د.سالم الشكيلي يكتب: من يدفع أكثر ، يسمع اللحن الذي يريد

يرى د. سالم الشكيلي في مقالته المنشورة عام 2018 أن المصالح باتت تحكم السياسة، وينتقد اعتماد العرب على القوى الخارجية، ويستعرض آثار الأزمات والحروب في بلدان عربية.

د.سالم الشكيلي يكتب: من يدفع أكثر ، يسمع اللحن الذي يريد
د.سالم الشكيلي يكتب: من يدفع أكثر ، يسمع اللحن الذي يريد

أثير- د.سالم الشكيلي

دهاليز السياسة كثيرة ومتشعبة ومتعرجة ، لا يخبُر مداخلها ومخارجها صغار العقل والسن ، ولا حديثو عهدٍ بالعمل السياسي ، مَن يتطفّلون عليها ، فيعتقدون أن حبْوَهم في معامعها ومهامها ضرْبٌ من الجهبذة أوتوها هم لا غيرهم ، فيتوهمون القدرة على خوض غمارها .

السياسة في مجملها الآن – وآسفُ على قول هذا اللفظ – لعبة قذرة لأنها لا تقيم وزنا للقيم ومعايير الأخلاق ، تتغيّر بتغير المصالح ، إلا عند العرب فهي تتغير بتغير الحاكم أو بتغير مزاجه الشخصي ، إلا نادرا ، والسياسة المقصودة لا تقتصر على ما يظهر في العلن ، فما خفي وغير معلن أكثر وأشدّ مرارة مما هو ظاهر في العلن .

ربما كانت السياسة في الماضي ، تحترم القيم وتراعي معايير الأخلاق على الأقل في حدودها الدنيا ، وظلت السياسة إلى وقت قريب هي الموجّه لاقتصاديات الدول ، مما أتاح قدرا يسيرا من الثبات النسبي ، ولكن لم يعد يحكم السياسة اليوم إلا المصالح ، ولعبة المصالح هذه متشعبة ومتداخلة ولا يمكن حصرها في الماديات فقط ، حتى بات ينطبق عليها القول “من يدفع أكثر يسمع اللحن الذي يريد”

ويبدو أننا كعرب لا نفقه لعبة العمل السياسي ، حتى داخل أسرتنا العربية ، فنحن نجعل من عناصر الأحقاد والضغائن ، وأوهام الرئاسة على الكل ، وحجم الثروة ، والاعتقاد الواهم أن حلول مشاكلنا السياسية محفوظة في حروز في أماكن عند من للعرب كارهون ، وعلى نعمة النفط الموجودة لديهم حاسدون وطامعون ، وأصبح المتخاذلون من المحلّلين والمثقفين ممّن تَبنّوا هذه الفكرة يلوكون ويروّجون لها في كل ندواتهم ومقالاتهم ولقاءاتهم في وسائل الإعلام المختلفة ، وهي الأسس التي نتعاطى بها السياسة في عالمنا العربي .

وعلى ذلك عندما يلُمّ بالوطن العربي مُلِمّةٌ ما ، ترى الحكام العرب يتقاطرون على العاصمة واشنطن ، والعواصم الأوروبية الأخرى ، كتقاطر عربات القطار على محطة السكة الحديد ، وذلك لأخذ الوصفة من طبيب أو أطباء لا يعملون وفق الأصول الأخلاقية ، وإنما وفق مصالحهم ووفق منطق من يدفع أكثر يسمع اللحن الذي يريد ، ولو فكّر هؤلاء القادة قليلا وبشيء من الحكمة وتغليب المصالح القومية ، لوجدوا الوصفة التي يبحثون عنها في العواصم العربية ، لا في عواصم غيرهم .

وإذا قلبنا دفاتر الماضي ، فلن نجد حلا أمريكيا ، أو روسيًا أو أوروبيًا ، فكّ أو أنهى مشكلة عربية واحدة ، نعم نسمع دوران الرحى من خلال التصريحات وبيانات الشجب ، لكن لا نرى طحينا ، وإنّما نرى سمّا زعافًا ينثر على هذه المشكلات لتزداد ضراوة أكثر ، وتعقيدًا أشدّ؛ فمشكلة فلسطين العربية على حالها رغم قرارات مجلس الأمن والأمم المتحدة ، فأمريكا لا تريد حلا لهذه القضية غير تركيع العرب لمطالب وشروط العدو الإسرائيلي ، القوّات الأمريكية دخلت الصومال وعربدت فيها ، ثم خرجت منها وتركتها فريسة للصراعات الداخلية ، وهي حتى اليوم تتقاذفها أمواج الشرّ من كل جانب ، ويكاد حالها يقول يا حسرتا على ما فرطنا في هذا البلد من أمن وأمان ، ثم جاء الدور على العراق وحصل ما حصل وليس خافٍ على أحد ، وها هي العراق موطن الحضارات يعيش حالة من الصراعات الدينية والمذهبية البغيضة ، ووصل الأمر إلى البكاء على زمنٍ ولّى وانقضى، ليأتي الدور على سوريا وقد أسهم بعض العرب في تأجيج أزمتها ودفعت المليارات بالأصالة وبالنيابة عن الغرب كله ، وعلى مقدار الدفع نسمع التصريحات ، فهي تعلو عند الدفع وتخفت كلما قلّ الدفع ، ومن ينظر إلى مآل الحال في سوريا يمقت السياسة ومن يمارسها بطيش ورعونة وهي المؤامرة التي كنا نرددها طوال السنوات الماضية ، لكن هذه المرة بعضٌ من العرب وكثير من أهل سوريا ، هم الذين نسجوا خيوطها ، ثم تركوها لقمة سائغة لكل الحالمين بدمار عروس الشام وبهجتها .

