د. رجب بن علي العويسي- خبير الدراسات الاجتماعية والتعليمية
في مجلس الدولة
في عالم مشحون بالتوترات، محموم بالنزاعات، لعب فيه الإعلام السلبي المسيّس دورا محوريا في تأجيج حالة الانقسام بين أبناء الأمة الإسلامية عامة ومنطقتنا العربية على وجه الخصوص، وممارسة سلوك الاعتداء على التراث والهويات والرموز والاعراض ، حتى أفصح عن حالة التأزم والانكفاء التي يعيشها، والسياسات الاندفاعية لصغار الساسة في بعض الأقطار، فكانت أن التصقت سياساتهم بدماء الأبرياء من الأطفال والشيوخ والنساء يتساقطون تحت مرمى المدافع والصواريخ والطائرات والقنابل المحرمة ، وهم في باصات المدارس متجهون إلى بيوتهم أو مدارسهم، دون أي اعتبار لإنسانيتهم أو مراعاة لحقوقهم ، لقد ارتبط المشهد العام للواقع الذي تعيشه الأجيال في البلاد العربية بحالة من القلق والخوف والارهاب ، فقد أنتجت مشاهد القتل للطفولة وصور الخراب التي لحقت بالأوطان وقطع الأرحام وهدر لموارد الانسان وطاقاته في حروب وفتن واحداث مأساوية لا طائل منها سوى استنزاف الطاقات وتهجير الكفاءات ونشر الذعر والارهاب في حياة الأجيال اليومية. أنتجت حالة من اليأس أمام الأجيال وهو يشاهدون واقعا مظلما سلبيا يتجرأ على إنسانيتهم ويقضي على طموحاتهم ويقسو على حياتهم.
غير أن بين حنايا هذا الواقع وفي أضلعه، يولد فجر جديد يحمل للأجيال مسارات التفاؤل والايجابية، فالقادم أفضل بإذن الله ، حيث رحلة الحج الأكبر التي تتجه إليها الانظار لتغيير الصورة النمطية القاتمة التي بدت عليها حال الأجيال، واعادة برمجة فكرهم نحو تقبل عالم جديد تختلف صورته عن عالم البشر المليئة بالتصادمات والانتكاسات والأحداث المريرة وما صنعته أيديهم وما اكتسبته من جرائر ظلم الإنسان، فهمجية العباد وإفسادهم ما كان لها أن تستمر بدون محطات للإمهال ومعطيات للتأمل ودعوات للتذكر ومراجعة الواقع، فكان من رحمة الله ولطفه أن جعل في مواسم الاسلام وشعائره فرصة لالتقاط الانفاس واعادة توجيه مسار الحياة ونقطة تحول لقراءة معطياتها من جديد، لترسيخ قيمة التغيير في ذات الانسان نفسه وإصلاح حاله، وهي بحكمة وجودها وغاياتها، تحمل للإنسانية مبادئ الخير والتسامح والعفو والصفح والاخوة وروح التضامن والتآلف والتكاتف، لتقف على سر الهداية الربانية، ونزول النفحات الالهية، لبناء حياة منهجية متوازنة قائمة على حب النظام وترسيخ قيم المسؤولية، كمنطلق لبناء الذات وإدارة المواقف اليومية بحكمة التصرف ومنطق الوعي.
إن فلسفة الحج ومناسكه العظيمة جميعها والمشهد الايماني البهيج في التاسع من ذي الحجة ، يوم الحج الأكبر ووقوف حجاج بيت الله الحرام في عرصات عرفات الطاهرة ملبين مكبرين مهللين ذاكرين داعين الله رافعين اكف أيديهم إلى الله ليسبغ عليهم من فضله العظيم ما تقر به أعينهم، محطة لإعادة تفكير الأجيال بما يختزل شؤم واقعهم، ويبني في اجتماع الأمة محطة تغيير بأن تغير الحال ممكنا، وأن تبدل السلوك واقع حتما عندما يجد في منهج الله مساره الذي يؤسس فيه فرصة الانجاز ويحقق فيه سمو الهدف وتبرز فيه الارادة المخلصة الساعية إلى الاعتصام بحبل الله المتين ونوره المبين، لتبرز مسؤولية التعليم في قراءة الحج للأجيال قراءة فاحصة يستقرئ فيه مستقبلهم في ظلال المبادئ والأخلاق والقيم عبر مناهجه وطرائق التدريس وأنشطته في ترجمة شعيرة الحج ومناسكه في قوة الهدف وسمو الإرادة ونهضة الفكر وسمو العاطفة ورقي الممارسة وحس الضمير والتكيف الواعي مع واقع الحياة المتغير وتناغم مساحات العيش مع أحداثها ومستجداتها، ويقرأ في يوم العيد حيث البسمة والبهجة امتداد لنهج التفاؤل والسرور