
تعرف منطقتنا الخليجية تحولات جذرية في المفاهيم والمبادئ السياسية منذ الأزمة الخليجية الخليجية التي اندلعت في يونيو عام 2017، مما يجعلنا نتساءل هنا عن الوعي بها ، ومستوياته ودرجاته ؟ وكذلك انعكاساته على بعض دول المنطقة خاصة ، وعلى المنطقة عامة ؟ وفي اية سياقات ينبغي ان نضع لقاء معالي الوزير المسؤول عن الشؤون الخارجية مع وزير الخارجية الإيراني في صلالة مؤخرا ؟ وهو لقاء يأتي قبل يومين من تطبيق الحظر الأمريكي على النفط الإيراني والمقرر اليوم الأربعاء .
ابرز ما نرصده في هذه التحولات الجديدة ، تحولان أساسيان ، يشكلان بمثابة ثورة في السياسة الخليجية للدول المتناغمة مع ترامب وإدارته التي تقود أمريكا الى التقوقع الكوني عبر استعداء الحلفاء والأعداء من منطق مبدأ ” أمريكا أولا ” على عكس الصين التي ترفع شعارا مناقضا ، وهو ” النفع المشترك لكل الحلفاء معها “
• التحولات بمثابة ثورة على الجغرافيا الإقليمية .
يشكل مجرد التفكير فيها ، خطا احمر على النخب السياسية في الخليج ، فكيف بالسعي الى تطبيقها ؟ وكيف بالتحالف مع ترامب وتزويده بالأموال ، ووضع وسائلها وأدواتها تحت تصرف إدارته لتنفيذها ؟
المثير في هذه التحولات الكبرى ، انتقال الوعي الخليجي المتناغم مع ترامب من التسليم بوجودية النظام الآخر رغم الخلاف معه داخل الجغرافيا الخليجية المتناقضة ، بعربها وفرسها ، الى تغيير نظامه السياسي، وهذه حالة اللاوعي بهذا التحول ، وسيكون لها ارتدادات عكسية بل على المنطقة كلها ، ومبرر الأنظمة الخليجية المتناغمة مع ترامب ان النظام الإيراني قد اصبح من المستحيلات انصهاره في النظامين الإقليمي والعالمي ، من هنا تجمع القناعتان الامريكية وتلكم الأنظمة على ضرورة السعي الى تغيير النظام الإيراني من الداخل ومن خلال الخناق الاقتصادي.
وقد شهدنا تطبيقات هذا التحول على الحالة القطرية ، وماذا كانت النتيجة ؟ ما يمكننا القول عنه صراحة بأنه أوصل مجلس التعاون الخليجي الى حالة الجمود والشلل الكامل ، انتظارا لقادة جدد قد يخرجونه من ركام هذه التداعيات ، بفكر جديد ، وتاريخ سياسي نظيف ، وما عدا ذلك ، فالدوحة تبتعد عن المنظومة الخليجية لعقود مقبلة ، وترسخ تحالفات إقليمية عميقة من خارج جسدها وروحها الخليجي الطبيعي ؟
لماذا ؟ لأنهم قد ادخلوها في تهديدات وجودية عالية المستوى ، ومن يكون في عنق الزجاجة ، يحق له الحفاظ على شرعية وجوده ، بكل الوسائل الممكنة ، والمتاحة ، لأنه ليس امامه من خيار سوى الحفاظ على وجوده .
ولم تقتصر التداعيات على الدوحة فقط ، وإنما مست كذلك الإطار الفكري والسياسي للمنظومة الخليجية ، وأرجعت القناعات السياسية الى مرحلة ما قبل السبعين وعقبها مباشرة ، عندما كان الشك والريبة ، بل والقلق بين الدول الست هو السائد ، خاصة عندما كانت قضية ابتلاع الكبير للصغر ، هي الهاجس الأكبر المسيطر على علاقاتها .
