الكاتب البحريني جعفر سلمان يكتب: أيها العُمانيون قفوا صفًا وصلوا ركعتي شكر لله

الكاتب البحريني جعفر سلمان يكتب: أيها العُمانيون قفوا صفًا وصلوا ركعتي شكر لله
Atheer - أثير

جعفر سلمان – كاتب وروائي بحريني

لا أذكر بأني ترددت يومًا قبل كتابة أي شيء كما ترددت قبل كتابة هذا المقال، فأنا لم يسبق لي أن قمت بامتداح حاكم أو مسؤول (ويمكنكم التأكد من كل كتاباتي وفي كل مكان)، بل ولم أتصور أن يأتي علي يوم أسخر فيه قلمي لمدح حاكم أو مسؤول، ففي عرفي ما سُنّت الأقلام للمدح، ولكني في هذه اللحظة أخالف ما بقيت ملتزما به منذ أن عرفت الكتابة، فلكل قاعدة في النهاية استثناءاتها.

عمان التي أكتب عنها هنا ليست المدينة الفاضلة، ففيها ما فيها كما في بقية الدول بالتأكيد، فلا تكاد تخلو دولة من فساد مثلًا أو من محسوبية وغيرها من الأمور، صحيح أنني كنت أزورها منذ العام ١٩٩٥ ولا أزال ورأيت بأم العين حجم النهضة العمرانية والاجتماعية، لكن ليس لهذا أمتدح سلطانها.

فمن يعيش في منطقتنا لابد أن يلاحظ في خضم الفتن التي تموج بدولنا وشعوبنا، والتي تتقاذف بنا يمينًا وشمالا، تلك التي أجرت دماءنا أنهارا، لابد أن يلاحظ فنّار عمان الذي كان ولا يزال يضيء أفق ظلامنا الدامس من بعيد ليقول، هنا أرض لا تعرف الفتن إليها من سبيل.

قبل فترة كنت في نقاش مع أحد الأصحاب حول الفتن التي تعصف بمنطقتنا، وكان يرى ضرورة تثقيف المجتمع لكي يستطيع محاربة الفتن، فبحسب رأيه (وأنا أتفق معه) إن الفتن الطائفية وغيرها لا يمكن إلا أن تكون بفعل فاعل، لابد وأن يكون خفافيش الظلام خلفها، ولكني اختلفت معه في طرق التخلص منها حين رأى أن السبيل لذلك هو توعية الناس وتعليمهم كيفية مواجهتها، فالحل الأفضل في نظري هو منعها وقبرها في مهدها وقبل أن تبدأ حتى فذلك أفضل بألف مرة من مواجهتها بعد استفحالها، فأمام عدونا بإشعاله الفتن نتيجتان، فهو إما أن يربح أو على أقل تقدير سيرهقنا ونحن نحارب الفتن التي يُشعلها، وفي الحالتين نحن الخاسرين.

ساذج من يعتقد أن إشعال الفتن يحتاج إلى الكثير من الجهد، فالبيئة القابلة متوفرة بسبب تقسيماتنا العرقية، الدينية، الفكرية وحتى القبائلية، وبسبب فشلنا كشعوب في فهم حقيقة وجود الآخر المختلف وضرورة تمتعه بحق الاختلاف، فالفتنة لا تحتاج إلا لسفيه من هنا وسفيه من هناك، ليشعلان شرارة تتلقفها الناس من بعدهم، لينفخوا فيها فتغدوا نارًا عظيمة لا تبقي ولا تذر.

نعم الفتن يمكن أن تُشعل ببساطة، لكنها لا تنطفئ إلا بعد أن تحرق الأخضر واليابس، هذا إذا انطفأت، فالحمقى كُثر، والمتعصبون أكثر، وكلهم للأسف يعتقدون بأنهم سيخرجون منتصرين من الفتنة، وأغلبهم لا يعي سذاجة وحماقة ذلك الاعتقاد إلا بعد فوات الأوان، هذا إن لم يحاولوا إعادة الكرة مرة أخرى على أمل الخروج بنتائج مختلفة.

