د.عبدالله باحجاج يكتب: الحرب الوجودية الجديدة في الخليج، والرهان مجددا على مسقط  في نزع فتيلها، فهل ستكون طهران ذكية ؟

عن الكاتب

د.عبدالله  باحجاج
د.عبدالله باحجاج

كاتب، وباحث، وصحفي عُماني

د.عبدالله باحجاج يكتب: الحرب الوجودية الجديدة في الخليج، والرهان مجددا على مسقط  في نزع فتيلها، فهل ستكون طهران ذكية ؟
د.عبدالله باحجاج يكتب: الحرب الوجودية الجديدة في الخليج، والرهان مجددا على مسقط  في نزع فتيلها، فهل ستكون طهران ذكية ؟
د.عبدالله باحجاج يكتب: قضية المضابي في ظفار ..تفتح ملف دور المجلس البلدي ، وإشكالات تحجيمه في ضوء آخر انكشافاتها
د.عبدالله باحجاج يكتب: قضية المضابي في ظفار ..تفتح ملف دور المجلس البلدي ، وإشكالات تحجيمه في ضوء آخر انكشافاتها

تعرف منطقتنا الخليجية تحولات جذرية في المفاهيم والمبادئ السياسية منذ الأزمة الخليجية الخليجية التي اندلعت في يونيو عام 2017، مما يجعلنا نتساءل هنا عن الوعي بها ، ومستوياته ودرجاته ؟ وكذلك انعكاساته على بعض دول المنطقة خاصة ، وعلى المنطقة عامة ؟ وفي اية سياقات ينبغي ان نضع لقاء معالي الوزير المسؤول عن الشؤون الخارجية مع وزير الخارجية الإيراني في صلالة مؤخرا ؟ وهو لقاء يأتي قبل يومين من تطبيق الحظر الأمريكي على  النفط الإيراني والمقرر اليوم الأربعاء .

ابرز ما نرصده في هذه التحولات الجديدة ، تحولان أساسيان ، يشكلان بمثابة ثورة في السياسة الخليجية للدول المتناغمة مع ترامب وإدارته التي تقود أمريكا الى التقوقع الكوني عبر استعداء الحلفاء والأعداء من منطق مبدأ ” أمريكا أولا ” على عكس الصين التي ترفع شعارا مناقضا ، وهو ” النفع المشترك لكل الحلفاء معها “

• التحولات بمثابة ثورة على الجغرافيا الإقليمية .

يشكل مجرد التفكير فيها ، خطا احمر على النخب السياسية في الخليج ، فكيف بالسعي الى تطبيقها ؟ وكيف بالتحالف مع ترامب وتزويده بالأموال ، ووضع وسائلها وأدواتها تحت تصرف إدارته لتنفيذها ؟
المثير في هذه التحولات الكبرى ، انتقال الوعي الخليجي المتناغم مع ترامب من التسليم بوجودية النظام الآخر رغم الخلاف معه داخل الجغرافيا الخليجية المتناقضة ، بعربها وفرسها ، الى تغيير نظامه السياسي،  وهذه حالة اللاوعي بهذا التحول ، وسيكون لها ارتدادات عكسية  بل على المنطقة كلها ، ومبرر الأنظمة الخليجية المتناغمة مع ترامب ان النظام الإيراني قد اصبح من المستحيلات انصهاره في النظامين الإقليمي والعالمي ، من هنا تجمع القناعتان الامريكية وتلكم الأنظمة على ضرورة السعي الى تغيير النظام الإيراني من الداخل ومن خلال الخناق الاقتصادي.


وقد شهدنا تطبيقات هذا التحول على الحالة القطرية ، وماذا كانت النتيجة ؟ ما يمكننا القول عنه صراحة بأنه أوصل مجلس التعاون الخليجي الى حالة الجمود والشلل الكامل ،  انتظارا لقادة جدد قد يخرجونه من ركام هذه التداعيات ، بفكر جديد ، وتاريخ سياسي نظيف ، وما عدا ذلك ، فالدوحة تبتعد عن المنظومة الخليجية لعقود مقبلة ، وترسخ تحالفات إقليمية عميقة من خارج جسدها وروحها الخليجي الطبيعي ؟

لماذا ؟ لأنهم قد ادخلوها في تهديدات وجودية عالية المستوى ، ومن يكون في عنق الزجاجة ، يحق له الحفاظ على شرعية وجوده ، بكل الوسائل الممكنة ، والمتاحة ، لأنه ليس امامه من خيار سوى الحفاظ على وجوده .