ورصدنا كنتيجة لهذه التداعيات الفكرية والسياسية الإقليمية ، اتجاه السلطنة نحو الصين ، وإبرامها شراكة استراتيجية شمولية ، بمعنى سياسية واقتصادية وثقافية ، فماذا يعني ذلك ؟ سنتركها للعقل الجمعي الخليجي أن يستشف دلالاتها وأبعادها رغم أنها لن تحتاج لعقول نادرة .
• الدور على طهران بعد الدوحة .
والآن يمتد التحول ليشمل إيران بعد قطر ، وبصورة أكثر حدة ، وانكشافا في الهدف ووسائل تحقيقه ، وكيفيات بلورته ؟ فما مدى انعكاسات هذا التحول على الدول المتحولة نفسها ؟ وهل تعتقد أنها ستكون في منأى عن الامتدادات من جراء ردة فعل الآخر ؟ وكذلك على المنطقة بأكملها ؟
وهنا نجد خطأ تاريخيا قد وقعت فيه الدول الخليجية المتناغمة مع ترامب ، من منظورين هما ، التحول من حالة التعايش مع النظام الإيراني رغم الخلاف الاستراتيجي معه الى تغييره اعتمادا على ترامب ، والآخر الجهر بهذا الهدف ، فالكثير من النخب السياسية المحسوبة على هذه الأنظمة ، قد جاهرت صراحة باستهداف تغيير النظام في طهران ، بل وباقامة كردستان الكبرى باقتلاع أراض من ايران والعراق وتركيا .. وماذا ينبغي التوقع من النظام الإيراني ان يفعله للحفاظ على وجوديته السياسية ووحدة أراضيه ؟
لا يمكن استبعاد اية تهديدات محتملة من قبل إيران ، لأن الحديث هنا عن حروب وجودية مهما كانت أدواتها ، اقتصادية أم عسكرية أو اجتماعية وثقافية أو جميعها ، فمن يهدد بوجودية كيان .. وعلانية ، هل سينتظر حتى ينفذ المهدد تهديداته ؟ من هنا نقول بأن الوعي الخليجي المتناغم مع ترامب ، قد وقع في كبرى أخطائه الاستراتيجية في التعايش الجغرافي الإقليمي مع الدوحة سابقا وطهران حاليا .
• أولى خطوات الحرب الوجودية.
تتمثل هذه الخطوة ، في قرار إدارة ترامب يوم الأربعاء الماضي مقاطعة النفط الإيراني ابتداء من اليوم الأربعاء الرابع من شهر يوليو الحالي ، وحذرت الإدارة الامريكية كل الدول من استمرارية التعامل مع طهران ، وهددتهم بمقاطعة أمريكية قوية ، وأكدت انها لن تستثني اية دولة من قرار حظر النفط الإيراني .
وأمرت الدول الخليجية النفطية المتناغمة معها على تغطية النقص في المعروض ، مما اعتبرتها طهران – أي الاستجابة الخليجية – بمثابة خيانة عظمى لها ، جاء هذا الموقف على لسان النائب الأول للرئيس الإيراني الذي حذر كل دولة تزيد من صادراتها النفطية بأنها ستدفع الثمن لاحقا ، ويعد ذلك انتزاعا لحصة بلاده في السوق النفطية .
ولنا تصور التداعيات لو نجحت مقاطعة النفط الإيراني ، لكن هل ستظل طهران مكتوفة الأيدي حتى تحدث المقاطعة مفاعيلها الوجودية على نظامها ؟ لذلك يمكن القول بأن وتيرة الاحتقان داخل المنطقة الخليجية قد وصل الى مستوياته العليا فبداية الحرب النفطية ضد طهران قد بدأت شرارتها اليوم الأربعاء ، وهي خطوة قد اتخذتها الإدارة الامريكية في ظل الاحتجاجات الداخلية التي تشهدها إيران ، ومن أبرزها إضراب منطقة البازار الحساسة جدا التي تشكل المشهد السياسي في ايران قديما وحديثا .
