د.عبدالله باحجاج يكتب: الحياد العُماني : خيار دولة وليس سلطة، فلا للأحلاف الإقليمية والدولية، ونعم للتعاون

عن الكاتب

د.عبدالله  باحجاج
د.عبدالله باحجاج

كاتب، وباحث، وصحفي عُماني

د.عبدالله باحجاج يكتب: الحياد العُماني : خيار دولة وليس سلطة، فلا للأحلاف الإقليمية والدولية، ونعم للتعاون
د.عبدالله باحجاج يكتب: الحياد العُماني : خيار دولة وليس سلطة، فلا للأحلاف الإقليمية والدولية، ونعم للتعاون
د.عبدالله باحجاج يكتب: قضية المضابي في ظفار ..تفتح ملف دور المجلس البلدي ، وإشكالات تحجيمه في ضوء آخر انكشافاتها
د.عبدالله باحجاج يكتب: قضية المضابي في ظفار ..تفتح ملف دور المجلس البلدي ، وإشكالات تحجيمه في ضوء آخر انكشافاتها

يتقاطع مع هذا المقال محاولات إقليمية جادة وقوية لكسر الحياد العماني رغم نتائجه الإيجابية على الأمن والسلام على المستويين الإقليمي والعالمي، مستغلة – أي المحاولات – ظاهرة ترامب لتحقيق هدفها عن طريق الأموال الخليجية ، ومتخذة من ايران العدو المشترك لها مع الكيان الصهيوني ، وسيلة تعتقد انها ستتمكن من حمل إدارة ترامب على حمل مسقط لكي تكون طرفا في تحالف عسكري وامني ضد طهران .

فهل ستنجح مثل هذه الضغوطات ، ويتم التخلي عن سياسة الحياد العمانية التاريخية ؟ تساؤل يطرح بعد ان تابعنا الرسائل السلبية التي خرجت عن مشاركة معالي يوسف بن علوي بن عبدالله الوزير المسؤول عن الشؤون الخارجية للقاء الذي جمع نظراءه في دول مجلس التعاون الخليجي مع وزير الخارجية الأمريكي مؤخرا على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة ، مما فسر من قبل الكثير من الزملاء الخليجيين عبر تواصلنا الالكتروني معهم ، على ان وراءها – أي المشاركة – موافقة عمانية للانضمام للحلف العسكري الجديد الذي يقدم الآن تحت مسميات كثيرة ، ابرزها ، الناتو العربي الإسرائيلي ، والتحالف السني الإسرائيلي ، وفي حالات أخرى لا يذكر فيه اسم الكيان الصهيوني .

وتقتصر المشاركة فيه على دول من المشرق العربي دون مغربه ، وقد حددتها المصادر العديدة في دول الخليج ومصر والأردن ، وهذا ما يدفعنا الى ان نعنون مقالنا اليوم بذلك العنوان الدال على مضامين الرسالة الموجهة للداخل والخارج .

فالحياد العماني ، ليس من ضمن الخيارات السياسية التي يعترضها التحولات والتبدلات حسب الظروف وتقلبات المراحل ، ولا الامزجة السياسية حتى تنجح الآن الضغوطات الإقليمية والعالمية ، وانما يدخل في مناطق القدسية والثبات التي لا يمكن ان تنفذ اليها اية ضغوطات مهما كان حجمها أو وزنها ، ومهما تقاطعت معها ظروف داخلية وخارجية قاهرة ، قد يرى البعض أنها تشكل له فرصة مواتية للوي الاذرعة ، وتغيير المسارات الوطنية ، لذلك فمشاركة بن علوي في اللقاء الخليجي الأمريكي ، لا ينبغي أن يحمل مالا يتحمل أصلا ، وليس أصلا في حمولته ما يقبل التأويل والتفسير بهكذا تبدل أو تحول عماني مفاجئ حتى لو كان وراءه ضغوطات ترامب .

لماذا ؟ لأن الحياد العماني خيار دولة بأكملها ، سلطة حاكمة ، شعب ، أرض ، سيادة وطنية ، تاريخ متجذر لإمبراطورية عمانية جابت البحار شرقا وغربا .. وشهدت صراعات كبرى .. وهى تتطلع الان الى الاستفادة من هذا التاريخ وما بنته من حضارة إنسانية ، من أجل الإنسانية نفسها ، سواء كانت على أراضيها السيادية أو من يجاورها أو من يشاركها كونيا حق العيش الإنساني المشترك .

دولة سلام في ذاتها ، ولذاتها ، ولمن حولها ، وللإنسانية جمعاء ، لذلك لا يمكن أن تدخل في تحالفات كيدية ولا تآمرية ولا انقلابية .. مهما كانت خلافاتها أو خلافها مع اية دولة او مع نظامها السياسي ، فقد عاشت من التجارب التاريخية مع كل القوى الكبرى قديمها وحديثها ، ما يجعلها تراهن على الحياد للحفاظ على استقرارها وسلمها الداخلي، وعلى السلام الإقليمي وحتى العالمي من منظور تعدد ديموغرافيتها التي تشكل أحد اهم اركان دولتها .