ولم تقتصر التداعيات على الدوحة فقط ، وإنما مست كذلك الإطار الفكري والسياسي للمنظومة الخليجية ، وأرجعت القناعات السياسية الى مرحلة ما قبل السبعين وعقبها مباشرة ، عندما كان الشك والريبة ، بل والقلق بين الدول الست هو السائد ، خاصة عندما كانت قضية ابتلاع الكبير للصغر ، هي الهاجس الأكبر المسيطر على علاقاتها .

ورصدنا كنتيجة لهذه التداعيات الفكرية والسياسية الإقليمية ، اتجاه السلطنة نحو الصين ، وإبرامها شراكة استراتيجية شمولية ، بمعنى سياسية واقتصادية وثقافية ،  فماذا يعني ذلك ؟ سنتركها للعقل الجمعي الخليجي أن يستشف دلالاتها وأبعادها رغم أنها لن تحتاج لعقول نادرة .

• الدور على طهران بعد الدوحة .

والآن يمتد التحول ليشمل إيران بعد قطر ، وبصورة أكثر حدة ، وانكشافا في الهدف ووسائل تحقيقه ، وكيفيات بلورته  ؟ فما مدى انعكاسات هذا التحول على الدول المتحولة نفسها ؟ وهل تعتقد أنها ستكون في منأى عن الامتدادات من جراء ردة فعل الآخر ؟ وكذلك على المنطقة بأكملها ؟

وهنا نجد خطأ تاريخيا قد وقعت فيه الدول الخليجية المتناغمة مع ترامب ، من منظورين هما ، التحول من حالة التعايش مع النظام الإيراني رغم الخلاف الاستراتيجي معه الى تغييره اعتمادا على ترامب ، والآخر الجهر بهذا الهدف ، فالكثير من النخب السياسية المحسوبة على هذه الأنظمة ،  قد جاهرت صراحة باستهداف تغيير النظام في طهران ، بل وباقامة كردستان الكبرى باقتلاع أراض من ايران والعراق وتركيا .. وماذا ينبغي التوقع من النظام الإيراني ان يفعله للحفاظ على وجوديته السياسية ووحدة أراضيه ؟

لا يمكن استبعاد اية تهديدات محتملة من قبل إيران ،  لأن الحديث هنا عن حروب وجودية مهما كانت أدواتها ، اقتصادية أم عسكرية أو اجتماعية وثقافية أو جميعها ، فمن يهدد بوجودية كيان .. وعلانية ، هل سينتظر حتى ينفذ المهدد تهديداته ؟ من هنا نقول بأن الوعي الخليجي المتناغم مع ترامب ، قد وقع في كبرى أخطائه الاستراتيجية في التعايش الجغرافي الإقليمي مع الدوحة سابقا وطهران حاليا .

• أولى خطوات الحرب الوجودية.

تتمثل هذه الخطوة ، في قرار إدارة ترامب يوم الأربعاء الماضي مقاطعة النفط الإيراني ابتداء من اليوم الأربعاء الرابع من شهر يوليو الحالي ، وحذرت الإدارة الامريكية كل الدول من استمرارية التعامل مع طهران ، وهددتهم بمقاطعة أمريكية قوية ، وأكدت انها لن تستثني اية دولة من قرار حظر النفط الإيراني .

وأمرت الدول الخليجية النفطية المتناغمة معها على تغطية النقص في المعروض ، مما اعتبرتها طهران – أي الاستجابة الخليجية – بمثابة خيانة عظمى لها ، جاء هذا الموقف على لسان النائب الأول للرئيس الإيراني الذي حذر كل دولة تزيد من صادراتها النفطية بأنها ستدفع الثمن لاحقا ، ويعد ذلك انتزاعا لحصة بلاده في السوق النفطية .