وهذا يكشف لنا ماهية الرهان الأمريكي والخليجي المتناغم معه ، فهو يركز على تفعيل الحراك الداخلي لتغيير النظام عبر الخناق الاقتصادي والنفطي على وجه الخصوص ، فما هي الخيارات الإيرانية لمواجهة الحرب الوجودية ؟
كل الخيارات التقليدية وغير التقليدية ، يمكن التفكير فيها في الحروب الوجودية ، والفكر نفسه ، ينبغي إطلاقه من اية قيود ومحاذير في ضوء الجغرافيا المشتركة بين ايران ودول المنظومة الخليجية العربية ، وفي ضوء اختلال التركيبة السكانية الخليجية وحمولتها المذهبية ، وفي ضوء التحديات الجيوسياسية للدول المتناغمة مع ترامب …. الخ .
ولعلنا أن نستشف أبعاد الفقرة الأخيرة ، وخلفياتها في ضوء لقاء ضم مؤخرا في إحدى الدول الخليجية المتناغمة مع ترامب بين رجلها الأول الفعلي مع مجموعة من الشباب ، فدعوته لهم للصبر والتحمل ، وتحذيرهم مما يحدث في اليمن أو أي بلد آخر ، يعطينا مستوى القلق على الجبهة الداخلية ، واستهدافاتها في الحرب الوجودية.
• المنطقة الخليجية والعالم .. لن يستغنوا عن مسقط.
مهما تعتقد إدارة ترامب أنها لن تكون بحاجة للسلطنة ، ومهما اعتقدت كذلك ، أنها ستتمكن عن طريق التلويح بقوتها وممارسة ضغوطاتها على دول المنطقة من تحقيق أجندتها المختلفة ، فهى تعبر عن نقص في التجربة السياسية ، وعن جهل بالتعقيدات والعقد المستحكمة في المنقطة الخليجية .
وهذا ما ستثبته الأيام المقبلة ، وكل مؤشراتها قائمة الآن ، وبقوة ، فهذه الإدارة الأمريكية قد رفعت سقف الأزمة مع طهران عبر اتخاذها خطوة الحرب النفطية ، وعبر التدخل السافر في شؤون دولة ذات سيادة من خلال تحريض شعبها على الاحتجاجات ، ورهاناتها على هذه الأخيرة في تغيير النظام الإيراني .
ولم تدرس الإدارة الأمريكية ومعها الدول الخليجية المتناغمة معها ، كل الخيارات الإيرانية الممكنة في الحرب الوجودية ، ولم تعط للدبلوماسية فرصتها في تحقيق ما تريده الإدارة الأمريكية من إيران ، حتى أنها لم تنتظر انتهاء الجهود الأوروبية الساعية الآن الى تعديل الاتفاق النووي مع إيران .
انها اختارت الهدف الأصعب ، والسقف الأعلى مباشرة ، وهذه هي قمة الغطرسة والتكبر والجهل .. وفيها فشلها ، لكن لن تكون بهذه السهولة ، ربما يكون بعد ان تكون قد قلبت أوضاع المنطقة عاليها سافلها ، وعلى طهران ان تدرك في الوقت نفسه ، خطورة هذه الغطرسة المتهورة ، وتنفتح بذكاء تكتيكي على مرحلة الدبلوماسية الراهنة حتى تخرج من عنق الزجاجة التي دخلته اليوم بعد سريان قرار الحظر النفطي .