وإذا عرجنا إلى ليبيا ، فالحال يغني عن السؤال ، أطراف تتصارع على السلطة ، وكل طرف مدعوم بالمال والسلاح من أطراف عربية لصالح أجندة غربية متعددة الأطراف ، لتبقى ليبيا غارقة في بحر من ظلمة الفرقة والشتات ، ثم اليمن وما أدراك ما اليمن السعيد الذي أصبح بحق غير سعيدٍ كما كان ، حرب ضروس على مسمع ومرأى من الكل ولا أذن تسمع ، ولا قلب يخشع ، وكأن الآذان قد صُمّت والقلوب انعدمت منها الرحمة والشفقة ، فلا صراخ طفل يشفع ، ولا توسّل أمّ ينفع ، ولا بؤس عجوز يمنع ، فقد طغى صوت وضجيج الصواريخ والمدفع ، وذلك سببه من يدفع أكثر يسمع ويرى ما يريده من ألحان تشجي غرورهم الذي تمادى حتى بات لا يشبع ، حتى عُدّت مأساة اليمن واليمنيين أكبر مأساة في تاريخ البشرية .

إنّ هذا الطيش السياسي ، والطفولة العقلية من بعض قادة العرب ، معتمدين على معادلة من يدفع أكثر يسمع ما يريد ، لن تسعفهم إلى مالا نهاية ، فالشعوب في هذه المرحلة بالذات تعي وتفهم ما يدور حولها ، وهي أولى بثرواتها من الذين يضحكون على الذقون ، ولأموال العرب ناهبون ، فوالله لو وزعت هذه المليارات على شعوب هذه الدول ، لما بقي جائع أو معترّ أو صاحب حاجة ، بل أصبحت هذه الدول كما كان حال الدولة الإسلامية في عهد عمر بن عبدالعزيز . وقد يأتي يوم فتكون سلعة الدفع هذه بائرة لا تجد لها سوقًا لا في الغرب ولا في الشرق.
من حق كل عربي أن يتساءل : إلى أين نحن ذاهبون ، وما المصير الذي ينتظرنا ؟ نحن الآن اثنتان وعشرون دولة ، لم نستطع توحيد كلمتنا مرة واحدة ، فهل ستتوحد عندما يصل العدد – لا قدر الله – إلى الثلاثين أو الأربعين ، بفعل فاعل منّا ، يسعى إلى تمزيقنا مع سبق الإصرار والترصد .


من حق كل عربي أن يتساءل : ماذا يُراد بهذه الأمة ؟ ألم ترْتوِ الأرض من الدماء التي سالت وما زالت تسيل ، ألم يكفِ هذا العدد من المهجرين والمشردين من ديارهم ومنازلهم ؟ وماذا سيكون مصيرهم ؟ ثم ألا يكفي هذا الدمار في العديد من البلدان العربية وكيف سيُعاد البناء ؟ ومن حق كل عربي أن يسأل هؤلاء المتعطشين للدماء : ألم ترتوِ حماقاتكم بعد ؟ ومن حق كل عربي أن يسأل هؤلاء المولعين بالحروب ماذا جنيتم وماذا استفدتم ، وهذا الذي تفعلونه وما زلتم تفعلونه، لخدمة من ؟ بالله عليكم نبئونا بتأويل كل هذه الأسئلة إن كان لديكم ما تقولون ، ولن تقدروا على قول الحقيقة وعلى مكاشفة شعوبكم ، وعندئذ لن تنفع معادلة من يدفع أكثر يسمع ما يريد بسبب انتهاء صلاحيتها حتى أنها لتكون لحنًا نشازًا مقرفًا كأفعالكم الكالحة ، التي باعت واستباحت الكرامة والدم العربيّين ، فيا ويلكم حينها من شعوبكم التي سوف لن ترحمكم ، قبل أن يصير أمركم إلى الله ، وهناك ستجدون الشهداء والأم الثكلى ، والذين تسببْتم في تشريدهم وإذلالهم ؛ ليشهدوا مع أيديكم وأرجلكم التي ستنطق شاهدة على أفعالكم .

إن حالتنا العربية الراهنة ، لا أقول كما نحن معتادون على قوله ، لا تُسر صديقا ولا عدوا ، نعم هي لا تُسر الصديق ، لكنها بدون أدنى شك تُسر العدو وتُسعده أيما سعادة ، حال دولنا العربية الآن محزن ومبكٍ ومضحك في الوقت نفسه ، فافهموا يا أولي الألباب .

شارك هذا الخبر