أثير- د. عبدالله باحجاج
ما خرجنا به من انكشافات من جولة استقصائية وبحثية عن القات في محافظة ظفار يحتم علينا دق ناقوس الخطر عاجلا ، ليس عن القات فحسب وإنما عن مختلف أنواع المخدرات وظواهر أخرى مثل التدخين واحكام الخناق عن المسكرات
لماذا ؟ لأن قوى الشر في ظفار تنتصر بصورة مقلقة رغم القانون المشدد ، ورغم الزج بمن يلقى القبض عليهم في السجن ، الا أن ظاهرة القات قد أصبحت تتناول بالأيدي بين الشباب وكذلك الأطفال .
ولو أجرينا مقارنة سريعة بين انكشافاتنا السابقة التي تناولناها في مقالات ورقية عديدة عامي 2016و 2017 وبين انكشافاتنا قبل يومين من توديع عام 2018 ، سنخرج بنتيجة صادمة ، وهى أن انتصار قوى الشر ما كان لها الانتصار لو لا وجود عوامل كثيرة تسهم في نجاحها ، وكأن قوى الخير في مجتمعنا ليست معنية بها .
وهذا يعني من حيث المبدأ ، أن الجهود لم تنجح حتى الآن سوى في القاء القبض على الأغلبية من التجار والمروجين والمتعاطين ..واحالتهم الى القضاء ومن ثم الى السجن ، وهذا ليس حلا ، فلابد من حلول تكاملية وموحدة ، وهذه غير متوفرة ، فلو استمر هذا المشهد ، فالخوف كل الخوف على جيلنا المقبل ، وعلى سلامة رجال أمننا ، حيث أصبحنا نفقد بعضهم من جراء معركتنا الأمنية الحصرية ضد قوى الشر .
• ظاهرة القات و أخر تطوراتها .
لو اعتمدنا على الاحصائيات التي توفرت لنا من خلال استقصاءاتنا ، فيكفي من خلالها التسليم بدق ناقوس الخطر ، وسنعتمد كذلك على تقييمات رجال الميدان الموثوقين الذين استعنا بهم بحكم علاقتهم المباشرة بمثل هذه القضايا ، أمثال سعادة الشيخ أحمد الخروصي رئيس محكمة الاستئناف بصلالة وبعض المحامين الذين ترافعوا مؤخرا في قضايا القات والمخدرات ، وكذلك تصريحات لمصدر أمني رفيع في ظفار للزميل سيف المعولي نشرها مؤخرا .
أولا : ارتفاع قضايا تهريب القات .
من (26) قضية تهريب عام 2016 ، وعدد متهميها (59) متهما وبكميات ضخمة جدا ،ارتفع العدد عام 2017 إلى (58) قضية تهريب ، وتم القاء القبض على (156) متهما وبكميات أضخم ، أي إن الزيادة السنوية بلغت (44،8%) وهي عالية جدا .
ثانيا : الارتفاع من منظور الاحكام القضائية .

خلال زيارتنا لرئيس محكمة الاستئناف مؤخرا ، حصلنا ” حصريا ” على الإحصائية المنشورة أعلاه ، وفيها توضح عدد قضايا المخدرات في محافظة ظفار بما فيها قضية القات ، خلال آخر ثلاث سنوات الماضية ، 2018، 2017، 2016، والمتأمل فيها سيلاحظ حجم الزيادة المرتفعة قضائيا ، والمدهش فيها ، عامل السن ، فقد انضم سن (17) عاما الى قائمة المتعاطين والمروجين والبائعين – تأملوا في الجدول – وتوقفوا عند دخول سن ( 17 – 55) عاما خلال العام المنصرم 2018 ، وقد بدأ هذا المؤشر المقلق ، كاشفا بهذا التحول في اعمار التجار والمتعاطين والمروجين عندما انخفض كذلك السن الأعلى من (58) عاما سنة 2016 الى (55) عاما سنة 2017 ، والادنى من (18 الى 17) عاما – وفق الجدول – .
ولا يبدو أن هناك من يتابع ويحلل مثل النتائج السلبية ، لذلك تحدث مثل هذه القضايا الخطيرة في صمت شبه عام ، وتحت سقفنا الاجتماعي ، وهنا تكمن الخطورة ، فلو كان هناك من يهتم بها ، لما ظل المجتمع غائبا أو مغيبا عنها ، لكن ، هل ستحركه الان مثل هذه الحقائق ؟ وما اخفي اعظم ، من هنا لن ننشر النسبة المئوية التقديرية التي حددها لنا سعادة الشيخ احمد الخروصي للمتعاطين في صفوف الشباب ( ..%) ونسبة الأطفال المتعاطين ( .% ) وهما نسبتان تدعوان الى اعلان التعبئة المجتمعية عن القات خصوصا وبقية المخدرات والمسكرات عامة .
من المؤكد أن هناك اختراقا رهيبا ومحيرا لفئة الأطفال والشباب ، فقصة القاء القبض على حدث من الاحداث لم يصل سن (18) عاما وهو يروج للقات عبر وسائل التواصل الاجتماعي ، تدلل على أهمية سرعة التعبئة ، وتدلل على أساليب التغرير ووسائل استهداف هذه الفئة العمرية .