فهناك هدف غربي متفق عليه ، وراءه ضغوطات الصهيونية العالمية ، ويتناغم مع مصلحة إقليمية ، وهو إجبار طهران على اتفاق نووي معدل ، يعالج المخاوف بشأن الصواريخ الباليستية الإيرانية ، وتحسين نظام التفتيش على المنشآت النووية الإيرانية لضمان عدم امتلاك طهران للسلاح النووي ، ووقف التمدد الإيراني في المنطقة ، وهذا ما تسعى إليه أوروبا حاليا ، لكن عبر المفاوضات ليس عبر الحرب مثل ما تفعله الآن إدارة ترامب ، فهل ستنجح ؟
من المؤكد أن كل الفرقاء سيصلون الى قناعة – ربما الآن يشعرون بها – ان هناك قوة متبادلة وحتى ولو لم تكن متساوية ، لكنها تصنع القلق لكل الفرقاء ، قد تخرج عناصر القوة المادية والاقتصادية من الحرب الوجودية ، لذلك فهم بحاجة الى الخبرة العمانية – وربما هم الان يستشعرون بها – فهل لقاء معالي يوسف العلوي الوزير المسؤول عن الشؤون الخارجية مؤخرا في صلالة مع وزير الخارجية الإيراني يؤشر على هذا الوصول المسبق لقناعة ترامب الجديدة ، والأنظمة الخليجية المتناغمة معه القديمة / الجديدة ؟ مهما يكن من ورائه – اللقاء – من خلفيات ، لكنه من المؤكد أنه بحث في ظل أجواء خريف ظفار الباردة قضايا ساخنة ومن مختلف الاحتمالات ، وأسوأها .
وهذا في حداته كافٍ لعقد هذا اللقاء ، فطهران دولة مجاورة ، وترتبط مع بمجموعة مصالح مختلفة ، وتشاركنا مسؤولية الأمن البحري والأمن الاقتصادي لمضيق هرمز ، فكان لابد من مثل هذه اللقاءات .
لكنه في المقابل – أي اللقاء – رسالة عمانية للمنطقة والعالم ، مفادها جاهزية مسقط الدائم لنزع فتيل أية حرب أو مواجهة في المنطقة ، وان على العقلاء في المنطقة والعالم الرهان على الدبلوماسية لحل الخلافات ، وان هذا الرهان ممكن لإنتاج الحل رغم تعقيداته ، وانه ليس على دول المنطقة من خيار الآن سواه فقط ، وان الحرب الوجودية لن تكون على طرف فقط ، وانما ستشمل كل الفرقاء بالتباين ، فطهران ودول المنطقة في سفينة واحدة تعبر عباب أمواج سياسية عاتية بسبب مخططات مورس فيها الذكاء لمستقبل المنطقة الجديد .
فكم هي مسؤولية مسقط عظيمة وكبيرة ، فمبجرد إقناع الفرقاء في المنطقة بالخطورة المشتركة للحرب الوجودية التي تخطط لها إدارة ترمب ، فهذا يحتم اختراق نووي للقناعات السياسية للأنظمة المتناغمة مع ترامب ، لكن مسقط لها ؟ ومستقبل المنطقة يحتم منها ممارسة هذا الدور من تلقاء نفسها دون انتظار الطلب الأمريكي والخليجي أو الإيراني منها ، ولأنها تعلم من خلال خبراتها السياسية أنه آت لا محالة.
من هنا يقبل لقاء العلوي مع لاريجاني في صلالة ثلاثة تفسيرات موضوعية ، وهي إما البحث عن حل للازمة لنزع فتيل الحرب الوجودية بطلب من الفرقاء ، أو انه لقاء دولتي الجوار قبل اندلاع حرب وجودية غير محسوبة العواقب أو أنه – أي اللقاء – سبق عماني لاستكشاف إمكانيات الحل للحيلولة دون تفجير المنطقة ، استعداد لطلب التدخل الاتي ، ومهما كانت من نفاذ اية تفسير من الثلاثة التفسيرات ، تظل هناك مسألة مهمة جدا ، وعاجلة جدا ، وهي أنه ينبغي أن تدرك طهران بخطورة الحرب الوجودية المعلنة من قبل الاخرين ، وتعلم كذلك ، أن الافاق المقبلة فيها كل الاحتمالات .. لذلك ينبغي أن تكون ذكية الى اقصى مستوياته ، وببرغماتية عالية المهنية السياسية .






