د.رجب العويسي يكتب: المعلمون وصناعة أمن الوطن

عن الكاتب

د. رجب  العويسي
د. رجب العويسي

‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏كاتب ومؤلف وباحث

د.رجب العويسي يكتب: المعلمون وصناعة أمن الوطن
د.رجب العويسي يكتب: المعلمون وصناعة أمن الوطن

د. رجب بن علي العويسي

يأتي تناولنا لدور المعلم في صناعة الأمن، والأسرة التربوية تحتفي بيوم المعلم العماني، للعلاقة المشتركة بين الأمن والتعليم، فإنسانية الأمن تضع في مسؤولية التعليم البحث في إستراتيجيات تقوية البناء الفكري للإنسان بما يحفظ له كيانه ويحافظ على إنسانيته، على أن التحولات التي شهدتها منظومة الأمن وارتباطها بالإنسان فكره ووجدانه ومشاعره وممارساته، وما يعيشه إنسان اليوم من متغيرات وأحداث وتناقضات، قد أفصحت عن الحاجة إلى هذا التناغم بين التعليم والأمن، وتعميق دور الممارسين في مؤسسات التعليم في بناء الأطر الداعمة لبناء الوعي الأمني وتأصيل ثقافة الأمن في سلوك المتعلم وتعزيز حضورها في نفوس طلبة العلم، لتصبح سياجا يحفظهم من الانحراف، وحصنا يؤسس فيهم قيم المسؤولية، فإن التحديات الناتجة عن نفوق القيم وانتشار الجريمة وقضايا الأمن الاجتماعي والسقوط الأخلاقي والقيمي، والنزعة نحو الفردانية والشهوانية والفوقية، وحالة الاضطراب الفكري، وسرعة إصدار الأحكام والإشاعة والمفاهيم التي يروجها الإعلام غير المسؤول، وثقافة الخوف والقلق  التي أنتجتها غوغائية السياسة، وإسقاط هذه الأحداث على واقع المجتمعات وبنائها الفكري أحدث حالة من الفجوة الحاصلة والتأثير العكسي الذي انعكس على مفهوم الولاء والانتماء والمواطنة والهوية، وأثرت على سياج الأمن والقناعات التي يؤمن بها الأجيال حول وطنهم، وطريقة التعاطي مع المسؤوليات والواجبات والحقوق وغيرها من الأحداث التي باتت تنم عن فجوات وتباينات عميقة تعيشها الأجيال.

على أن ما يعيشه أبناء اليوم من تحديات فكرية وأزمات أخلاقية، وما يعايشونه من انتكاسات  سياسية وإعلامية واقتصادية وحالة الفوضى اللا أخلاقية التي يعيشها عالمهم، كان إيذانا بالبحث عن أطر تنهض بالأجيال وأدوات ترقى بهم وتأخذ بأيديهم، لقد تطلب هذا الوضع دورا أعمق لمؤسسات التنشئة الاجتماعية، والتي يشكل التعليم عالي الجودة بمؤسساته أحد أهم هذه المؤسسات وأكثرها تأثيرا  في صناعة التغيير وصقل الممارسة وتهذيب الأدوات وتحصين الذات، ليأخذ بيدها ويؤسس وعيها بالواقع ويربطها بالمبادئ والأخلاقيات التي تبرز خصوصية الإنسان الواعي وكفاءته، لذلك فإذا كان ثمة علاقة بين التعليم والأمن فإن أساسها هو ذلك المعلم المخلص الوفي لوطنه الذي تتعدى مسؤولياته غرفة الصف الدراسي لتنتقل إلى المحيط الخارجي، لما يمتلكه من صلاحيات التغيير ووضوح النهج ورصانة التجربة وكفاءة الخبرة وسماحة الفكر وحكمة التدبير، وتصحيح الواقع وتوجيه النشء لما فيه صلاحهم ومستقبل أوطانهم، فكان هذا الدور منطلق للبحث في عمق المسؤولية وعظيم الأمانة، فيتجه للأجيال لينتشلهم من مساوئ الواقع وأحداثه ويبني لهم آفاقا أرحب ويفتح لهم نوافذ الأمل المتجدد، لحياة ملؤها التفاؤل والإيجابية، ليعبر بكل فخر عن منجز المعلم وعطائه، وشموخه في سماء الوعي، وتصدّره قائمة المنافسة في الإنتاجية والعطاء، لما يحمله من شرف الرسالة وعظمة المسؤولية، وما يؤسسه من معين الأخلاق وفضيلة القيم في نفوس أبنائه فيصقل شخصيتهم لتعبر عن هويتهم الوطنية وقيم مجتمعهم الأصيلة.

