د. عبدالله باحجاج يكتب: ماذا بعد مكونو؟ تأصيل دروسه وانكشافاته (2)

عن الكاتب

د.عبدالله  باحجاج
د.عبدالله باحجاج

كاتب، وباحث، وصحفي عُماني

د. عبدالله باحجاج يكتب: ماذا بعد مكونو؟ تأصيل دروسه وانكشافاته (2)
الإعلان عن إجازة للقطاع الخاص في ظفار

أثير- د/ عبدالله باحجاج

تنكشف لنا الآن بعد أن تجاوزنا محنة مكونو الكثير من الحقائق ، لعل أبرزها :
– أن لدينا قوة ناعمة ينبغي الرهان عليها دائما .
– وأن هذه القوة الناعمة تشكل المصدر الأساسي والتأسيسي لمتانة وصلابة لحمتنا الوطنية في كل الأنواء المناخية ، وما اعصار مكونو الا انكشاف تعزيزي لها .
– وهذا الانكشاف التعزيزي قد جاء في توقيته الزمني الملائم جدا ، ومن خلاله يعطي بلادنا رؤية لمواجهة أية تحديات سياسية مقبلة سواء داخلية أو خارجية ، ومهما كانت مستوياتها وخلفياتها .
• الخطوة التالية :
– الإسراع في رسم إستراتيجية لقوتنا الناعمة – سنخصص لها مقالا مقبلا – فهي لن تقل شأنا عن الاستراتيجيات الأمنية والعسكرية والاقتصادية .. لأننا نعتبرها هنا قوة بالمعنى الحقيقي ، صحيح هي ناعمة لأن مصادرها الثقافة والقيم والآداب التاريخ .. إلخ لكن تأثيرها أقوى من القوى الصلبة التي مصادرها القوة العسكرية والاقتصاد .. في عالم اليوم.
– وتأثير القوة الناعمة ، ليس محصورًا على بلادنا فقط بل لكل دولة تملك قوة ناعمة ، وبلادنا تنفرد عن غيرها ، ليس في البعد الحضاري والتاريخي ، وإنما في تجسيده كممارسة حياتية ، تضفي عليها المبادئ الإسلامية – مثل التضامن والتكاتف والتسامح والعيش المشترك – ميزة فارقة وخلاقة ، يستلهم منها العمانيون أنماط معيشتهم ، وحياتهم المعاصرة .
س : ما هو الدليل ؟
• نسيج اجتماعي متضامن بامتياز .
وهذا ما يعبر عنه بجلاء تكاتف وتضامن كل أبناء عمان مع أهل ظفار والوسطى ، بحيث يمكن التسليم بمدى رسوخ وتماسك كل أبناء المجتمع العماني وقت الأزمات ، فعندنا الآن نسيج اجتماعي متضامن ، يقف مع بعضه البعض في أصعب المواقف والمحن .
فوقف عملية التسجيل الإلكتروني للمتطوعين عند (6000) شاب متطوع من مختلف ولايات البلاد ، وكذلك توفير (25) شاحنة مساعدات من مختلف الولايات ، وقد وصلت قبل يومين قافلة من أهل قريات الى مرباط ، وأخرى من المقرر أن تصل من بدية .. هي دلائل نوعية تدلل بما لا يدع مجالا للشك على قوة اللحمة ووحدتها في اطار التلقائية المجتمعية التفاعلية غير المسيسة .
وتلكم ما هي الا مؤشرات ترسخ مبدأ التضامن والإخاء تحت راية اللحمة الوطنية الجامعة للفرد والجماعة ، والمستوعبة للخصوصية والتعددية الثقافية والمناطقية ، لكننا للأسف ، لم نديرها – أي تلكم المؤشرات – كما يجب حتى نظهرها للرأي العام في قلب الحدث ، وهذا قصور في الوعي الرسمي، ربما أنه- أي الوعي – لم يفكر خارج الصندوق .
ولو فكر خارجه ، لرأى أن استمرار معاناة انقطاع التيار الكهربائي والمياه والاتصالات عن ولايات مثل ضلكوت .. وما بين صعوبة واستحالة الوصول الى مناطق ظفار الشرقية والغربية ، ومعاناتهم ، تحتم متطوعين إضافيين لهم خبرة في الميدان ، والكثير من ولايات البلاد تتوفر عندها مثل هذه الخبرات بحكم الانواء المناخية السابقة .
ولو فكر خارجه ، لرأي مشهد حملة النظافة العامة للشواطئ والعيون والمرافق العمومية .. تحتمها إرسال متطوعين كذلك ، مما سيظهر تجليات اللحمة الوطنية في أسمى تجلياتها ، لكن ، يبدو انه لم يرفع رأسه من رقم الفاتورة المالية التي يستلزم دفعها لمتطلبات إيوائهم من جهة ولم يرفع رأسه من تقديراته للحاجة الميدانية من عدمها.
أي إن هناك قد غرق في الجوانب الفنية والتقنية للوجستيات أكثر من أن يترك لنفسه فرصة التفكير من خارج الصندوق ، وهذا قصور في الوعي الرسمي في استيعاب رسائل الولايات السياسية التلقائية التي تنطلق من مبدأ التضامن والإخاء تحت راية اللحمة الوطنية ، لذلك رأى أن الوعي السلطوي في العدد الكبير من المتطوعين سيشكل أعباء وضغوطات مالية ومكانية .
كان ينبغي تشكيل فريق من المتطوعين يمثل الولايات عوضا من المبادرات الفردية ، وعوضا عن التلويح بالاكتفاء الذاتي .. لترسيخ الرسائل السياسية التي تحتاج لها بلادنا الآن بالذات ، والتي لو دفعنا القليل من المال من أجلها ، لكانت بلادنا هي الرابح الأكبر ، لأنها ستستثمرها سياسيا .
ومع كل ذلك ، فإن تجليات قوتنا الناعمة كانت مثيرة ، وكانت تلقائية ، ويمكن أن نجدها في مقدمة خطوط مواجهتنا الأولى في أي وقت ، ويمكن أن نجدها في أية بقعة من بلادنا المترامية الأطراف حتى قبل ان تطلبها مجتمعاتها المحلية ، لأن لدينا مجتمعا يجمعه التضامن والتآزر، ويربطه مقدسات العيش المشترك – الوحدة الوطنية والترابية ، وحدة السلطة السياسية ، التسليم بحق الفرد والجماعة في المعتقد ، قدسية الأمن والاستقرار والسلم المجتمعي – .