ولنا تصور التداعيات لو نجحت مقاطعة النفط الإيراني ، لكن هل ستظل طهران مكتوفة الأيدي حتى تحدث المقاطعة مفاعيلها الوجودية على نظامها ؟ لذلك يمكن القول بأن وتيرة الاحتقان داخل المنطقة الخليجية قد وصل الى مستوياته العليا فبداية الحرب النفطية ضد طهران قد بدأت شرارتها اليوم الأربعاء ، وهي خطوة قد اتخذتها الإدارة الامريكية في ظل الاحتجاجات الداخلية التي تشهدها إيران ، ومن أبرزها إضراب منطقة البازار الحساسة جدا التي تشكل المشهد السياسي في ايران قديما وحديثا .

وهذا يكشف لنا ماهية الرهان الأمريكي والخليجي المتناغم معه ، فهو يركز على تفعيل الحراك الداخلي لتغيير النظام عبر الخناق الاقتصادي والنفطي على وجه الخصوص ، فما هي الخيارات الإيرانية لمواجهة الحرب الوجودية ؟

كل الخيارات التقليدية وغير التقليدية ، يمكن التفكير فيها في الحروب الوجودية ، والفكر نفسه ، ينبغي إطلاقه من اية قيود ومحاذير في ضوء الجغرافيا المشتركة بين ايران ودول المنظومة الخليجية العربية ، وفي ضوء اختلال التركيبة السكانية الخليجية  وحمولتها المذهبية ، وفي ضوء التحديات الجيوسياسية للدول المتناغمة مع ترامب …. الخ .

ولعلنا أن نستشف أبعاد الفقرة الأخيرة ، وخلفياتها في ضوء لقاء ضم مؤخرا في إحدى الدول الخليجية المتناغمة مع ترامب بين رجلها الأول الفعلي مع مجموعة من الشباب ، فدعوته لهم للصبر والتحمل ، وتحذيرهم مما يحدث في اليمن أو أي بلد آخر ، يعطينا مستوى القلق على الجبهة الداخلية ، واستهدافاتها في الحرب الوجودية.

• المنطقة الخليجية والعالم .. لن يستغنوا عن مسقط.

مهما تعتقد إدارة ترامب أنها لن تكون بحاجة للسلطنة ،  ومهما اعتقدت كذلك ، أنها ستتمكن عن طريق التلويح بقوتها وممارسة ضغوطاتها على دول المنطقة من تحقيق أجندتها المختلفة ، فهى تعبر عن نقص في التجربة السياسية ، وعن جهل  بالتعقيدات والعقد المستحكمة في المنقطة الخليجية .

وهذا ما ستثبته الأيام المقبلة ، وكل مؤشراتها قائمة الآن ، وبقوة ، فهذه الإدارة الأمريكية قد رفعت سقف الأزمة مع طهران عبر اتخاذها خطوة الحرب النفطية ، وعبر التدخل السافر في شؤون دولة ذات سيادة من خلال تحريض شعبها على الاحتجاجات ، ورهاناتها على هذه الأخيرة في تغيير النظام الإيراني .

ولم تدرس الإدارة الأمريكية ومعها الدول الخليجية المتناغمة معها ، كل الخيارات الإيرانية الممكنة في الحرب الوجودية ، ولم تعط للدبلوماسية فرصتها في تحقيق ما تريده الإدارة الأمريكية من إيران ، حتى أنها لم تنتظر انتهاء الجهود الأوروبية الساعية الآن الى تعديل الاتفاق النووي مع إيران .

انها اختارت الهدف الأصعب ، والسقف الأعلى مباشرة ، وهذه هي قمة الغطرسة والتكبر والجهل .. وفيها فشلها ، لكن لن تكون بهذه السهولة ، ربما يكون بعد ان تكون قد قلبت أوضاع المنطقة عاليها سافلها ، وعلى طهران ان تدرك في الوقت نفسه ، خطورة هذه الغطرسة المتهورة ، وتنفتح بذكاء تكتيكي على مرحلة الدبلوماسية الراهنة حتى تخرج من عنق الزجاجة التي دخلته اليوم بعد سريان قرار الحظر النفطي .

