أثير- د. عبدالله باحجاج
لم تعد صحراء الربع الخالي ، كما ينطق مسماها التاريخي ” الخالي ” خالية من أية حياة .. كما لم تعد المقولة التي تردد وصفيًا عن المصير المحتوم لكل من يتوغلها – أي الصحراء- وهي ” الداخل فيها مفقود والخارج منها مولود ” صالحة زمانا ومكانا، فالمسمى لا يعبر عن مسماها أبدا الآن ، والمقولة ينبغي أن نهجرها من ثقافتنا عن هذه الصحراء التي تعد ثاني أكبر صحراء في العالم .
بل العكس ، فقد أصبحت المدن طاردة لكل جانب إنساني ، وستتحول لسكنى الأجساد بينما ستظل الرهانات على الصحراء، والمسير إليها يتعاظم تدريجيا في ضوء مؤشرات الحاضر التي عشناها على الواقع يوم الجمعة الماضية .
أفضل أوقات شد الرحال إليها هي فصل الشتاء – أي الآن – وقد عشنا في قلبها ، ليلة من أروع ليالنا النفسية في منطقة ” الخذف” في أحد مراكز التخييم ، ووجدنا فيه سياحًا عربًا من لبنان الشقيق وأجانب ، الليلة الواحدة للفرد ” سكنا وأكلا ” بعشرين ريال عماني فقط ، وما قيمة هذه المبالغ أمام شعورك النفسي بأنك في قلب صحراء الربع الخالي الذي يتجزأ الآن بين أربع دول إقليمية هي السلطنة واليمن والسعودية والإمارات.

فعلا ، ما قيمتها ، وأنت تشاهد عصرا الشباب ، وقد شدوا الرحال اليها للاستمتاع بالأجواء الصحراوية ، والأطفال يعلبون فوق تلالها الذهبية برمالها الصافية، ما قيمتها عندما يأتي الليل، وأنت تتأمل في النجوم في فضاءاتها اللامتناهية، أو مشاهدة تتبع طلوع القمر رويدا رويدا.. حتى ينتصف في السماء ، ويعكس اكتماله على رمال الصحراء وتلالها الذهبية.. إنه شعورٌ لن يوصف ، ولن يتمكن شخصٌ مثلي من عكس مشاعره بكلمات نافذة للقلوب ، لا يجيدها سوى الشعراء أو المتمكنين من أدوات لغتنا الجميلة ، لكن عزائي أن تلكم الصور الذهنية قد تساعدني على وضع المتصور في تخيلات ذهنية ، لكي يتعايشها وكأنها في الصحراء بتلكم المشاهد والمشاهدات التصويرية.
من أراد الاسترخاء وهدوء الطبيعة البكر ، فعليه بالصحراء ، ومن أراد بيئة للتأمل في مسيره ومدى تناغمه من عدمه نحو مصيره ، فعليه بالصحراء، ليس شرطا أن يكون الوقت قمريا ، ففصل الشتاء كله مواتٍ لشد الرحال للصحراء ، فإذا لم تجد القمر في منتصف كل شهر ، ستجد النجوم في أيام كل شهر ، ستجد ليالي الصحراء دون القمر ، مزدحمة بملايين النجوم في الظلمة التامة ، وكفى بهذا التصور اقترابا للمشهد ، فهل نجحنا؟

هل هناك من يحلم أن يعيش هذه الأجواء؟ الإمكانية متاحة الآن ، فعنصر الأمان متوفر بامتياز ، وثلاثة أو أربعة مراكز التخييم قد انتصبت في قلب الصحراء بمنطقة ” الخذف ” بنيابة شصر التابعة لولاية ثمريت ، لكنها – أي هذه المراكز – التخييم فيها لا يزال عن طريق استخدام الأدوات البسيطة ، فهي تحتاج لتحديث من حيث الكم والكيف ، وبالتالي ، لابد من دعم المواطنين القائمين عليها لدواعي السياحة الداخلية والخارجية المتزايدة عليها ، وهنا لابد من توجيه الشكر لهؤلاء المواطنين على مبادرتهم الصحراوية التي لها الكثير من الأدوار في المنطقة ، فهي لا توفر السكنى فقط ، وإنما تعزز كذلك عنصر الأمان للمكان ، وهي تقدم دعما لوجستيا لمن توغلت سيارته في الرمال ، وقد شاهدنا بأم العين أحد الأصحاب وهو الشيخ مبروك بن أحمد مسن يتدخل لحل مشكلة سياح أجانب توغلت مركبتهم في الرمال قبيل المغرب .
من هنا يستوجب دعمهم من قبل وزارة السياحة ، وكذلك من قبل الفنادق الكبيرة التي تشهد في فصل الشتاء موجات سياحية كبيرة ، فلماذا لا يكون ضمن أجندة رحلتها الشتوية، ليلة أو ليلتين في الصحراء ؟ رغم أن هناك بعض الزيارات للسياح الأوروبيين ، لكن ، قليلة ، وليست في مستوى الطموح ، والإمكانات السياحية ، لا يتوفر فيها عوامل الجذب المريحة ، فالطريق من نيابة شصر إلى منطقة الخذف ترابي ، ويبلع طوله (26) كيلو مترًا فقط ، وخدمة الاتصال غير متوفرة ، وأدوات ممارسة الرياضة كركوب الدراجات في الكثبان الرملية وأدوات التخييم المستقلة .. هي أيضا يفتقدها المكان .

وفي هذه المنطقة ، كشفت أعمال التنقيب عن وجود مدينة أثرية قديمة -يُعتقد أنها مدينة ارم ذات العماد – لمذكورة في القرآن الكريم ، وبها مدينة اوبار التاريخية المدرجة ضمن أهم عشرة اكتشافات في العالم ، الخبراء يصفون بأنها أكبر أسرار الشرق الأوسط الغامضة ، ويرجع الباحثون تاريخ بناء هذه المدينة إلى ما قبل (5) آلاف عام .

ولهذه الأهمية التاريخية والسياحية ، أصدر عاهل البلاد – حفظه الله ورعاه – قبل أكثر من عقدين توجيهاته ببناء فندق في نيابة شصر ، لكنها لم تنفذ حتى الآن ، الحسنة الإيجابية التي تستحق التشييد فعلا ، سفلتت الطريق إلى نيابة شصر ، وإقامة بنية تحتية في النيابة ، تمكنت من احتواء الساكنة الاجتماعية في مسقط رأسها .
وهنا كذلك ، لابد من الإشادة بجهود شباب ، تحدوا الرهان على صحراء الربع الخالي من عدة عقود ، ففجروا فيها المياه ، وسارعوا إلى زرعتها بإمكاناتهم البسيطة والمتواضعة قبل المزارع الحكومية والشركات الخاصة ، وأصبحت (1300) مزرعة للمواطنين ، كنجوم تتلألأ من أرض الصحراء مقابل النجوم التي تزدحم بها السماء ، لذلك ، لم تعد صحراء الربع الخالي على مسماها التاريخي ” خالية ” فهي الآن المستقبل؛ مستقبل أمننا الغذائي ، مستقبل سياحتنا ، مستقبل أمننا السيكلوجي ، ومستقبل بيئتنا النظيفة ، بل ومستقبل الساكنة الاجتماعية .







