د.رجب العويسي يكتب: هل أصبح ملف الباحثين عن عمل في التخصصات التربوية معادلة صعبة؟

عن الكاتب

د. رجب  العويسي
د. رجب العويسي

‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏كاتب ومؤلف وباحث

د.رجب العويسي يكتب: هل أصبح ملف الباحثين عن عمل في التخصصات التربوية معادلة صعبة؟
د.رجب العويسي يكتب: هل أصبح ملف الباحثين عن عمل في التخصصات التربوية معادلة صعبة؟

د. رجب بن علي العويسي- خبير الدراسات الاجتماعية والتعليمية في مجلس الدولة

يطرح توجه وزارة التربية والتعليم نحو استقدام معلمين بالتدريس في مدارسها من الدول الشقيقة والصديقة نقاشات مستفيضة وحوارات واسعة في أوساط مخرجات التعليم العالي من التخصصات التربوية والمتابعين لملف الباحثين عن عمل وأولياء الأمور، والأثر المترتب على الزيادة المضطردة  للمعلمين غير العمانيين  في السنوات الأخيرة وانعكاساتها على الجهود الساعية نحو جودة التعليم  وتعزيز فرص أكبر للتنافسية التعليمية،  وبناء منظومة أوسع  لتقييم الكادر التعليمي عبر جودة المعلم والرخص التعليمية وتوظيف نظام المؤشرات التربوية ، بما تتطلبه هذه المعطيات على الساحة التعليمية من حضور الكفاءة الوطنية والإبقاء على حيويتها ونشاطها المستمر والدفع بها نحو تحقيق التميز وبناء  مسارات أكثر تقنينا وضبطية تسهم في تعزيز الثقة  في التعليم كمنظومة  وطنية حتى لا تجد المخرجات نفسها في حلقة مفرغة تغرد خارج سرب الوظيفة في قائمة طوابير غير منتهية من الخريجين ، وشعورها بتدني استجابة التعليم كممارسة لقبول الكفاءة والخبرة الوطنية، في حين أنها تمثل مخرجات لمؤسسات وطنية تحظى بالتقدير والاعتراف الحكومي والشعبي كجامعة السلطان قابوس وكليات العلوم التطبيقية وكلية التربية بوزارة التعليم العالي وكليات العلوم الإنسانية والاجتماعية بالجامعات الوطنية الخاصة، ولها خصوصيتها في إعداد الممارسين للتعليم بما يتناسب وفلسفة التعليم.

على أن المؤشرات الاحصائية لأعداد المعلمين غير العمانيين تستدعي قراءة معمقة للملف تأخذ في الاعتبار كل المعطيات المستجدة على الساحة العمانية التعليمية والاجتماعية والأمنية على حد سواء، وما يثيره تزايد هذه المخرجات من أثر على برامج التنمية الوطنية وأهمية إدماجها في خطط المؤسسات  وإيجاد البدائل والحلول المناسبة التي تضعها أمام مسار مهني عليها أن تثبت كفاءتها في التعامل معه ، حيث تشير إحصائيات المركز الوطني للإحصاء والمعلومات إلى ان إجمالي عدد المعلمين في المدارس الحكومية بالسلطنة في العام الدراسي 2016/ 2017 بلغت (  56.614  ) معلما ومعلمة، بنسبة زيادة بلغت 403 معلما ومعلمة عن العام الدراسي 2014/ 2015، و28 معلما ومعلمة عن العام الدراسي 2015/ 2016، وهي زيادة بدت وثيقة الصلة بالحالة المالية للدولة وجهود تقليل حجم الانفاق وتقنين موارد الصرف المالي، كما تشير احصائيات وزارة التربية والتعليم في العام 2016/ 2017 إلى أن اجمالي المعلمين العمانيين  بلغ 47.36 معلما ومعلمة، وبلغ عدد المعلمين  بالمدارس الحكومية من غير العمانيين  في العام الدراسي 2015/ 2016 (9976) وفي العام الدراسي 2016/ 2017  (9392) بانخفاض  بلغ (584)، موزعين بالترتيب في الأعوام 2015/ 2016- 2016/ 2017 على مدارس الحلقة الأولى (1318-  1418 ) ،  ومدارس الحلقة الثانية (4005-  1803 ) والمدارس المستمرة(3696-  5199 )  ومدارس الصفوف 10-12 ( 621-  729)، ومدارس الصفوف 11-12 ( 336-  243) ، مع ما يلاحظ أيضا من انخفاض  في اعدادها  في مدارس الحلقة الثانية  ومدارس الصفوف 11-12 ، في حين زيادة الاعداد في المدارس المستمرة ومدارس الصفوف 10-12 ، على ان الزيادة في أعداد المعلمين غير العمانيين لا تقتصر على مناطق بعينها نظرا للبعد الجغرافي والاتساع الحاصل بين المدارس بما يتوافق مع رغبة المعلم العماني وحاجته إلى الانتقال إلى ولايته أو مكان سكنه، فمثلا احتلت محافظة ظفار المرتبة الأولى بواقع( 2991-  2767)، وهي من المحافظات التي تشهد حالة من اللا استقرار في الهيئات التدريسية بها، وكذلك محافظة الوسطى( 724- 675) ، وتشير الاحصائيات أيضا إلى دخول محافظات أخرى في القائمة وهي تعتبر من المحافظات التي تشهد كثافة  في أعداد المخرجات التعليمية من أبناء ولاياتها ، أو تشهد رغبة كبيرة من المعلم المواطن في التدريس بها ومع ذلك تزيد أعداد غير العمانيين بها، وهو ما يستدعي المزيد من الضبطية وإعادة  النظر في الآليات المعمول بها في استقدام غير العمانيين ، وإعطاء الأولوية لتوظيف الباحثين عن العمل  العمانيين في تخصصات الاحتياج، كما هو الحال في محافظة الداخلية ( 1357- 1311)، ثم محافظة مسقط (1223- 1301) تليها شمال الشرقية (1128- 1054)، بالرغم من أن الاحصائيات  تشير إلى وجود انخفاض في اعداد غير العمانيين  في العام الدراسي 12016/ 2017 عن العام السابق له كما هو في أغلب المحافظات، إلا أنها تشهد ارتفاعا لها في محافظة مسقط.