كما تدلل على أهمية استصدار فتوى تحرم القات صراحة ، فعدم وجودها يتم تسويق القات بين الشباب على انها حلال ، وهنا تعرضنا لقصة غريبة نتيجة هذا الفراغ فقد حدثنا شخصا أنه اكتشف اخاه المتزوج يتعاطى القات ، فحاول لوحده حل مشكلته ، لكنه لم ينجح ، ولما استصعب عليه الامر ، استعان بوالدته ، لعلمه بمكانتها عند أخيه ، فتدخلت الام غاضبة ، فما كان من هذا المتعاطي أن حمل امه وزوجته الى الجوار اليمني ، وكشف لهم ميدانيا أن القات يتعاطى بين عامة الناس .
فهل نتوقع صدور مثل هذه الفتوى عاجلا ؟ لدواعي سد الذرائع ، ولدواعي التناغم والانسجام بين قانون يشدد عقوباته على القات ، وقد تصل الى الإعدام وبين عدم وجود فتوى تحرمه ؟ كما الحاجة قد وصلت الى ضرورة مراجعة كذلك وضع المسكرات في بلادنا ، وقوانينها في اطار رؤية شاملة ومتكاملة للحفاظ على نظافة المجتمع وسلامته .. فالمرحلة التي تعيشها بلادنا في اطار كونيتها ، تستدعي من جهتها اعلاء شأن منظومة القيم والأخلاق في بلادنا ، وتحصينها بتشريعات محكمة وبرقابة فعالة ، والعمل في الوقت نفسه على حل الأسباب والمسببات التي تنتج مثل تلكم الظواهر .
تساؤلات للضمير .
دعونا نطرح مجموعة تساؤلات افتراضية ، تمهيدية لهذه القضية الكبيرة ، بهدف وضع ذواتنا الفردية والجماعية والمؤسساتية أمام مرآة الضمير في هذه القضية ، لكي تتجلى لضمائرها حجم مسؤولية ذواتها فيها .
س : كم من أولياء أمور الطلبة يملكون التأكيد القطعي بان أبناءهم صباحا يكونون على مقاعد دراساتهم في المدرسة أو الكلية .. ومنها يعودن الى منازلهم ؟
س : هل يعلم كل ولي امر متى يدخل ابنه المنزل ، ومتى يخرج منه ، ومن أصحابه؟
س : كم من ولي أمر تستدعيه المدرسة أو الكلية بشان غياب أو تسرب ابنه ؟
س: هل يمكن أن يجزم كل ولي أمر أن ابنه وهو في سن الطفولة والشباب لا يتعاطي ” قات” الان على الأقل ؟
س: هل كل من شرف بحمل امانة جيل المستقبل في أي موقع من المواقع .. على ثقة كاملة بانه يؤديها على اكمل وجه ، وأنه مستعد لملاقاة ربه بها ؟
س: هل ظاهرة القات مؤشر على تقاطع ظواهر بقية أنواع المخدرات ؟
س: لماذا لم تصدر حتى الان فتوى تحرم ” القات ” ما دامت العقوبات قد غلضت ووصلت الى مستوى الإعدام ؟
س : هل يتم وضع في القات اية مواد مخدرة إضافية ؟
س : التشديد في قوانين القات وبقية المخدرات ، هل ينبغي أن يتبعها التشديد المماثل على المشروبات الكحولية ؟
س: هل وصلنا لمرحلة تقييم وتقويم منظومتنا القيمية والأخلاقية في التشريعات ودور الرقابة في ضوء تحذيرات مساعد مفتى عام السلطنة الأخيرة .
تلكم التساؤلات في مضامين حيثياتها تكشف عن المناخات العامة التي تنتج قضية القات وغيرها من المخدرات والخوف من المسكرات ان تتبعها تلقائيا ، والاشكاليات المصاحبة لها ، وتجعلها تتزايد بصورة تحمل الكل المسؤولية دون استثناء حتى لو قام أي طرف فيها بدوره ، فالأدوار هنا تكاملية ، ولن يزعم أي طرف بان دوره لوحده كافيا لحماية أطفالنا وشبابنا من هذه الافات الفتاكة والتي أصبحت تؤدي الى الإعدام .
فمن المؤكد أن الحل ليس في تغليظ القوانين ، أو الزج بالآلاف في السجون في ظل غياب أدوار الشركاء الاخرين مادام هناك مناخات واسباب تقذف بالأطفال والشباب الى الارتماء في أحضان تجار القات ومروجيها ” وهي عديدة ” واغلبها سنجدها في مضامين التساؤلات السالفة الذكر ، وسنجد في مقالنا المقبل – استكمالا لهذا الملف – ان هناك اعدادا كبيرة من فئة الشباب ، ستنضم الى هذا الضياع المدمر لذواتها ومن حولها ومجتمعها ووطنها ، وهي تنتجها سياسات يجب وقفها فورا ، وهذا من ضمن انكشافاتنا الاستقصائية .






