‏محمد الهادي الجزيري يكتب: رُكّاب الزوارق الورقيّة لـ ‏عبير سليمان

‏محمد الهادي الجزيري يكتب: رُكّاب الزوارق الورقيّة لـ ‏عبير سليمان
‏محمد الهادي الجزيري يكتب: رُكّاب الزوارق الورقيّة لـ ‏عبير سليمان

 ” كلّ تلك الفزاعات
‏وبيادري خالية من السنابل والعصافير “


‏محمد الهادي الجزيري

‏كتاب اليوم متن عاطفي صرف جيّاش ..باحت خلاله عبير سليمان بالحبّ للآخر ..للناس والأرض وللوطن ..، لقد أدمنت هذا الكتاب منذ أن وصلني ..، واليوم أفتحه للآخرين ليتذوقوا الشعر الصافي بعد أن شربت منه ما تركني سعيدا ومندهشا ..، أبدأ باعتراف الشاعرة أنّ الحبّ غايتها وديدنها ..تقول أوّلا وقبل أن تغوص في المحبوب :

‏” لا يكفيني نصف الدنيا
‏ولا يعنيني فردوس الآخرة..
‏تغريني الكنوز التي لا تنضُبُ
‏لذلك
‏أحبّك..”



‏في قصيدة عاشقة عنوانها ” أنا عشرٌ في يدك ” تلجأ عبير إلى امتلاك الفتّان امتلاكا لا مهرب له منه ، توّزع ذاتها فيه وحوله …وتبحث عن حيل أخرى لم يفكّر فيها إنسان آخر من قبل حتّى تتمكّن منه تماما ..، فهي المفردة وحدها التي يحقّ لها أن تكتبه ..وهذا معنى أخاله جديدا ..فلم أسمع شاعرا يدّعي الاستحواذ على رسمه في الورقة ..، ثمّ تصبح مثنّى فتتخاصم عليه ..خلاصة الأمر ..هذه هي القصيدة التي نالت إعجابي وانبهاري :

‏” أنا
‏واحدة تكتبك،
‏اثنتان تتخاصمان عليك،
‏ثلاث يغتبنك،
‏أربع أمام دفتر العائلة،
‏خمس في عيون حسادك،
‏ستّ نذرن الفساتين لرفقتك،
‏سبع في أسبوعك،
‏…
‏عشر في يدك،
‏مائة في رصيدك،
‏وألفٌ
‏ي ع ش ق ن ك “







‏حتّى التعب تجد له لغة تليق به ..فلا مكانا يلوذ به حين ينسدل المساء إلاّ هي ..، حقيقة هذه الشاعرة رهيفة حدّ الانكسار ..فكيف تضطر لغسل الأكواب للمرّة السادسة ..استجابة للشجن الذي لا يجد مكانا لائقا به ..مأوى وملجأ يفرّ إليه …تقول في قصيدة عنوانها
‏” البلاغة رصاصة واحدة في الجبين “:


‏ ” التعب،
‏أن تضطر لغسل الأكواب ذاتها مرّة سادسة،
‏منذ صار الحزن يعود إلى بيتك مساء لأنّه
‏لا يجد مكانا آخر يلجأ إليه “



‏أمّا الغبار المتفشي في كلّ مكان .. المتفاقم المتخايل الذي لم يجد من يقصيه ..هذا الساخر منا والراقص في مآتمنا ..فإنّها تعتني به جيّدا وتوصي به أحفادنا والذين سيأتون من بعدنا ..بأن لا يحرثوه ولا يبذروا أحلامهم فيه ..فما هو إلاّ غبار سيزول يوما ما …

‏” لا بأس بالغبار،
‏نتركه إرثا لأحفادنا،
‏نكتب عليه وصيّة أخيرة:
‏لا تحرثوه،
‏لا تدعوه يحرسكم “



‏ذنبك أنّك مبدعة ..تجيدين الكتابة عن النفس البشرية ..أودّ أن أشكرك على هذه المجموعة الجديدة وعلى صبرك ونضالك كي تكتبي نصّا مغايرا يثير الدهشة والافتتان ..، ليس سهلا أن تكوني مخلصة لذاتك في زمن الحضيض ..، فلا تعدّي ذنوبك وغنّي لا عليك ..فالناس كانوا ولا زالوا جاحدين لكلّ مجهود وكلّ جديد:

‏” ووقفت أمام الناس أعدّد آثامي
‏لم تكن كثيرة
‏لم يغفر لي أحد..”


شارك هذا الخبر