ومع التأكيد على أن عمليات الارتفاع والانخفاض تحكمها جملة من العوامل والمتغيرات المرتبطة بالتشعيب والخطط الدراسية وزيادة عدد الطلبة وافتتاح مدارس جديدة أو عوامل أخرى نوعية تتعلق بالطبيعة الجغرافية وعمليات التنقل وحالة الاستقرار من عدمه للكادر التعليمي بالمدارس في المحافظات التي تمثل محطة عبور لمرحلة استقرار قادمة للمعلمين العمانيين، إلا أنها لا ينبغي أن تضع مبررا لوزارة التربية والتعليم لاستقدام غير العمانيين في التخصصات المشبّعة بالمخرجات  والتي يكون المسوّغ فيها ناتج عن عدم استيفاء  المخرجات لشروط الالتحاق باجتياز الاختبار التحريري بجامعة السلطان قابوس بالدرجة 60 للمواد العلمية والإنسانية، والدرجة 50 لمواد المهارات الفردية، بما يؤكد أهمية النظر في اعتبارات أخرى وبدائل متعددة  تحد من استقدام المعلمين غير العمانيين، إذا ما نظرنا إلى أن أغلب الاعارات في المجال الأول والثاني والقليل منها في مواد التخصص، وبالتالي فإن بناء مسارات وطنية واضحة في التعامل مع هذا الملف باتت علامة فارقة على كفاءة الجهود وفاعلية النُهُج المستخدمة في تحقيق انفراج نوعي في الموضوع، ويبقى دور مجلس التعليم الموقر وبالتنسيق مع وزارة التربية والتعليم ووزارة التعليم العالي وجامعة السلطان قابوس في خلق المواءمة بين التخصصات التربوية والاحتياج التعليمي لها في المدارس،  وإعادة هندسة هذه التخصصات وفق مسارات واضحة واليات مقننة وأدوات مفهومة مع التركيز على إيجاد  بدائل للمخرجات المنتظرة للدور وبناء أطر تصحيحية لبعض التخصصات التربوية ومعادلة بعضها  الآخر.

 من هنا فإن استراتيجية العمل القادمة ينبغي أن تتجه نحو استيعاب المواطن في التخصصات التربوية وإعداده للتعاطي الواعي مع التوجهات القادمة في التعليم، وتبني إطارا وطنيا يرعاه مجلس التعليم في الحد من استقدام المعلمين من خارج السلطنة، والتركيز على توظيف الخبرة الوطنية الجادة التي تمتلك حس الرغبة والمهنية  في التدريس، مع زيادة جرعات التثقيف والتدريب والتوعية بما يضمن نموا مستمرا لمهاراتها التدريسية ، وفتح المجال لهذه المخرجات بالممارسة الفعلية للتخصص في المدارس، وفق أنظمة مقننة للتقييم والمتابعة والرصد والتدريب لهذه المخرجات بما يضمن تحقق الدافعية والمهارة التدريسية لديها وامتلاكها مهارات التعامل مع المواقف وحل المشكلات واستخدام طرائق التدريس والتنويع في اليات العمل والصحة النفسية والفكرية التي يتمتع بها المعلم قيد التجربة، إذ من شأن ذلك  إيجاد  تحول في مسار المعالجة وبناء التشريعات المعززة  لتأسيس “كادر المعلمين” كمدخل لمنح المعلم  رسميا رخصة مهنة التدريس.

وعليه فإن من شأن هذه الموجهات رفع سقف توقعات وزارة التربية والتعليم في نوعية المعلمين الداخلين في المدارس، وإشراك المواطن في التعامل الواعي  مع عقدة الانا ومسوغات البعد الأسري والتدخلات الاجتماعية المربكة لاستقرار الكادر التدريسي، والتي باتت تشّوه مسار هذا الملف وتبرّر لمثل هذه التوجهات ، فهل ستصبح مسألة التعامل مع الملف معادلة صعبة تغرد بدائلها خارج سرب المواطن متجاوزة حدود الوطن؟

شارك هذا الخبر