أثير- د.عبدالله باحجاج
شعب الخليج واحد أو مجتمع واحد ، يرتبط بعضه ببعض بروابط مشتركة ، منصهرة ومندمجة في كل بنياته التحتية ، من مصير واحد ، ودين واحد ، وروابط اجتماعية واحدة ، وأبعاده السيكولوجية واحدة ، وينتمي للأمة العربية والإسلامية بنفس مجموعة الروابط سالفة الذكر، ويعد مصدر المال والايديولوجيا لهذه الأمة في صراعها ضد الكيان الصهيوني ، فماذا يحدث الآن لهذا الشعب الواحد والمتحد ؟ فقد وصل تردي حالته الى أن يصنع الأب العداء في نفسية ابنه ضد شقيقه ، وتصدر قوانين تجرم التعاطف بين الأشقاء .
حالة جنون جانحة تعبر عواصم الخليج الواحد ، فإذا لم نضع لها حدا عاجلا ، فسنتحول إلى مرضى نفسانيين ، نهاجم ونسب ونقذف بعضنا دون الشعور بالسأم والملل ، وكل المؤشرات تشير إلى ذلك ، والمتأمل ما يحدث الآن داخل المشهد الخليجي العام ، سيرصد كل علامات هذا المرض ، تتجسد وتنشر بين كل مكون ديموغرافي من مكونات الشعب الخليجي ، كالكذب وعدم الواقعية وشعور كل مكون الآن بأنه فوق الكل ، وأنهم أفضل من الكل .. رغم أنهم جزء من الكل ، و الكل جزء منهم .
من المؤكد أنه مرض نفسي ذات صبغة سياسية ، بمعنى ليس عضويا ، لكننا نخشى ترسيخه كمرض طبيعي ، نفقد الشعور بالعاطفة وتتسم شخصيتنا بالعصبية الزائدة ، وتفقد شخصيتنا الخليجية قيمها وأخلاقها ، وقد بدأت فعلا تتآكل ونشهد ذلك في عدم الالتزام الإنساني بالأخلاق في علاقات الشعب الخليجي الواحد بين ست عواصم دوله ؟ فهل منظومة وحدته الاجتماعية مستهدفة الآن ؟ رأينا ، كيف تم تمزيق الحد الأدنى من وحدة منظومته السياسية ، ورأينا كذلك حالة التصحر لمجموعة حقوقه الأساسية ، كالعيش الكريم والحق في التعبير وحرية التنقل .. والزج بفاعليه المستقلين في السجون ، وهذا كله يعزز البعد الغائي من تساؤل لماذا كل هذا يجري الآن بين الأشقاء في الخليج ؟ وكيف تنجح صناعة العداء بسرعة زمنية عالية السرعة ؟
عاهدت نفسي أمام الله جل في علاه ، ألا أسمح لها أبدا أن تكون أداة من أدوات صناعة هذا ” العداء ” لا من قريب أو بعيد ، لأنني قد أصبحت على قناعة تامة وكاملة ، بأنها فعلا ” صناعة ” ويقف وراءها قوى عالمية متصهينة ، شغلها الشاغل تفتيت الروابط الاجتماعية الخليجية الواحدة ، وتفريق كل مكون ديموغرافي من الدول الست ، وجعله – أي المكون – كقطع فسيفساء رغم جمالها لكنها لا ينبغي أن تشكل لوحة جمالية واحدة ومتحدة .
هل نجحت ؟ الإجابة عن التساؤل معروفة ، فحملات شحن التعبئة الدعائية التعبوية المضادة في نفسيات هذه الشعوب بما فيها حتى الأطفال ، قد تجلت أثناء كأس اسيا 2019 ، ووصلت ذروتها بفوز قطر بهذا الكأس ، لذلك أدعو كل من له قلم ورقي أو إلكتروني أو حضور فضائي أو أي تأثير في صناعة الرأي ، أن يقول خيرا أو ليصمت ، وحتى الصمت سيحاسب عليه ، لان بإمكانه أن يقول خيرًا ، لكنه يفضل الصمت .