من هنا كان المعلم ولا يزال صانع الأمن والأمنيات، و نبراس المعرفة ومجدد الذكريات، وطريق النجاح ومنبع الوفاء، وطريقة التضحية وروح الوعي ونبض الوطن وشموخ الإباء بما يسطره من بصمات في سلوك النشء، ليمارس دور المربي الناصح  الأمين، والأب الحنون والأم الرؤوم، ويقوم بدور الشرطي ورجل الأمن في الحفاظ على مقدسات الوطن ومنجزاته عبر ما يسطره في نفوس الطلبة من درر الكلم وجواهر القيم، ويمارس دور الموظف في إنتاجيته وعطائه، لذلك جمع الخير كله، ونال استحقاقات التميز في اكتمال حلقاته، نور يمشي بالأمة إلى المجد، ويخطو خطوات الواثق لبلوغ الثريا في وعي واستدامة، ورؤية ورسالة، ومنهجية وتخطيط وتنظيم، على أن طبيعة الرسالة التي يحملها والمنهل الذي  يقتبس منه مساحات  البناء، والقيم التي يترجمها إلى منصات التزام وعمل وإنتاجيه، أعطت هذا الدور أهميته وأسست له كيانه وعظمت له موقعه، فكان بذلك الطريق  للسير بالمجتمع لبلوغ القوة، إنه يحمل العلم والعمل ويؤسس لنهج الحكمة عبر البحث والدراسة واكتمال الدليل والبرهان وفق آلية عمل أٌسست على الموضوعية والمنهج العلمي المؤطر، وهو في كل ذلك يتفاعل مع فلذات الأكباد الذين يقوى بهم ساعد العطاء، وترقى بهم أركان التنمية، وهو دور يضع المعلم اليوم أمام مسؤولية أعظم ومسيرة أقوم تقوم على الإخلاص وتحمل المسؤولية وبناء الذات، فإن ما يعيشه عالمنا المعاصر من تحديات ويتأثر به من متغيرات ويعانيه من أزمات تمس قيمه ومبادئه وأخلاقه وهويته ومسيرته ومكتسباته، بحاجة إلى دور المعلم في تأطير السلوك الحميد في سلوك الأجيال وتعميق قيم المسؤولية في نفوسهم وإبراز قدراتهم ومواهبهم لتصل إلى تحقيق الأهداف وتتعايش مع الطموح وتنقل المتعلم من حالة البأس إلى الطموح وشغف العطاء والإنجاز ومن السلبية إلى الإيجابية، فيؤسس لأمن الوطن وأمان أجياله، لما يغرسه في نفوسهم من قيم المواطنة وحب الوطن ووجدانياته، ويعمقه فيهم من الولاء والانتماء، لتصبح هذه الموجهات حقائق ماثلة للنشء، ومساحات تبرز فيها فرص المنافسة من أجل الوطن وإنسانه، فإن التأثير الذي يمكن أن يصنعه المعلم في رسم اتجاهات الأبناء، وتعميق اهتمامهم بقضايا الأمن والسلامة الشخصية والسلوك العام في كل مواقف الحياة اليومية، لذلك شكل المعلمون مفردة إنسانية لها موقعها الحضاري ودورها الريادي ومكانها الشامخ، وقدرها الذي يملأ الصغير والكبير، حافظون لمكانته، عارفون بحقوقه، مدركون لحجم رسالته، مؤمنون بإرادة التحدي التي يحملها في أداء مهمته، وتشكيل سلوك المتعلم  وبناء لبنات الوقاية.

