم بحجم النواقص في الاتفاق النووي الا أنهم يرفضون الانسحاب منه ، ويفضلون إقناع طهران في الدخول في مفاوضات تكميلية لتبديد هواجسهم .
وفي نقاشنا مع هذا الخبير تنبأنا بهذا الانسحاب الأمريكي رغم أن هذا المنظر قد كرر أكثر من مرتين ” لا أحد يعرف موقف ترامب المقبل ” رغم تسليمه باتجاه إعطاء منحة زمنية قصيرة لفريق ترامب السياسي الجديد ، وقد قلتها صراحة ” إنني اعرف ماذا سيحدث غدا ؟ وهو الانسحاب والعقوبات ، مستندا في ذلك إلى الفهم العميق بالثابت والمتغير للسياسة الخارجية الامريكية عند الجمهوريين ، وبتأثير شخصية الرئيس على السياسة الخارجية الامريكية ، والصلاحيات الممنوحة له دستوريا .
وبالتالي لن يجد ترامب وإدارته في مسقط صديقا ، ولا آذانا صاغية لاستخدام الآليات الخشنة في حل المنازعات الدولية ، لذلك يمارس الفريق المكلف بالسياسة الخارجية لترامب ضغوطات كبيرة على مسقط الجارة لطهران ، ستفشل بطبيعة الحال ، لخبرات الدبلوماسية العمانية المتراكمة .
ولن نقصي أية احتمالية يكون وراء هذا الموقف الأمريكي إغراءات مالية من قبل قوى إقليمية ، هي على استعداد ان تدفع شيكا مفتوحا لتسيل به لعاب ترامب من أجل تحطيم الكبرياء العماني الذي يقف دائما شامخا مع الأشقاء والأصدقاء في محنهم ، ويعمل دائما على لملمة الشمل بين المتخاصمين والمتصارعين سواء على مستوى بين الدول أو بين الشعوب داخل الدولة الواحدة ، والتأثير على مساعي مسقط كطرف محايد ومساعد للتقريب بين وجهات نظر اليمنيين دون أية حساسية في انتماءاتهم السياسية والأيديولوجية ، يبدو لنا أنه يدخل ضمن حسابات تسريب السر كوسيلة ضغط تأثيرية .
فكشف السر من قبل هذا المنظر الأمريكي هدفه ممارسة الضغوطات على مسقط ، وقبل ساعات فقط من اعلان ترامب انسحاب بلاده من الاتفاق النووي ، ومما يرجح هذا الاحتمال كذلك ، ما قاله ترامب في مؤتمر صحفي ليلة أمس من ان العقوبات الاقتصادية ستشمل كل دولة تتعاون مع ايران .
ربما على مسقط أن تتكيف بذكاء على كيفية التعامل لمدة ثلاث سنوات مع رئيس وإدارة أمريكية مبتزة ، تربط تنفيذ سياستها الخارجية بمبدأ الصفقات التجارية والاقتصادية عبر استخدام الآليات الخشنة ، وبإطلاق أيادي فاعلين إقليميين ، يدفعون شيكات على بياض ، ومن ثروات الأجيال من أجل شراء مواقف هذه الإدارة الأمريكية التي استكملت بنياتها بعد تعيين مايك بومبيو كوزير للخارجية بعد عمل مديرا لوكالة الاستخبارات الامريكية ، جاء خلفا لتيلرسون ليس بسبب تغريدة كما قال المنظر الأمريكي ، وهذه كبرى المغالطات ، وانما بسبب خروجه عن خط ربط السياسة بالمنافع الاقتصادية ، وابتزاز الحلفاء ، وتفتيتهم من جهة ومحاول تمزيق وحدتهم الداخلية من جهة ثانية .
ربما علينا الان التوقف عن الاستمرارية في التحليل رغم وجود الكثير من القضايا المهمة ، نزولا عند رغبة القراء في الاختصار ، ورغم ذلك لم نفعل ، لأن ما نعرضه هنا ، ونتعرض له من رؤى واستشرافات لن تترك لنا خيار الاختصار














شارك هذا الخبر