للأسف قائمة المرضى في تزايد بانتشار جغرافي خطير ، بوعي مجاني أو بوعي مدفوع الثمن ، يريدون تحويل كل مكون ديموغرافي إلى أدوات حرب ، نحارب بعضنا البعض خارج نطاق العقل والمنطق ، وأول المتداعى لهذا النوع من المرض ، تحطيم المنظومة الأخلاقية والقيمية بحيث أصبحت المنظومة الأخلاقية تتآكل بالقذف والسب وانتهاك الأعراض … إلخ ومعها بدأت الانعزالية والتقوقع لكل مكون اجتماعي من المكونات الست .
والباحث في التاريخ الخليجي القديم والجديد ، لن يجد عداوات متجذرة بين الشعب الخليجي الواحد حتى يمكن أن تضربه الآن وتشطره تمزيقا ؟ لن نلجأ لهذه الكتب للاستدلال بها ، فقد وجدنا في ذاكرة أحد ” شيبتنا ” مبتغانا ، عندما حدثنا في حسرة وألم ، أنه لم يكن يتصور ، ولن يتصور ، أن يأتي يوم من الأيام وتتحول العلاقات التاريخية بين الشعوب الخليجية إلى ما وصلت إليه من قذف وسب وشتم وعدوات وبغضاء .. إلخ .
حدثنا عن قرون من العلاقة المستقرة والمتضامنة ، وحدثنا أنه من كان يضيق عليه العيش في بلاده ، كان سيجد قلوب أهله أينما اتجه في خليجنا الواحد مفتوحة له .. فتاريخيًا ، تمت المشاركة وتقاسم الرزق كأسر وبدرجات القربي المختلفة رغم ضيق العيش ومصادره المحدودة آنذاك ، فكيف يضيق بهم الحال الآن وقد تعددت مصادر رزقهم وتنوعت ؟
التساؤل الأخير جدير بالبحث والاستقصاء ، ومن الأهمية بمكان نشره لكي يصل إلى أصحاب العقول الفاعلة قبل فوات الأوان ، وإلى الرأي العام لعلنا من خلاله نرفع الوعي بخطورة ما يخطط لمنطقتنا الخليجية ، وكيف يسهم الفرد منا بلا وعي في نجاحها، فأول خيط قادنا إلى التوغل في الأعماق هذه المسألة ، هو مشهد انكفاء كل شعب خليجي داخل محيطه الضيق ، منعزلا أولا عن محيطه العربي والإسلامي والآن عن أصوله الاجتماعية الخليجية الواحدة أو المشتركة ، عبر صناعة عدوات قهرية ، ظهر كل شعب في إطار عزلته يقلل من الآخر ، ويمجد ذاته ، ويرتمي في أحضان أعدائه .
ومن هذا المشهد ، برز لنا الكثير من النظريات المتعددة ، لكنها ورغم ذلك ، فإن لها ارتباطًا مباشرًا ومستحكمًا من حيث نتائجها، وجميعها تصنع عداوات زمنية لدواعي المرحلة الكونية الجديدة ، بصورة غير مسبوقة ، لم تفعلها الأزمات السياسية الحديثة التي مرت على الدول الست كالأزمات الحدودية .. التي لم يكن لها هذا التأثير على الشعب الخليجي رغم أن بعضها قد شطرت جغرافيته ، وأقيم عليها دول من قبل المستعمر لدواعي فرق وتسد ، صحيح فرقت الأسر الحاكمة ، لكنها لم تفرق روابط الشعب الخليجي .
وفي بحثنا الاستقصائي، وجدنا أن المفصل التاريخي لهذا التحول يكمن في مجي ترامب للحكم في أمريكا مما جعل مصادر العيش الخليجي وثرواته المتعددة شأنًا أمريكيًا ،ومن أجلها مارس أقصى الضغوطات على أنظمتها ، ونجح بامتياز ، لكن ، لم يكن هذه الثروات لوحدها الغاية الأمريكية الوحيدة فقط ، وإنما كانت هناك مجموعة غايات كبرى هي استمرار لمخططات تدمير القوة العربية والإسلامية التي بدأت بالعراق ومن ثم وسوريا … إلخ .
