أثير- د.عبدالله باحجاج
لم تتورط قمة الرياض باتخاذ قرار خطير ، يتورط معه المسلمون والعرب بصفقة القرن التي كنا نخشى مباركتها في هذه القمة من أجل تمريرها على القمة العربية المقبلة في الرياض ، فقد جاء بيان القمة الخليجية خاليا من ذكر صفقة القرن أو أية تسوية مختلة تسقط الحقوق الإسلامية الثابتة والمتعارف عليها ، وتلغي المرجعيات الدولية للصراع العربي الإسرائيلي .
وهو ما كنا نحمل هاجسه بقلق كبير ، وحذرنا في مقالنا السابق المعنون ” قمة الرياض الخليجية ..وبعيدا عن جدلية المشاركة القطرية ، هل نتائجها ستكون محطة عبور للقمة العربية ؟ ” من تجاهل ردة فعل المسلمين بما فيهم الخليجيون، وقلنا في هذا المقال ، بأن قرار النجاح أو الفشل في ميدان الرباط وبجهاد المرابطين ، وليس في رفاهية القصور ، فرجال المقاومة هم من سيحدد مصير التسويات من حيث نجاحها أو فشلها ، وكذلك قرار الحرب .
وهذا لا يعني أن قضية صفقة القرن لن تنتقل الى القمة العربية المقبلة في السعودية ، بل قلقنا لا يزال قائما وبقوة ، فهناك أطراف عربية مؤثرة تقف مع بعض الأطراف الخليجية التي تروج لهذه الصفقة ، وتمارس ضغوطات كبيرة على الفلسطينيين لقبولها ، وهم حتى الآن- أي الفلسطينيين – في رفض تاريخي شجاع لها ، ولن يقبلها أي فلسطيني في صيغتها المعلنة .
لأنها صفقة كتبها العدو ، ويحاول تمريرها على أعدائه بوسائل مختلفة ، من بينها تدمير دول ، وترهيب أخرى في وجودها ، وتخويف أخرى بأخرى ، فمثلا لو حاولنا معرفة حماس الدول الخليجية لصفقة القرن ، سنجد أكثر ما يدفعها إليها ، جزئية تشكيل تحالف عسكري شرق أوسطي بإشراف امريكي لمواجهة الرعب الذي ضخمته إدارة ترامب ونتانياهو في وجه دول مثل الرياض وابوظبي ضد ايران ، خاصة بعد ما صنف حزب الله ، كقوة ايران الأولى المستهدفة التي ينبغي تدميرها ، وقد بدأت ملامح الاستهداف واضحة الان .
ومعها يبدو أن الازمة الخليجية الخليجية التي اندلعت في يونيو الماضي بين دول المقاطعة الثلاث الرياض وابوظبي والمنامة ضد الدوحة ، ستأخذ السيناريو الذي ظهر في قمة الرياض الأخيرة ، الدوحة موجودة ، وهي غير موجودة، هذا هو الوضع الذي يبدو أنه مقبولٌ من كل الأطراف تحت ضغوطات أمريكية ، لدواعي التنسيق وتوحيد جهود الخليج لمواجهة التحديات الأمنية المشتركة لمرحلة الاستهداف الإيراني على أراضي دولة عربية .
لذلك ، لم تسمع نداءات أمير الكويت الشيخ صباح الأحمد بوقف الحملات الإعلامية ، التي نعتها بتوصيفات تعبر عن خطورتها المقلقة ، فقد وصفها صراحة قائلا ” مست مبادئنا ، وزرعت بذور الفتنة بين أبنائنا ، وستدمر كل ما بنيناه ” هنا تحذير رفيع المستوى من زعيم سياسي مخضرم ، للأسف كانت بمثابة صرخات في صحراء الربع الخالي ، ولو خرجت القمة بالاتفاق حول مناشدات أمير الكويت ، ونجحت في تطبيقاتها ، لكان ذلك أهم مؤشر على وجود نوايا حقيقية للمصالحة ، وشكلت الأرضية المتفائلة لتصحيح الأخطاء التاريخية ، وتصويب المسيرة المشتركة رغم ما فيها من الآلام ، وتعقيدات سيكولوجية قاسية جدا ، لأننا ينبغي أن نتفهم سيكولوجية الشعب القطري من استمرار حصار ومقاطعة ” 555″ يومًا حتى الآن .