بصراحة لا أعتقد بأن هناك بقعة على وجه الأرض قد وصلت لما وصلنا إليه من عشق التناحر والاختلاف، لا أعتقد بأن هناك بقعة على وجه الأرض يمكن أن نرى فيها اثنين من الملاحدة مثلًا يتشاجرون في مواقع التواصل الاجتماعي بسبب خلاف ديني بين هذه الطائفة وتلك إلا في هذه البقعة التي نعيش فيها، بل لا أعتقد بأن هناك بقعة على وجه الأرض يمكن أن يصنف جميع الناس فيها باعتبار خلفيتهم الطائفية إلا هذه البقعة فبات لدينا شيوعي سني، ملحد شيعي، قومي درزي، ليبرالي أباضي …إلخ

في خضم تلك الفتن بقت عمان صامدة، تصد خفافيش الظلام الذين أرهقتهم حكمة القيادة فيها ووعي شعبها، فعمان باتت مثالا لحكمة لا يراد لها البقاء، مثالا لأمل يُراد له أن يُقبر في مهده، بل باتت عمان بحكمة قيادتها تشكل حالة استثنائية عرفنا من خلالها أننا كشعوب يمكن أن نرتقي عاليًا لمصاف الإنسانية، بعدما كدنا نعتقد بأننا لا نصلح إلا للتناحر والبغضاء وبأننا باقون في قعر الحضارة، نعم باتت عمان تشكل الأمل للنجاة لذلك كان ولا يزال أبناء الليل يحاولون جرها لمستنقعهم، ولكن بحمد الله ومنته بقت عمان تصرخ في وجههم “هيهات، هيهات”

ربما يعتقد البعض أن للأمر علاقة بعقوبات غليظة تنتظر مثيري الفتن، وربما يكون ذلك صحيحًا إلى حد ما، ولكن يبقى هناك العمانيون أنفسهم يشكلون حائط الصد الأول والأقوى في وجه الفتن، فالعقوبات يمكن أن تصد قليلًا من الفتن لكنها لا تصمد لوحدها أمام طوفان الفتنة الذي يضرب إقليمنا، فلولا وعي هذا الشعب الرائع لما نجا بلدهم، فأنا لي العشرات من الأصدقاء في عمان لا أعتقد بأني انتبهت لأحدهم يومًا يأتي على ذكر الطوائف، لا بالخير ولا بالشر، وكأن تلك المسميات المنتشرة في منطقتنا من قبيل (سني، شيعي، علوي، أباضي، اسماعيلي … إلخ) لا تعني لهم شيئًا، بل وكأنها ليست موجودة أصلًا في قاموس مفرداتهم.

مع ذلك ومع وجود العقوبات الرادعة والشعب الواعي لا بد من وجود قائد حكيم يعرف كيف يقود سفينته شاقًا بها أمواج الفتن، سائرًا بها نحو بر الأمان، وقائد عمان وللأمانة نجح وبامتياز في النأي ببلده وأهله عن السقوط في تلك الحفرة التي لا قرار لها، فكما يقال إن الحكمة هي وضع الشيء في موضعه الصحيح، وقائد عمان أثبت أن لديه الكثير من تلك المسماة بالحكمة حين نجح في وضع بلده في موضعه الصحيح.

أعزائي العُمانيين، بل أحبتي العُمانيين: ربما يوجد بينكم من لا يزال غير مقتنع بما كتبت، أقول ربما لأني لم أجد أحدًا منكم إلى الآن يختلف مع ما كتبت، لكن إن حدث ووجد فأرجو منهم أن يتوقفوا قليلًا، أن يصمتوا قليلًا، أن يتأملوا قليلًا، أن ينظروا إلى محيطهم ثم ينظرون إلى بلدهم، حينها سيعرفون حجم النعمة التي أنعم الله بها عليهم، أحبتي لقد كنت جادًا وأنا أكتب العنوان، فقوموا يا أصدقاء وصلوا ركعتي شكر لله، اشكروه على قيادتكم التي نجحت وبامتياز بالعبور بكم في بحر الفتن، تلك الفتن التي لم تبق بلدًا إلا وأغرقته، فالنعم تبقى وتدوم بالشكر، وأنتم يا أعزائي في نعمة عظيمة أدعوا الله أن يبقيها لكم، نعمة يُراد لها من قبل البعض أن تزول.

ملاحظة أخيرة: أقول فيها لقلمي، عذرًا يا قلمي، لقد خالفت عهدًا بيني وبينك، عهدًا لم أفكر يومًا في النكث به، فعذرًا منك لكن يبقى هذا هو السلطان قابوس بن سعيد.

شارك هذا الخبر