• النخب والرموز .. في المجتمع المتضامن .
برزت النخب والرموز الفكرية والدينية في إعصار مكونو بصورة لافتة ، من خلال قيادتها لمعركة قلبية وحسية في آن واحد ، يمكن أن نطلق عليها ، بأنها معركة كسب القلوب في المجتمع المتضامن ، بدأت معركة قبل الإعصار من خلال اطلاق مجموعة دعوات تضرع لله عز وجل بأن يحفظ أهل ظفار والوسطى ، وتستمر حتى اللحظة في قيادة حملات أهلية من ولاياتها الى ظفار .
ومبادرات هذه النخب والرموز ، انصبت في بوتقة كسب القلوب ، بصرف النظر عن نتائجها المادية الملموسة ، وهذا النوع من المعارك لا يقل أهمية من اية معركة أخرى حقيقية ، كما أنها قد جاءت لتقوية بنيات المجتمع المتضامن ، وتعزيز اركانه .
فعندما تتبوأ هذه الكيانات المعنوية العامة التي تشكل مرجعيات في ولاياتها أو على مستوى عموم البلاد ، المشهد الوطني ، فعلى الفور ستجذب وسائل الاعلام والتواصل ، وستصل رسائلها المعنوية الى كل بيت عماني ، وبذلك تقود قاطرة الحمولة الديموغرافية – استهواء أو اقتداء – نحو المجتمع المتضامن .
من هنا ، نرى أن معركة كسب القلوب يجب ان تتعاظم ، وان تمارس بعقلانية في كل المناسبات وحتى دونها ، وحتى لو استحدثناها ، لدواعي كسب القلوب ، فمثلا ، لو درسنا التأثيرات السيكولوجية لتضرع سماحة الشيخ المفتي ، فسنجدها قد اخترقت كل الحواجز والموانع ، ووصلت إلى كل القلوب .