واستمرار الحملات الإعلامية غير الأخلاقية ، وإطلاق الذباب الإلكتروني قبل القمة وأثنائها وبعدها ، له أكبر الدلالات على عدم توفر النوايا الصادقة للمصالحة ، من هنا ، فقد جاء البيان الختامي للقمة فوق الواقع ومآلاته ، أخذ منحى ” الطوباوية والديموغوغية ” لأن القرارات لا يمكن تحقيقها في ظل الظروف الراهنة ، بل وتبدو بعضها متناقضة مع نفسها .
مثلا ، التأكيد على دور مجلس التعاون في مواجهة تحديات المنطقة مع الحرص على قوة المجلس ووحدة الصف بين أعضائه ، كيف يمكن بلورة هذا القرار في ظل الحصار والمقاطعة وفي ظل الحملات الإعلامية وقد حطمت كل مبدأ أخلاقي إنساني وأخوي ؟ كيف يمكن بلورة ذلك الهدف الذي هو مطلب كل شعوب الخليج ، والقمة لم تتخذ قرارا يلزم كل الأطراف بوقف حملات الذباب الالكتروني واقلام السلطة ؟
والمفارقة المتناقضة مع الواقع ، ما أكده البيان الختامي من تأكيد القادة على أهمية التطبيق الشامل لبنود الاتفاقية الاقتصادية بين دول المجلس وخاصة تذليل العقبات أمام تحقيق السوق الاقتصادية المشتركة ، فكيف سيتم ذلك ، وإحدى دوله تتعرض للحصار والمقاطعة ؟ والمفارقة نفسها ، دعوة القمة إلى التسامح ، وهناك دول رئيسية تفتقر لأهم مقوماته ، وحملاتها الإعلامية تصنع الكراهية وتزرع الفتنة بين الشعوب الخليجية .
لم تظهر قرارات القمة صادقة مع الواقع إلا في قضايا إقليمية ساخنة ، مثل الأزمة في اليمن وفي سوريا ، فقد عبرت بصدق عن رهاناتها للحل السلمي ، ربما تحت ضغوطات دولية ، وعلى رأسها ضغوطات ترامب لحملها على التفرغ لتحقيق اجندة جديدة ، قد اشرنا اليها لاحقا ، لذلك ، سيحمل الفرقاء في اليمن على التوصل الى اتفاق سلام ، وستنفرج الازمة السورية باتجاه بقاء الأسد ، والتعامل معه خليجيا .
أما أزمة الأشقاء في الخليج ، فستظل قائمة مع السماح بالحد الادنى من التعاون في مجالات التنسيق الأمني والعسكري الذي يهم الشرق الأوسط الجديد الذي يكون فيه الكيان الصهيوني قائدا موجها ومؤطرا لهذا التكتل – يراجع مقالنا السابق ففيه ادلة من مصادر قوية -.
لذلك سيغلب على العلاقات بين الدول الست الطابع الثنائي ، وهذا ما أظهرته للسطح قمة الرياض من انكشاف الثلاثية الخليجية المنقسمة داخل القمة ، الأول تمثله الرياض وأبوظبي والمنامة ، والثاني الدوحة ، والثالث مسقط والكويت ، وهذا كله يعني ان العقلية الخليجية التي يفترض ان تستفيد من التجربة الماضية ، ظهرت الآن انها بعيدة تماما عن اية عقلانية مرجوة ، وهي تسير في طرق مليئة بالمخاطر غير المحسوبة ، وبالتالي غير متوقعة النتائج .
