د.رجب العويسي يكتب: هل ستعيد مدرسة الصيف توجيه المسار التعليمي للأجيال بطريقة أفضل؟

عن الكاتب

د. رجب  العويسي
د. رجب العويسي

‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏كاتب ومؤلف وباحث

د.رجب العويسي يكتب: هل ستعيد مدرسة الصيف توجيه المسار التعليمي للأجيال بطريقة أفضل؟
د.رجب العويسي يكتب: هل ستعيد مدرسة الصيف توجيه المسار التعليمي للأجيال بطريقة أفضل؟

د. رجب بن علي العويسي
رجب العويسي
خبير الدراسات الاجتماعية والتعليمية 
بمجلس الدولة

د.رجب العويسي يكتب: ممكنات البعد الوقائي في السياسات التعليمية، ماذا نفعل؟
د.رجب العويسي يكتب: ممكنات البعد الوقائي في السياسات التعليمية، ماذا نفعل؟

بمجلس الدولة

 

يطرح تناولنا للموضوع مع انتهاء العام الدراسي جملة من التساؤلات: هل ينتهي دور المدارس بمجرد انتهاء فترة دوام الطلبة، وهل صحيحا أن وجود المدرسة مرتبط بفترة زمنية معينة فقط؟، فإن الحديث عن المدارس والتطور الحاصل في طبيعة الدور الذي تؤديه في المجتمع يفرض فيها مسار الاستدامة والاستمرارية في تحقيق رسالتها، فأهداف التعليم تحتاج إلى مزيد من الوقت والتنوع في مراحل عملها لتظهر على سلوك المنتج والمخرجات التعليمية ، وفترة الصيف مدرسة حياتية تزخر بالكثير من المواقف والأحداث وترتبط بالعديد من القضايا التي تهم تعلم الطالب وبناء الأجيال، والتي تستدعي حضور المدرسة فيها باستمرار في اداء دورها، ومرحلة مهمة لتقييم طبيعة الدور ونواتجه على سلوك المتعلمين بما يضمن إعادة إنتاج وتوجيه المسار التعليمي بطريقة أخرى تتسم  بالابتكارية والتجديد والتنوع،  بالشكل الذي يتكيف مع طبيعة الصيف وما تحتاجه هذه الفترة من احترافية في قدرة التعليم على استيعاب متطلباته وتشخيص معطياته، وبناء منهجيات تؤسس لمعالجة التحديات التي تواجه الأجيال  وتستوعب الطاقات والمهارات التي تحتاج إلى متنفسّات داعمة لتعلم نشط يلازمهم في مسارهم القادم.

 
 
 

 وبالتالي فإن طبيعة احتياجات الطالب من الناحية الترويحية والمهارية واعداده للتعامل مع المواقف وبناء قدراته للتكيف معها، وتوجيهه إلى الاستثمار في الاجازة الصيفية عبر استغلال وقت الفراغ وبناء قدراته على ادارة مشروعه القادم، والافصاح عن مواهبه، وزيادة فرص التدريب على راس العمل، وتكوين الشراكات والاطلاع على التجارب، والوقوف على الممارسة المهنية في المصانع والشركات، تفرض مسارات تحول تصنعها مدرسة الصيف وتؤسسها في طريقة الممارسة التعليمية، ومعنى ذلك ان دور المدارس بمثابة حاضنات ابتكارية تستوعب معطيات مدرسة الصيف ومقومات نجاحها كداعم وميسر لبقاء مدرسة الصيف قادرة على  أداء مسؤولياتها وإبراز المواهب الطلابية بالشكل المأمول،  فتفتح المدارس صفوفها وقاعاتها التدريسية وملاعبها ومختبراتها العلمية وقاعاتها متعددة الاغراض لنمو مواهب الصيف ، لتشكلان معا لغة التكامل ومسار عمل واحد تلتقي خلاله خيارات الطلبة وملامح الطموح وشغف الريادة والتجديد لديهم في تمازج أهدافهما وتناغم فلسفة عملهما وتكامل خبراتهما وتقاسم مشتركهما الداعم لبناء صيف متعدد المواهب، متنوع المهارات مستوعب للقدرات، واعد بالكثير من المنجزات.