لذلك ، فالحياد العماني ليس خيار حكومة أو سلطة ، حتى يعتقد الآخرون أن الظرفية مواتية لكي تصبح مسقط ” عدوانية ” مثل غيرها ترسل أبناءها للخارج ، وتفتح أراضيها وأجواءها لأحد اطراف الصراع .. لقتل الأبرياء أو تغيير الأنظمة أو تفتيت دول … إنه خيار دولة لا يمتلك أي مكون من مكوناتها الصلاحية لوحده ان يتخذ قرار التحول عن الحياد .

لذلك ، لا يمكن تصور لو مجرد التصور فقط ، ان تتحول السلطنة عن سياسة الحياد ابدا ، لأن ذلك معناه ، هدم ما بنته طوال كل العقود الماضية ، فلنأخذ مثلا بعدها الديموغرافي – أي مكونها الاجتماعي – هو مزيج من مكونها الديموغرافي للإمبراطورية العمانية التي امتدت إقليميا وعالميا ، ولما تسلم عاهل البلاد حفظه الله ورعاه الحكم في البلاد في 1970 ، كان اكبر الهواجس السياسية يكمن في تسكين الديموغرافيا المتعددة الثقافات والانتماءات في منظومة وطنية واحدة تحت شرعية سياسية واحدة ، وداخل حدود سياسية معترف بها ، ومتعايشة مع خارجها .

وقد نجح حفظه الله ورعاه بصورة مطلقة ، ومن بين أهم ادوات هذا النجاح ، سياسة الحياد التي تحترم المتعدد للديموغرافيا العمانية داخل جغرافيتها الوطنية ، وتسد عليها كل نوافذ التعاطف السيكولوجي أو المادي مع المتشابه معها خارج جغرافيتها ، ومن الجهات الأربع الملاصقة لها التي كانت أيام عصر إمبراطوريتها أجزاء كبيرة وعميقة تشكل امتدادها ، وكلنا نعلم مدى الروابط الاجتماعية الإقليمية للديموغرافيا العمانية مع هذا المحيط الواسع ، لذلك يشكل الحياد العماني ، مسارا عقلانيا عميقا لديمومة الاستقرار والسلم المجتمعي أولا ، ولتجنب بلادنا الصراعات الإقليمية والدولية ثانيا .

والنتيجة : أن اصحبت بلادنا توصف بانها أنها أكبر من مجرد سويسرا ، فهي عندما تتحدث يصغى لها ، وهي عندما تتدخل تبعث بالأمل في مناطق النزاع والصراعات ، لذلك يمثل الحياد العماني مصلحة عمانية وإنسانية متعددة الجنسيات.. من هنا لا نتصور لمجرد التصور التخلي عنه مهما كانت ضغوطات ترامب بايعاز من فاعلين اقليميين الذين اصبح هاجسهم ان تكون مسقط مثل غيرها بعيدا عن تميزها الحالي.

نعترف بوجود ضغوطات على بلادنا للتخلي عن سياسة الحياد ” قديمة وحديثة ” وهي تزداد قوة ، وللأسف يوظف المال وعداوة طهران في أدوات الضغط ، وتحاول الأداة الأولى ” المال” ان ترفع من منسوب العداوة ضد ايران بصورة غير مسبوقة ، وتجر بلادنا معها بهدف احكام الخناق على طهران بحكم الجوار .

كل متابعتنا لهذا الملف تؤكد أن العداوة ضد طهران قد تأصلت وتنظرت وبرمجت في خطط ومشاريع تنفيذية بإجماع أعداء ايران ” الوجوديين ” القدامى والجدد ، وهذه المفردة التي بين مزدوجتين ، قد أصبحت من المسلمات بها في الخطاب السياسي الخليجي ، وبالذات منذ السنتين الأخيرتين ، ومؤخرا بصورة لافتة وجرئية جدا ، أخرها ، التهديد المباشر بنقل احداث الاهواز الى قلب ايران .

هذا التهديد المتكرر من قبل قيادات سياسية وفكرية خليجية رفيعة المستوى ، والتأكيد عليه بعيد احداث الاهواز لا يمكن أن يأتي من فراغ ، وهو يدلل على ما اشرنا اليه سابقا ، والمعبر عنه بمفردة الاستهداف الوجودي ، أي إنه الان قد تجاوز عدة اطوار ، طور التمنيات المشتركة ، وطور التفكير ووضع الخطط ، الى طور التنفيذ ، وهذا يعني ان منطقتنا الخليجية مقبلة على سيناريوهات مخيفة جدا ، لأننا ببساطة لا يمكن تصور الوسائل والأدوات التي يمكن أن تستخدم في صراع وجودي ، حيث ستكون فيها كل شيء مباحا من اجل الوجود .