والبهجة في حياة الإنسان المسلم في صورة مشرقة يسطرها التعليم بموجهات جديدة وآليات متجددة تتناغم مع جماليات حياة الطفولة ورقيها وذوقها ، فيصنع في حياة الأجيال حياة جديدة تتسامى فوق كل منغصات السعادة وتتجاوز كل مولدات الكراهية، فيعظّم فيها قيمة التجديد، ويبنى مناخات الود والابتسامة الصادقة والكلمة الطيبة والاحسان والصدقة، مدركات تؤطرها فلسفة الحج وتكتسب في ظلال منصات التعليم خصوصيتها في طريقة تدريسها وأساليب تعليمها وتعلمها، منطلق للتقارب بين أبناء الأمة، وإزالة عوامل الفرقة وسوء الظن وتجوز أزمة الثقة والاغتراب القيمي ، وعندها فلا قطيعة رحم ولا غرور أو تكبر أو ترفع عن الآخر، بل مزيد من التعاون والتكامل والتواضع، فتتصافي النفوس وتتقارب، ويشعر الجميع ببعضهم البعض حسنا، فهي بذلك فرصة لصناعة التغيير من أوسع ابوابه، ولغة راقية في قراءة الحياة بوعي، والنظر إليها بتسامح، وبناءها في ظل سلام وأمن وطمأنينة واستقرار ورقي عاطفة، ومنحها فرص توليد البدائل في مواجهة كل أشكال التغييب لمفهوم الحضارة الواعية والرقي الإنساني، والترفع بها عن الإساءة للآخر.
إن دور التعليم في ترقية هذه المعاني السامية للحج وتعميقها في فكر الأجيال وقناعاتهم من شأنه أن يقرّب صورته في فكرهم وقناعاتهم وصقل نفوسهم وتهذيب أخلاقهم، بما يضمن إعادة صياغة محتواه الفكري بطريقة تتناغم مع أحلام الأجيال وآمالها ورغباتها الطفولية البريئة في أن يعيش الجميع بسلام وأمن وسكينة وتشعر الطفولة بابتسامتها ودلالها وتسعد بترانيمها وهي تغني أغنية العيد السعيد بهجة وسرورا ، ويبقى على التعليم رصد موجهات التطوير في أساليبه، وتعميق استراتيجيات تدريس الحج وفق منهجيات مبتكرة ، لتنطبع في ثقافة تعليم وتعلم الأجيال، وتدرّس في قاعات الصفوف وفصول الدراسة، ومحتوى المناهج والأنشطة، وبيئة المدرسة والمعهد والكلية والجامعة ، وفي قواعد العيش وأساليب التعايش ، ومنظومة الأوامر والنواهي فيها، لتصبح أخلاقيات الحج وقيمه ومبادئه وفلسفة عمله وتطبيقاته العملية سلوك يمشي على الأرض في فكر الأجيال وثقافتهم وانتمائهم وولائهم، فيمتلون قيمه في مواقف حياتهم ويطبقونه في سلوكياته باختيار وقناعة، ليربي فيهم عاطفة التملك والحياة والجمال والسعادة والوحدة والتعايش والتقدير في ظلال العفة والاحترام والتأمل والبذل والعطاء والنفقة والصدقة، وشكر النعمة والشعور بالآخرين من المستضعفين والفقراء والمحتاجين والأيتام ، حياة يظللها الأمن والأمان والعدالة والمساواة.
ويبقى الرهان على كفاءة التعليم في تغيير الصورة الذهنية السلبية القاتمة المترسخة في ذهن الاجيال حول واقعهم، بفتح نافذة الأمل وأبواب الايجابية والتفاؤل وانتظار الفرج في ظل ما تحتضنه شعيرة الحج من قيم واخلاقيات ومبادئ تعكس الفطرة السوية وتتناغم مع الانسانية الواعية المتجهة لتحصين فكر الانسان ووجدانه وترقية مشاعره، من الوصول إلى حد اليأس وإفلاس النفس والسخط من الحياة، فألامس المظلم الذين يرونه في تصرفات جيل الآباء وطريقة إدارته لملفات الواقع السياسية والاقتصادية والاعلامية يقابله وجه الحياة المشرق الذي تحتضنه الارادة الإلهية في شعائر الدين ومواسمه، فتلتئم بتعظيم شعائره وحرماته أوجاع الجرحى وسهر المرضى وأنين الثكلى وحنين اليتامي وبوح الطفولة وهي تنادي أماه أبتاه ولا مجيب حيث سلبت منهما الحياة بقتل أو تشريد أو غرق، فهل سيصنع التعليم من طريقة تدريسه لمناسك الحج قيمة مضافة في إدارة ملامح التغيير في سلوك الأجيال لتجاوز حالة الإحباط والانتكاسة التي يتجه إليها واقعهم ؟
*الصورة الموضوعية مصدرها من الشبكة العالمية






