أثير- د.عبدالله باحجاج

جاءني يتساءل قائلا : ما مصيري بعد فصلي من كلية التقنية بصلالة ؟ لم يتح لنا الفرصة كي نقاطعه، فقد واصل حديثه في انفعال وحماس كبيرين، ماطرًا بمجموعة من التساؤلات دون توقف، مثل هل سأنضم لأخي الباحث عن عمل أو أبي المتقاعد .. ؟ من أين سأحصل على مصروفي اليومي؟ فالكلية تمنحه مصروفا شهريا يتفاوت حجمه باختلاف مسقط رأس الطالب.. وفي كل الأحوال يشكل مصروفا يخفف من أعباء أولياء الأمور المثقلة بالتزامات لا نهاية لها.
وكم كانت صدمتنا كبيرة، عندما تبدد اعتقادنا بفردانية هذه الحالة، وان هناك اعدادًا كبيرة تتنظر الفصل في هذه الكلية لوحدها فقط، فقد كنت أعتقد بأنها حالة خاصة بهذا الطالب، وأن جزءًا من حلها، هو أن يفرغ المهموم همومه لمستمع منصت وناصح أمين، ثم فتح ملفه لعل جهدا خاصا ينجح في منحه فرصة البقاء على مقاعد الدراسة، فقد حدد لنا أحد أولياء أمور الطلبة (200) طالب وطالبة ينتظرون الفصل، نزلنا الميدان المستهدف، وفتحنا حوارًا مع أحد الأطر التدريسية، وكانت تقديراتها أعلى من التقديرات السابقة ، وهذه صدمة أخرى، رفع عندنا هاجس الاستقصاء على المعلومة الدقيقة.
وكان ليل اليوم التالي طويلا، فقد كنا نحسب ساعات الشروق حتى نبكر بحثا عن صحة هذه الأرقام المزلزلة، فلم نجد الشفافية المتوقعة من مصدرها، لكننا تمكنا من معرفة المفصولين عام 2017، وهو (92) طالبًا وطالبة من مصدر رسمي يرفض الكشف عن هويته ، معتبرا هذا الرقم أقل من السنوات السابقة، والاعتراف بهذا العدد، هو في حد ذاته كبير جدا، ولن نقصي الأعداد التقديرية المزلزلة سالفة الذكر، لأن العدد المعترف به يتجاوز المعقولية.
وهذا يضع علامات استفهام كبيرة على الوضع الأكاديمي في هذه الكلية، ويفتح لنا الآفاق كذلك لبحث قضية الفصل في الكليات والجامعات الأخرى سواء داخل محافظة ظفار أو على مستوى عموم الوطن ، ونقترح عمل دراسة عن الأعداد المفصولين في كل محافظة من محافظات البلاد ، والكشف عن مسارات الطلبة واتجاهاتهم بعد الفصل، وعلاقة الفصل بالكثير من الظواهر التي تعاني منها كل محافظة ، مثلا ظاهرة المخدرات ، وعلى وجه الخصوص القات التي فتحناها بالأرقام والإحصائيات المزلزلة كذلك في آخر مقالاتنا عبر ” أثير “.
فهل هناك علاقة بين الزلزالين ؟ لابد من دراسة استقصائية تحليلية سريعة ، رغم أن تصورنا الذهني لأعداد المفصولين سيقودنا إلى مجموعة استنتاجات افتراضية أقرب للواقع ، وستتماثل مع الواقع إذا ما علمنا ان هناك الآلاف من الطلبة ينتظرون فرصة تعليم جامعي ، مثلا كلية الفنية ” البحرية سابقا ” في منطقة ريسوت ، وقد أوضحنا في مقال سابق العدد (300) طالب وطالبة ، بينما رفعه مصدر أكاديمي امس الأول إلى (500) طالب وطالبة ، ولو استخدمنا منهجية القياس فمن المؤكد أن مؤشراتها ستكون مقلقة جدا.
وأعداد المفصولين الكبيرة سنويا في مؤسسات التعليم الحكومية تُلزمنا الغوص في الأعماق ، لأننا لا يمكن قبول مبرر وصول هؤلاء الطلبة الى مستوى “الملاحظة النهائية ” المستوجبة قانونا للفصل ، ويكون مصير الكثير منهم الشارع ؟ وما أدراكم ما يعانيه الآن الشارع ؟ وكم ضحاياه يسقطون في مستنقعاته المدمرة ؟
نتائج استقصاءاتنا للميدان كشفت أن (90% ) من المفصولين يكونون من السنة الأولى ، وهنا علينا البحث عن الأسباب ، فهذه السنة هي مرحلة انتقالية للطلبة من نظام التعليم العام إلى النظام الأكاديمي الذي يكون فيه الطلبة غير جاهزين لهذه المرحلة الأخيرة ، وبالذات في اللغة الإنجليزية والرياضيات بسبب ضعف تأهليهم وتأسيسهم في مرحلة الدبلوم العام ” الثانوية العامة سابقا ” ويرجع ذلك كذلك الى النظام الاكاديمي الذي يمنع تحويل التخصص للطالب ، وكذلك يلزم الطالب الحصول على المعدل التراكمي ” 2 ” وإلا ، فإنه يدخل في أربع ملاحظات قبل فصله ، هل هناك أسباب أخرى ، كأن يكون في المنهج أو في توصيل المنهج للطالب أو في الأسرة … ؟ من المؤكد هناك عوامل كثيرة ومشتركة تتقاطع مع ظاهرة الفصل ، وهي ليست حصريا على كلية التقنية بصلالة ، بل كل الكليات والجامعات في البلاد.
