د. رجب بن علي العويسي – خبير الدراسات الاجتماعية والتعليمية
في مجلس الدولة
في مجلس الدولة
في مجلس الدولة
يشكل التعليم والاعلام في ظل طبيعة الرسالة التي يؤديانها وارتباطهما بالبعد الإنساني والتنموي ركيزة استراتيجية في بناء الفكر وصناعة السلوك والعمل من أجل الوطن والإنسان في مواجهة حالات الإقصاء والتشوية للفكر الراقي وبرامج التنمية المستدامة، واندماجهما وتكاملهما وتناغم مسارات اللقاء والتواصل بينهما، فرصة لتقوية المشترك القيمي والأخلاقي، واستنهاض الرصيد الإنساني المغيّب بما اكتسبته أيدي الناس وأوجدته من مسببات التباين والاختلاف وضعف مساحات الالتقاء مع توفر عناصرها وكفاءة آليات عملهما، فمعركة قيم التنمية وأخلاقياتها اليوم، نتاج لفجوة التباعد وزيادة مساحة التباين بين التعليم والاعلام، وتقوية الاندماج بينهما عبر الاستفادة من المشتركات الإنسانية والاخلاقية والمهنية، الطريق الأنسب لانتصار قيم التنمية ونهضة وعي الانسان في مواجهة الاستهلاك والاستنزاف الفكري والثقافي وحالات التشويه للهوية الحضارية وتهميشها وإبعادها عن واقع حياة الشباب وإقصاء واقعه عن كل ضوابط المسؤولية وقوانين العدالة ومساحات الرقي الفكري والعاطفي والاجتماعي، فالتحديات المرتبطة بالبناء الفكري وقناعات الفرد حول نفسه والعالم، ونظرته للحياة والأوطان والإنسان، في ظل ما يبرزه العالم من تناقضات فكرية ومساوئ اخلاقية ونظره سطحية قابعة في حب الأنا والمصالح الشخصية يقابلها سياسة الكيل بمكيالين وفصل القيم والأخلاق عن سياسات العالم وعلاقات الثقة بين دوله وشعوبه.
في ظل هذا العالم المضطرب المشحون بالتحديات والتناقضات كما هو مغبون بالطموحات والآمال والتوقعات، يأتي دور التعليم والاعلام كإطار لنشر معادلة التوازن في البناء الفكري وتعزيز الاخلاق وترسيخ المفاهيم الإنسانية النبيلة، بما يمتلكانه من مساحات التعلم والتطوير وفرص النمو في هذه القيم والمبادئ وتوفير البيئة القادرة على نهضتها وتشكيل شخصية الانسان الواعي بما تعنيه له من موجهات عمل يعزز فيها دوره ويبني فيها مسارات حياته، وبالتالي بات على التعليم والاعلام بناء استراتيجيات عمل مشتركة في تجاوز هذه التحديات وتأثيرها على فكر الانسان وعرقلة مسار تقدمه بما يبنيه في شخصيته من دوافع الارادة والحس الذاتي وقوة الضمير وسلوك الاتزان والثبات على المبادئ وتجنيبه الانسحاب السلبي، والاكثار من البحث عن الادلة والشواهد وخلق التجديد في اليات العمل وأساليب البحث، إذ هي ممكنات للشعور الايجابي والفكر المستنير نحو مواصلة مقارعة التحدي عبر الحضور الفكري والاخلاقي والمهني، فمع ما يشاهده الإنسان المعاصر بمختلف فئاته من تناقضات في الممارسة وازدواجيه في العمل وتهّور في السلوك في ظل قراءة المسألة من زاوية السياسة الدولية والتعامل مع الملفات الاقليمية وحالة الفوضى والتدخلات القسرية وتشويه الصورة الايجابية للأوطان والقيادات التي تمر بها المنطقة العربية، عبر شاشات الاعلام المسيّسة والفضائيات والقنوات الاعلامية المبتذلة؛ فإن مشهد الصورة القاتم الذي تبديه الفضائيات الاعلامية وحالة الفبركة الاعلامية وضعف شواهد المصداقية في المشاهد، لن يكون لها ذلك التأثير السلبي على حياة الانسان والمواطن الواعي الذي يجد في دور التعليم عالي الجودة منطلقا لقراءة المشهد من جديد وتحليله ودراسته في ظل تأصيل منهجي للبناء الفكري الايجابي وترسيخ فاعل لقيم العمل والانتاجية في بناء الانسان وصناعته وتحقيق التنمية، فيصبح التعليم بأدواته ووسائله وأساليبه ومناهجه وطرائقه ومعاهده ومدارسه وجامعاته ركيزة لصناعة الفكر الرصين والمعرفة الحقة وتأسيس أنموذج عملي للإنسان القادر على التعامل مع معطيات الواقع وإعادة انتاجه بصورة تضمن له التفوق والتميز والتمايز المبني على المصداقية والموضوعية.