والآن يأتي الدور على منطقة الخليج الغنية بأموالها وبحيوية شعوبها وديناميكية ايديولوجيتها ، فلا يمكن لأي خطة أن يكتب لها النجاح ما دامت الشعوب الخليجية متحدة ومتماسكة وغنية ومصدرة للأفكار ، لذلك جاءت خطة التفريق والتشتت متزامنة مع خطة ابتلاع ثرواتها ومتسقة زمنيا مع خطة تجريد الدولة المذهبية الكبرى في المنطقة من قادة المذهب والزج بهم في السجون .
والغريب هنا ، أن البعد المذهبي لم يتم استغلاله في صناعة الجنون في الخليج رغم تأثيره وفعاليته ، لماذا ؟ لخوفهم من فقدان حالة الاستقرار في المنطقة ، لأنها تعني لهم الشيء الكثير لتحقيق صفقة القرن ، ولانتقال واشنطن نحو القرن الأفريقي عبر البوابات المائية الخليجية خاصة تلك البعيدة عن مضيق هرمز ، من هنا يتم صناعة الجنون على أساس إثارة الحساسيات في قضايا ثانوية ، وقد قع كل مكون جغرافي في كل دولة ضحية له ، دفع به دفعا خارج نطاق العقل ، لذلك لابد من استعادة عقل الشعوب حتى يمكننا تفويت تحقيق أجندة قوى الشر التي أصبحت تركز جهودها الشريرة على منطقتنا الخليجية .
وهذه المرحلة قد جاءت بعد نجاحها الكبير في تحطيم قوى المواجهة العربية الرئيسية ، ونجحت في تحييد أهم عناصر القوة الخليجية الناعمة وهي ” المالية ” وجعلها خارجة عن معادلة الصراع العربي الصهيوني ، وهي نفسها تعمل الآن على تمزيق وتشتيت عنصرين أساسين آخرين من قوتنا الناعمة ، وهما المكون الديموغرافي والبعد الديني .
وما التحولات والمتغيرات الكبرى التي تحدث في بعض دولنا الخليجية إلا مؤشر نقدمه هنا كأهم الاستدلالات على استهداف تحويل المجتمعات من طابعها الديني المتشدد إلى طابع مدني متعايش، لكن التطبيق يجنح نحو التحول الديناميكي الفوري ، أي غير المتدرج والمحسوب ، مما نخشى على مثل هذه المجتمعات من ردود فعل عكسية أو انعكاسات غير محسوبة قد تخلق وقائع جديدة ودائمة تضرب المرحلة السياسية المقبلة .
وهنا ينبغي أن نكشف دور معاهد مثل معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى ، ومراكز مثل مركز ” راند ” في صناعة العداء في الخليج – قد نتناولهما في مقال مقبل- التي أصبحت لها فروع في معظم – إن لم يكن – كل دولة خليجية ، فكلنا نعلم من وراء هذه المعاهد والمؤسسات من أجندات لم تعد سرية ، وقد أصبحت توظف شركات النفط وصناعة الأسلحة والإعلام كأدوات ضغط مرتفعة لتحقيق مخططات ، بهدف شغل دول المواجهة العسكرية والمالية والأيديولوجية بمشاكل داخلية من أجل أن يظل الكيان الصهيوني آمنًا في وجوديته ، بل أصبح يُنظر إليه الآن بأنه الضامن لبعض الأنظمة في المنطقة ، وهنا تبدو المفارقة الكبرى .
من هذا الوعي ، نحمل رسالة من شقين أولهما ” قول الخير ” والثانية ” عدم الصمت ” عبر الكشف عن مخططات المتآمرين والمتواطئين معهم ، وندعو الكل إلى أن يقول خيرًا أو على الأقل فليصمت ، فضررها سيكون على الأقل أخف ، فمن سينضم إلى حملة قول الخير ؟ وكل من يصر على الجنون عليه أن يتقي الله ، ويفكر في تبعات نشر الفتنة ، وعليه أن يفكر بمرحلة ماذا بعد صناعة العداوة والبغضاء ؟ لن نتردد في القول بأنها مرحلة ” سفك الدماء ” لا قدر الله ، اللهم أرنا الحق حقا ، وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلا وارزقنا اجتنابه .