فهناك هدف غربي متفق عليه ، وراءه ضغوطات الصهيونية العالمية ، ويتناغم مع مصلحة إقليمية ، وهو إجبار طهران على اتفاق نووي معدل ، يعالج المخاوف بشأن الصواريخ الباليستية الإيرانية ، وتحسين نظام التفتيش على المنشآت النووية الإيرانية لضمان عدم امتلاك طهران للسلاح النووي ، ووقف التمدد الإيراني في المنطقة ، وهذا ما تسعى إليه أوروبا حاليا ، لكن عبر المفاوضات ليس عبر الحرب مثل ما تفعله الآن إدارة ترامب ، فهل ستنجح ؟

من المؤكد أن كل الفرقاء سيصلون الى قناعة – ربما الآن يشعرون بها – ان هناك قوة متبادلة وحتى ولو لم تكن متساوية ، لكنها تصنع القلق لكل الفرقاء ، قد تخرج عناصر القوة المادية والاقتصادية من الحرب الوجودية ، لذلك فهم بحاجة الى الخبرة العمانية – وربما هم الان يستشعرون بها – فهل لقاء معالي يوسف العلوي الوزير المسؤول عن الشؤون الخارجية مؤخرا في صلالة مع وزير الخارجية الإيراني يؤشر على هذا الوصول المسبق لقناعة ترامب الجديدة ، والأنظمة الخليجية المتناغمة معه القديمة / الجديدة ؟ مهما يكن من ورائه – اللقاء – من خلفيات ، لكنه من المؤكد أنه بحث في ظل أجواء خريف ظفار الباردة قضايا ساخنة ومن مختلف الاحتمالات ، وأسوأها .

وهذا في حداته كافٍ لعقد هذا اللقاء ، فطهران دولة مجاورة ، وترتبط مع بمجموعة مصالح مختلفة ، وتشاركنا مسؤولية الأمن البحري والأمن الاقتصادي لمضيق هرمز ، فكان لابد من مثل هذه اللقاءات .

لكنه في المقابل – أي اللقاء –  رسالة عمانية للمنطقة والعالم ، مفادها جاهزية مسقط الدائم لنزع فتيل أية حرب أو مواجهة في المنطقة ، وان على العقلاء في المنطقة والعالم الرهان على الدبلوماسية لحل الخلافات ، وان هذا الرهان ممكن لإنتاج الحل رغم تعقيداته ، وانه ليس على دول المنطقة من خيار الآن سواه فقط ، وان الحرب الوجودية لن تكون على طرف فقط ، وانما ستشمل كل الفرقاء بالتباين ، فطهران ودول المنطقة في سفينة واحدة تعبر عباب أمواج سياسية عاتية بسبب مخططات مورس فيها الذكاء لمستقبل المنطقة الجديد .

فكم هي مسؤولية مسقط عظيمة وكبيرة ، فمبجرد إقناع الفرقاء في المنطقة بالخطورة المشتركة للحرب الوجودية التي تخطط لها إدارة ترمب ، فهذا يحتم اختراق نووي للقناعات السياسية للأنظمة المتناغمة مع ترامب ، لكن مسقط لها ؟ ومستقبل المنطقة يحتم منها ممارسة هذا الدور من تلقاء نفسها دون انتظار الطلب الأمريكي والخليجي أو الإيراني منها ، ولأنها تعلم من خلال خبراتها السياسية أنه آت لا محالة.

من هنا يقبل لقاء العلوي مع لاريجاني في صلالة ثلاثة تفسيرات موضوعية  ، وهي إما البحث عن حل للازمة لنزع فتيل الحرب الوجودية بطلب من الفرقاء ، أو انه لقاء دولتي الجوار قبل اندلاع حرب وجودية غير محسوبة العواقب أو أنه – أي اللقاء – سبق عماني لاستكشاف إمكانيات الحل للحيلولة دون تفجير المنطقة ، استعداد لطلب التدخل الاتي ، ومهما كانت من نفاذ اية تفسير من الثلاثة التفسيرات ، تظل هناك مسألة مهمة جدا ، وعاجلة جدا ، وهي أنه ينبغي أن تدرك طهران بخطورة الحرب الوجودية المعلنة من قبل الاخرين ، وتعلم كذلك ، أن الافاق المقبلة فيها كل الاحتمالات .. لذلك ينبغي أن تكون ذكية الى اقصى مستوياته ، وببرغماتية عالية المهنية السياسية .

شارك هذا الخبر