ويبقى تكامل التعليم والاعلام قوة في وجه اللغط الفكري والتشويه للتأريخ والحضارة وخصوصيات الشعوب وهويتها وإنقاذا لما يمكن إنقاذه في هذا العالم من حالة الرعونة السياسية والحماقات التي تدير سياسات العالم بطريقة همجية وأسلوب غوغائي يستهدف إشاعة الفتنة ونشر الرعب والتأثير في استقرار الشعوب والاوطان، وبالتالي فرص الاندماج المنتظرة على حياة الشعوب والمجتمعات وانعكاساتها على السياسات والتوجهات الوطنية والإقليمية والعالمية على حد سواء، فتتحقق بذلك مساعيه لإعادة قراءة واقعه بطريقة أكثر ارتباطا بالقيم والاخلاق ونشر مساحات السلام والتنمية والحب والوئام والتعايش والمودة بين البشر، فإننا نرقب اليوم في أولوية هذا الانسجام بين مبادئ التعليم والاعلام وتقارب سياساتهما والاستفادة من المشترك الاخلاقي الذي يجمعهما في رسالة السلام والتعايش والوئام والتنمية وبناء الفكر الايجابي وترقية السلوك من الشوائب والمشوهات والاشاعات، وتزويد الانسان بمعززات ايجابية في ثقافته وفكره ونهضة الوعي لديه، مدخل لتلاشي التناقضات وفرصة لتقوية المشتركات بما ينعكس على جودة المحتوى المعرفي وتوازنه وانتقائه وانتفاء كل المشوهات السلبية عنه ، ووسيلة الحصول على المعرفة وطريقة تدريس القيم وإيصال الأخلاق وصناعة النماذج الحياتية الواعدة.
لن تطول التناقضات ولن يستمر هذا الاعتداء على أمن الإنسان واستقرار الأوطان، ما دامت روح التناغم موجودة ومسارات التقارب تبحث عن كل ما من شأنه زيادة مساحات الالتقاء بين التعليم والاعلام، فإننا نراهن على تحقيق هذا التكامل عبر زيادة الشراكات الفعلية بين التعليم والاعلام التي تصل لتعميق المبادرات والموجهات والسياسات والمشتركات على مستوى البناء الفكري للإنسان ورصانة الثقافة ومصادر المعرفة وبناء معايير الاداء الناجح وصناعة الهوية وحضور المسار الاخلاقي في الرسالة التعليمية والاعلامية وبناء معايير للعمل المشترك تقيس أرصدة ونماذج الأداء والنجاحات المتحققة منها ، لن نكتفي في ضمان فاعلية العلاقة بين التعليم والاعلام بمذكرات التفاهم أو بتطوير الاعلام التعليمي ورفع سقف تمثيله بالمؤسسات ليتبع رئيس الوحدة، أو بزيادة المساحة التي تمنحها منصات الاعلام في التعريف بالمنجز التعليمي ومشاركته في نقل صورة التعليم ورسالة المعلم، بل بالدخول في عمق القضية وفهم ما يريده الاعلام من التعليم بكل مستوياته ومراحله، وما يريده التعليم من الاعلام والاتفاق على مسار عمل مشترك لوقف الهجمات المرتدة وسد منابعها وتقليل خطرها على التنمية والإنسان فإن في أحداث العالم وما وصل إليه الحال يتطلب تدخلا يضمن فيه التعليم والاعلام الامساك بزمام حلقاته لتسير قافلة التنمية موجهة لصالح الإنسان واستحقاقات التكريم، فهل سنشهد تحولات قادمة ونماذج متقدمة يصنعها التعليم والاعلام العالميين في تغيير وجه العالم المشوّه بممارساتنا المبتذلة وسياساتنا الهمجية التي لا تحترم العقول الواعية ولا ترعوي للعبر والشواهد الحيّة وما فعلته في الأوطان وبني الإنسان؟