ومهما كانت الأسباب ، فالفصل ليس حلا ، ولن يشكل ردعا للآخرين ما دام هناك اختلالات بنيوية – قد اأشرنا اليها سابقا – بل يأزم ويعمق ويوسع مجموعة مشاكل اجتماعية وأمنية ، لذلك لابد من وقف قرارات الفصل فورا ، وفتح حوار عاجل وجماعي بين إدارة الكلية وأولياء أمور الطلبة لاطلاعهم على أوضاع أبنائهم ، والاشتراك في إيجاد الحل ، ودون ذلك ، فإن طرد المئات من الطلبة – إن لم يكن الآلاف – سنويا من مقاعد الدراسة الأكاديمية ، سيُسارع قوى الشر إلى استقطابهم فورا .
وكل من قرأ آخر مقالاتنا المعنون باسم ” أحكام بالسجن تصدر في قضايا القات كل أسبوع .. وضحاياه أطفال وشباب ” ستربكه قضية الفصل من الكليات والجامعات ، خاصة عندما يقف على واقع الانتشار الكبير ، وعدد الأحكام المشددة التي تصدر في قضايا المخدرات والقات على الخصوص ، والعامل السني للمتعاطين والمتاجرين والمروجين .. مما يمكن اعتبار كل مفصول حالة مستهدفة لقوى الشر ، وبالتالي “مشروع متعاطٍ” .
وهم سيكونون مشاريع أكثر جاذبية ، وأسهلها حتى من حالة الباحثين عن عمل ، أتدرون لماذا ؟ لفقدان الأمل على عكس الباحثين عن عمل ، فالأمل في فرصة عمل ، يشكل قوة داخل كينونتهم الإنسانية ، مهما كان حجم هذا الأمل ، الأهم هنا وجود هذه القوة ، وعندما تتحطم ، فنتائجها ستكون معروفة ، والدليل موقف الباحثين عن عمل من الأمل عندما يتسع أحيانا ويضيق أحيانا ، لكن يظل هناك أملا ، على عكس من يفقده نهائيا ، ندعو إلى حل قضية الفصل سريعا ، لأن كل جامعة أو كلية لا تقذف بهؤلاء المفصولين في البحار والمحيطات وإنما في محيط اجتماعي حساس جدا ، ومنفعل ومتوتر جدا ، ويواجه تحديات داخلية وإقليمية غير مسبوقة.
وهناك خطوات أولية عاجلة لابد أن تتخذ فورا ، وهي :
– وقف الفصل الجديد في كل جامعة وكلية.
– تشكيل لجنة وطنية من كفاءات غيورة على الوطن وأولياء الأمور .
– فتح ملف التجنيد العسكري لكل شاب لم يحصل على فرصة تعليم جامعي أو يخفق في الاستمرارية في التعليم الجامعي ، فالرهان هنا على التربية العسكرية قد أصبحت ضرورة عاجلة خلال المرحلة الراهنة .
– أن ينضم ممثلون لأولياء الأمور والفاعلين في المجتمع إلى مجالس إدارات الجامعات والكليات ، بدلا من اقتصارها على نخب اقتصادية تمثل الشركات ونخب تمثل الجامعات فقط ، فلو كانت هناك نخب اجتماعية ممثلة في هذه المجالس ، لكبحت جماح الفصل رغم علمنا بأن وزارة القوى العاملة تمارس هذا الكبح في حالات الأعداد الكبيرة ، وبالذات في هذه الكلية ، ورغم ذلك فالأعداد كبيرة .. وتثير القلق المتعدد الأوجه .
وهذه القضية تعزز في المقابل إيماننا بما نطالب به دائما ، وهو استخدام علم السوسيولوجيا الذي يدرس التغييرات الاجتماعية من خلال القوانين والسياسات ، وهو ما نحاول القيام به في الكثير من مقالاتنا الإلكترونية والورقية ، حتى نضع أمام صناع القرار والمهتمين بالشأن الداخلي ملامح للخارطة الوطنية الثابتة والمتغيرات .. من خلال نتائج السياسات والقوانين في البلاد ، فهل هناك من يأخذ بها ؟ ربما علينا إعادة صياغة التساؤل كالآتي ، هل هناك من يهتم بها ؟
ومن ينبغي أن يهتم بها ؟ من المؤكد أن منفذي السياسات والقوانين رغم اأها تعنيهم ، إلا أنهم منشغلون بدوران الميكنة اليومية ، ونادرًا ما قد يرفعون رأسهم لرؤية مثل الانعكاسات الخطيرة ، إذًا، التساؤل لا يزال قائما ؟