ويبدو أن طبخة إقامة حلف إقليمي على أسس أيديولوجية لمواجهة ايران قد وصل الى مستوى قرب الإعلان عنه بعد تسريبات الخبر من مصادر رفيعة من نيويورك التي تشهد هذه الأيام اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة ، وهذا الحلف من مبادرة وأفكار الإدارة الامريكية ، وسيكون أعضاؤه الدول الخليجية – المخطط كل الدول – بالإضافة الى مصر والأردن ، أي المشرق العربي ، فماذا عن المغرب العربي ؟

وهذا تطور في حد ذاته خطير جدا ، وله تداعيات أخطر على المنطقة ، وبل والعالم ، شبيهة بما حدث من توظيف الأيديولوجيا في الحرب في أفغانستان ابان الاحتلال السوفياتي ، مما نشأت على أنقاضها – أي الأيديولوجيا – الجماعات المسلحة والارهابية والمتشددة والمتطرفة .

وهذا يؤصل في المقابل ، حكمنا على العقل الأمريكي بالغباء ، لأنه يفكر في حل المشاكل الإقليمية والعالمية الجديدة استوحاء من ماضيه ، وليس استشرافا للمستقبل ، وبالتالي ، فهو يكرر الأخطاء نفسها ، لأن منشأها واحد ، وهذا الحكم قد اوضحناه بالحقائق التاريخية اثناء أحد اللقاءات مع السفير الأمريكي الأسبق اثناء زيارته لمحافظة ظفار ، وكان رده بعيدا عن الموضوع قائلا ” لديكم أفكار مشوشة عن أمريكا ، تحتاج الى تصحيح “

وقد بدأ المشهد الإقليمي يزداد أكثر وضوحا الان ، فالحرب الوجودية ستكون قائمة على أسس ومنطلقات أيديولوجية ” السنة ضد الشيعة ” أي تحويل المنطقة الى صراع ديني مقدس ، يقتل المسلمون بعضهم البعض في دوامة عنف جديدة ، بينما يتفرج الكيان الصهيوني على هذه الحرب التي يقتل فيها أعداؤه التاريخيين أنفسهم بأنفسهم .

ياله من مشهد رهيب ، نصوره هنا بمعطيات ما يظهر لنا من المشهد السياسي ، تريد إدارة ترامب وبمن وراءها ، أن تجرنا اليه دون إعمال عقولنا ، فهذا النوع من الحروب لن تسلم منه اية دولة في المنطقة ، وبالذات الدول المشاركة فيها ، وذلك لاختلالات البنية المذهبية والاجتماعية في كل دولة ، ولن نستبعد وجود خلايا نائمة في عواصم دول المنطقة ، تحسبا لمستوى هذا النوع من الخطر ، بمعنى ، أنها لن تكون معركة جيوش تستهدف المواقع والمنشآت العسكرية ، وانما سيكون البيئات الاجتماعية والاقتصادية والذهنيات أهم مسارحها المستهدفة ، مما يبدو لنا غاية الصهاينة هنا واضحة ، وضوح الشمس ، وهي جر دول المنطقة الى تفتيت المفتت ، وتجزئته ، ثم فتح سيناريو تقسم جغرافيته ؟

من كل ما تقدم ، يظهر لنا أهمية الحياد العماني ، بالنسبة لبلادنا كدولة من منظورها الديموغرافي التاريخي ، وامتداده الخارجي على صعيدي الروابط الاجتماعية والتلاقي الثقافي والفكري الذي يشكل الآن ثراء متنوعا ومنصهرا في اطار المعتقد و الممارسة داخل الدولة الوطنية ، فالخروج عن الحياد ، يعني العبث بهذا العيش المشترك ، وفتح قضية الولاءات والانتماءات الفكرية وحتى المادية الى خارج الحدود .

لذلك ، كان هناك وعي سياسي أصيل بهذه الخلفيات الاجتماعية والفكرية في الفكر السياسي لعاهل البلاد حفظه الله ورعاه ، تجلى لنا ذلك في رفضه المبكر للأحلاف العسكرية ، نلمس هذا في الحديث الصحفي الذي أدلى به جلالته لجريدة السياسة اللبنانية بتاريخ 26/يناير/1974م , حيث رفض بشكل قطعي لكل اشكال وانواع التحالفات والتكتلات, وهو ما اكده حفظه الله بقوله (نحن ضد الأحلاف أو التكتلات مهما كان نوعها. لكننا لسنا ضد المساعدات) .

إذا ، هناك رفض قطعي منذ انطلاقة نهضتنا المباركة – ركزوا في التاريخ – لمشاركة بلادنا في أي نوع من أنواع التحالفات والتكتلات الضدية ، للأسباب الشارحة سابقا ، ومنها – أي الأسباب – نجتهد في القول بأن الحياد العماني هو خيار دولة مستدام ، وليس خيار سلطة قد تتنازعها الأهواء وتؤثر فيها المصالح ، ويمكن من خلالها ان تسلم بالضغوطات ، صحيح أنه الآن مستهدف أي الحياد من قوى مؤثرة ، لكن ليس خيار سلطة حتى تتنازل عنه وانما خيار دولة ، فهل وصلت رسالتنا ” داخليا وخارجيا ” ؟

شارك هذا الخبر