الخاتمة :
انتابتنا قبل التفكير في هذا المقال ، حالة تفكير شفافة بدون قيود ، وخالية تماما من آية تلبسات جسدية او مكانية قد تفقدها خاصية الرؤية والاستنتاج ، حاولنا تركها تغوص فيها بلا حدود ، لأننا في حالة تجليات وجدانية بل روحية تستشعر بما هو غير مرئي ، وتربطه بوقائع مرئية ، لتنتج منها حقائق عقلية ، تحتاج لتأطيرها لصناعة رأي عام بشأنها .
لأننا نحمل هاجس فقدان الإحساس بالفعل الفردي والجمعي ” الإيجابي ” الذي يظهر يتوالى مع أحداث إعصار مكونو ، ودوره الوطني في تعزيز قوة اللحمة الوطنية ، وهذا وارد في حالة إذا ما غرق الوعي العام في التداعيات الجسيمة للأنواء المناخية الاستثنائية أو لم يخرج من خارج تفكير الصندوق ، كما اشرنا الى ذلك سابقا .
وهنا حملنا مسؤولية صناعة وعي عام ، ونخبوي على وجه الخصوص بانعكاسات أفعال اجتماعية عامة وخاصة على متانة قوة لحمتنا الوطنية ، رغم ان هذه الأفعال كانت تلقائية ، ومبعثها الواجب ” القوة الناعمة ” الذي لا يسقط على الفرد والجماعة ، الا أن لها انعكاسات مباشرة على قوة لحمتنا الوطنية .
وقد عشنا أسمى تجلياتها في ذروة إعصار مكونو ، وقد كان مقال منشور في جريدة الرؤية يوم الاثنين الماضي معنون ” دروس مكونو .. وتوقيتاته السياسية والتنموية ” استنطاقنا بالشفافية شبه الكاملة لهذه الانعكاسات ، وقد ارتأينا استكمال بقية الشفافية ، وتقاطع رسائل إعصار مكونو مع إكراهات كانت تشغل ساحتنا الوطنية .
والشفافية الكاملة ، هي رسالة عاجلة متعددة الاتجاهات ، وهي أن متانة المجتمع المتضامن ، وتماسكه ، قد وصل الآن الى مرحلة لا يمكن تفرقته من الخارج ، استغلالا لثغرة ما أو تلويحا بوقائع من الماضي ، أو يخطط لتقسيمه وتشطيره من منافذ الخصوصية الثقافية أو المناطقية.. لكن هذا سيظل مرتبطا بوعي النخب والرموز الداخلية و “الحقيقية ” وتفاعلاتها مع إعصار مكونو وتبعاته ، دللت على المسؤولية الواعية الملقاة على عاتقها ، لذلك لن نخشى على مجتمع المتضامن .
ومع هذه الاطمئنان ، تظهر الحاجة الى القول صراحة بأننا ينبغي الانتقال من الشعور بقوة اللحمة الوطنية أثناء الازمات والمناسبات الى الشعور المستدام بها ، على المستويين الذهنية العمانية ، وذهنية الآخر ، وجعلها قوة مواجهة مسبقة ، بل وبديهية مفترضة ، لكلا الذهنيتين معا ، لكن ، كيف يمكن إحداث هذه النقلة المستدامة ؟ هذا موضوع المقال المقبل بمشيئة الله .




شارك هذا الخبر