ناصر الحارثي يكتب: ديل كارنيجي والوعاظ العرب بين التسويق لكتبه وإشاعة انتحاره

ناصر الحارثي يكتب: ديل كارنيجي والوعاظ العرب بين التسويق لكتبه وإشاعة انتحاره
ناصر الحارثي يكتب: ديل كارنيجي والوعاظ العرب بين التسويق لكتبه وإشاعة انتحاره

ناصر الحارثي

استطاعت كتب تنمية الذات أن تحقق انتشارًا واسعًا وتتصدر أرفف المكتبات ودور النشر، والعالم العربي بدوره تأثر كثيرا بهذه الكتب ووجدت في عالمنا العربي حاضنة تدعو إلى زيادة سوق هذه الكتب من خلال المحاضرات وكتب الوعظ الديني لتمتزج كتب تنمية الذات مع الإرشاد الديني، ولقد تصدر ديل كارنيجي هذه الكتب من خلال تبني عدد من الوعاظ الإسلاميين لكتاباته لكنهم في الآن ذاته أسهموا بنشر إشاعة حول انتحاره ليعكس باعتقادهم هذا سمو طرحهم الممتزج بطابع ديني على طرحه الدنيوي.

عاش ديل كارنيجي حياة بسيطة وفقيرة، حيث ولد عام 1888 في أسرة بسيطة، وكان معلمًا وفي الوقت نفسه مندوب مبيعات، قبل أن يصبح محاضرًا لأصحاب الأعمال وبعدها اكتسب شهرة واسعة وألّف في آخر عقدين من حياته عددًا من الكتب التي اكتسبت شهرة واسعة مثل “دع القلق وابدأ الحياة ، “فن التعامل مع الناس””، “فن الخطابة”، ” كيف تكسب الأصدقاء وتؤثر في الناس”، والمثير للاهتمام بأن كتابات ديل كارينجي أسهمت لاحقا وبشكل كبير في التسويق للأنشطة الوعظية الدينية في العالم العربي وهو ما لم يكن يكن يتصوره ديل كارينجي أن يحدث ذات يوم، ومن أهم الكتب التي حققت انتشارا واسعا في العالم العربي مستلهمة في نصوصها من كتب ديل كارنيجي هو كتاب جدد حياتك لمحمد الغزالي، وكتاب لا تحزن لعائض القرني، وكتاب استمتع بحياتك لمحمد العريفي، والواعظ السعودي عبدالرحمن السعدي في كتابه الوسائل المفيدة للحياة السعيدة، وقد حقق هؤلاء الوعاظ شهرة واسعة من خلال هذه الكتب التي كانت تحاكي كتب كارنيجي في تنمية الذات ولكن بقالب إسلامي مغلف بنصوص دينية.

وقد استطاعت هذه المحاضرات أن تسهم في رواج كتب تنمية الذات والكتب الدينية وهو ما أنتج ما يسميه البعض بتجارة الوهم الجديدة أو شعوذة القرن الواحد والعشرين، في حين يدافع البعض عن هذا التوجه باعتبار أنه ينمي مهارات البشر الشخصية ومهارات التعامل مع الآخرين والدين المعاملة فهي علاقة تكاملية تحسن من حياة البشر.

ورغم تأثر الوعاظ العرب بشكل كبير بكتب ديل كارينجي وما تتصف به المدارس الدينية التقليدية من الدفاع عن الفكرة الواحدة، لذا كان من السهل نشر وتسويق الكتب المرغوبة لأكبر عدد ممكن من طلابها ومتابعيها، كما رأينا في السلطنة من تسويق ضخم لكتب محددة مثل ” ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين “، وكتاب “رحلة عقل”، إلا أن عددا منهم شوّه صورة ديل كارنيجي من خلال الترويج لإشاعة وفاته منتحرًا وهو أمر غير صحيح حيث توفي بسبب إصابته بالورم الليمفاوي ” داءُ هودجكن “، وبغض النظر عن استغلالهم المباشر لعدد من كتبه في الترويج لمحاضراتهم الوعظية إلا أنهم استثمروا الإشاعة في إظهار فساد عقيدته على حسب رأي عدد من الوعاظ مثل د.سعد بن العتيق، والتي أدت باعتقاده إلى انتحاره ولم تسعفه نظرته الإيجابية للحياة مشيرا إلى أن الوعظ الديني أفضل بكثير من كتب ديل كارينجي لأنه غير نابع من عقيدة إنسان مؤمن بالدين الحق، بينما فكرهم الإيجابي المستلهم من القرآن والسنة يتسم بالنقاء رغم اعتمادهم الكبير على كتبه، وهذا الأسلوب يعكس البراجماتية والازدواجية في الآن ذاته التي يتمتع بها أسلوب الوعظ الديني. فلا يمكنك ادعاء الأفضلية لخطابك مقارنة بخطاب الآخرين بينما أنت تستوحي الكثير مما تقوله من خطاباتهم.

شارك هذا الخبر