وربما تكون مسقط قد استشرفت هذه التداعيات مسبقا عبر تمرير حقها في استضافة القمة ، ودخولها مع كل الأطراف – بصورة فردية – في مفاوضات متعددة المصالح الثنائية بغية مواجهة التحديات المشتركة معها ، والتي آخرها كان الاجتماع الأمني رفيع المستوى مع الرياض بهدف تعزيز التنسيق الأمني بين البلدين .
ويبدو أن مسقط بمثل هذه المبادرات الثنائية ، تتمكن من اختراق النجاح على المستويين السياسي والاقتصادي ، بحيث أصبحنا نسمع مؤخرا تصريحات من الجانب السعودي عن مصالح اقتصادية مقبلة بين البلدين ، فهل هذه مؤشرات على انفتاح الاقتصاد العماني على أكبر اقتصاد عربي ؟ وهل ذلك سيكون عبر الأراضي العمانية ” محافظة ظفار ” المطلة على أهم الممرات العالمية المفتوحة والآمنة أم عبر المكلا اليمنية المجاورة للبلدين والتي تطل بدورها على الممرات نفسها ، لكنها تفتقر الآن لعنصر الأمن والاستقرار ؟
منذ فترة طويلة ، لم نشهد التناغم والانسجام العماني السعودي مثلما نراه الآن ، مع احتفاظ مسقط بنفس علاقاتها مع بقية الدول الخليجية عربها وفرسها ، بمعنى انها لن تكون على حساب طرف من الأطراف في المنطقة ، لكننا نسجل ميزة آنية تميل لصالح التناغم بين الرياض ومسقط ، فهل وراءها الأزمة الخليجية الخليجية ؟ ربما ،وهل وراءها إكراهات التحديات اليمنية وخاصة ما يجري حاليا في حضرموت والتي أصبحت والمهرة من عبث بهذه الجغرافيا الملاصقة للجغرافيا العمانية ؟ ربما ، هل وراءها كذلك ، إنضاج القناعة العمانية بمستقبل منافعها الاقتصادية مع الدول الإقليمية التي تدق صدرها دون أن نرى آثاره ؟
كل الخلفيات في التناغم العماني السعودي مسلم بها ، وتحتمه الآنية وآفاقها المستقبلية ، لكن نتمنى أن يكون وراءه رؤية عمانية طويلة الأجل ، تأخذ بعين الماضي والحاضر والمستقبل ومن كل الاتجاهات والأبعاد ، ومن رؤية التكامل مع الاقتصاد الخليجي في إطار الرؤية الاقتصادية التي انبثقت من رحم المنظومة الخليجية للدول الست مع التسليم بظرفية الخلافات الخليجية الخليجية وحتمية عودة قطر للعمل الخليجي الجماعي سريعا .
ودون ذلك ، سيظهر مشهدنا إذا ما استمر طويلا بتقسيماته الثلاثية الداخلية ، كمن يمزق روابطه ومقوماته وقواه المتعددة .. بنفسه ، ويجعلها تأخذ مسارات يمينية ويسارية .. تستقوي بها قوى لا تريد الخير للوحدة الخليجية ، نعلم بأننا نصرخ كذلك في واد سحيق ، لكن لدينا إيمان كبير بالمصير المشترك للدول الست ، وأن ذلك خيارا استراتيجيا .. لكننا نخشى ، ونعلي هنا من خشيتنا ، من تحطيم القيم والأخلاق في النزاع بين الأشقاء .. فذلك مؤشر على نهاية كل فاعل أو دولة ، فلندرس التاريخ الإنساني ، لنرى دور الأخلاق في بناء الأمم وانهيارها -سيكون لنا مقال خاص حول دور المبدأ الأخلاقي في نهاية الدول وحضاراتها – إن شاء الله .