 
 
 

 ولمّا كانت وظيفة المدارس في حياة الأجيال ترتبط بمدى قدرتها على رفع سقف توقعاتهم وترقية جوانب الاهتمام والدوافع لديهم في الجوانب النفسية والتعليمية والاجتماعية والثقافية والفكرية والترويحية وبناء الشخصية وغيرها، فإنها في مجملها تستدعي قراءة أعمق لطبيعة الحالة الإنسانية في كل مراحلها، ليست العمرية فحسب، بل أيضا الحالة المزاجية المرتبطة بطبيعة الظروف المناخية والمؤثرات الطبيعية والمواسم الاجتماعية والدينية وغيرها التي يمكن أن تبني شكلا آخر للتعلم ووصفا جديدا يبقى في ذاكرة الأجيال وذكرياتها ومواقفها الجميلة التي عايشتها، وعندما تضع المدارس هذه المحددات في آلية عملها وطريقة تفاعلها مع واقعها واستشرافها لمستقبل الأجيال، إنما تبني فيهم موجهات للسلوك الراقي ومنطلقات للقيم والأخلاق والذوق الرفيع، فتتولد لديهم مهارات متجددة تكسبها لهم مدرسة الصيف وترعاها وتحفظ تواجدها المدارس عبر توظيف هذا الرصيد الناتج ليكون دليلا للمتعلم ودافعا له في ترقية جانب التعلم لديه، وتغيير قناعاته حول مفهوم التعليم ودور المدرسة والمنهج والنشاط إذ يجد فيها مساحات أكبر لقراءة التعليم في ثوب الابتكارية والتجديد ومساحات العطاء والتعبير عن الذات، وبهذا تضعهم مدرسة الصيف في جاهزية تامة واستعدادات للتكيف مع فترة غيابهم عن المدارس في الصيف، فإن التربية المدرسية الصيفية القادرة على ترسيخ مفاهيم الترويح والذوق والجمال والاستكشاف والتطوع والتصرف وحكمة التعامل مع المواقف وتعزز في ذات المتعلم الثقة بالنفس وحسن الاختيار واتخاذ القرار وابداء الرأي والدفاع عن المبدأ الصحيح، سوف تشكل قيمة مضافة للأجيال تدفعهم لإنجاز أفضل في مسارهم القادم.

 
 

 إنّ مدرسة الصيف بذلك ليست بديلا عن المدارس ولا تقدم وصفات سحرية لم تستطع المدارس  تحقيقها في بقية أيام العام؛  بل هي استمرار للمهمة ولكن بطريقة أكثر عمقا ومهنية وابتكارية وتقنينا وتركيزا على النتائج مع وضوح في الإعداد والصياغة وتنوع البدائل، مرتبطة بتشخيص احتياجات الأجيال في الصيف وما يحيط بوجودهم في هذه الفترة من  فرص وتحديات ومقومات نجاح وتهديدات، بما تتخذه في أجندة عملها من استراتيجيات تعليم وتعلم وتوعية وتثقيف وتطوير وتدريب وصقل للموهبة وبناء للذات، ترقى بأفكارهم وتعزز دوافعهم وتصحّح ما علق في أذهانهم من مفاهيم ومصطلحات سلبية عن التعليم، فتجدد فيهم الدافعية نحوه بطريقة تفوق حالة الرتابة والروتين وترسخ فيهم قناعات متجددة في نوع مدرسة الحياة التي يحتاجون، والعمق الفكري والنفسي الذي تحققه في بناء شخصية الأجيال بما يؤسس لمهنية الممارسة ومصداقية الاداء ووضوح مسارات العمل، في مواجهة حالات القلق والاضطراب الفكري والتشويه المعرفي والتناقضات الحاصلة في عالمنا المعاصر والصناعة المشوّهة للدين والأخلاق في ثقافة الفئات المتشددة، وتصبح وظيفة مدرسة الصيف إعادة هندسة لأجندة المدارس ومدى قدرتها على صياغة لحن التأثير في سلوكيات المتعلمين، وتقييم لنواتجها وما قدمته للأجيال وما استطاعت ترسيخه في الفكر والوجدان.

 
 

 

 

شارك هذا الخبر