وعود على بدء، فإن الاحتفاء بيوم المعلم العماني الذي يصادف الرابع والعشرين من كل عام تجديد للعهد الوطني والإنساني نحو المعلم برعايته والإعلاء من مكانته والاستمرار في إبراز إنتاجه وتقدير عطائه ومنحه الثقة في بناء الأجيال وصيانة الأوطان برعاية أبنائها وتعزيز حضور عامل المسؤولية لديهم في كل موقع وعند أي موقف، ويبقى تأكيد دور المعلم في صناعة الأمن مرتبط بقدرته على تهذيب أخلاق المتعلم وصناعة القدوة فيه، وصقل خبراته ومواهبه والعناية بتجاربه، وتعزيز الابتكارية في كل توجهاته نحو بناء مستقبله عبر التجربة والتطبيق والمناهج والأنشطة، فيؤسس في ذات المتعلم قيم الخير والتميّز، ويقوّي فيه ساعد الجد ونمو فضيلة الإخلاص وتبرز قيمة الاهتمام لديه وترقية فرص الالتزام بالقوانين والأنظمة، وعندما يمارس المعلم دوره بوعي ومهنية ويقترب من فقه الطالب وسلوكه ويأخذ بيده ويؤسس فيه نوازع الخير وقيم الفضيلة عندها تتحقق مدركات الأمن والسلامة ومحددات الوقاية في سلوك المتعلم وما يستدعيه واجب المحافظة على أمن الوطن وصون مقدساته، ويبقى احتفاءنا بيوم المعلم العماني منطلق لإعادة هندسة الممكنات التعليمية الداعمة للمعلم في السياسات والتشريعات والخطط والبرامج، بشكل تقترب من طموحاته وتتناغم مع أولوياته وتستفيد من أطروحاته، ولتضع استراتيجية التعليم 2040 ورؤية عمان 2040 أمام أهدافها، كيف يمكن توظيف مؤشرات التميز والنجاحات التي حققها المعلم العماني وأثبت حضوره فيها في إعادة إنتاج واقعه وضمان الاحتواء لأفكاره وتعزيز التشريعات التي تضمن توفير الممكنات والصلاحيات الداعمة له في تعزيز دوره الأمني، فيصبح المعلم بذلك ميسرا لتقريب المفاهيم الأمنية من أذهان المتعلمين وتحصينهم من كل المفاهيم الخاطئة والأفكار المغلوطة التي باتت الأجيال تتلقاها من مصادر المعرفة المتعددة بدون تمحيص أو فهم لمنطلقاتها، ليصنع بذلك سياجا مثبتا في ثقافة المتعلم وفكره في صون نفسه والمحافظة على حقوقه، من أن تطالها أيادي العبث فتسيء لوطنها أو تظلم حقه عليها، وعندما تلتمس الأوطان في فقه المعلم ورسالة العلم هذه المؤشرات، عندها تضعه في موقع التقدير والاهتمام، وتتنافس مؤسسات المجتمع في أن تحظى بشرف خدمتها للمعلم، لما يؤسسه من قناعات وأطر ومسارات لحياة الأجيال، مصونة بالعلم محفوظة بالثوابت الأصيلة من القواعد والأطر المجتمعية، ليجد خلال هذا النهج مسارا أكبر لتحقيق الأمن وترسيخ النظام وتعميق مسؤولياته في أن يكون الحارس الأمين على تراب وطنه القائم على حدوده وحرماته الناصح لأبنائه، الوفي لسلطانه، فهو القدوة لهم في التزام الواجب وتقدير الإنجاز وترقية النفس وتعميق قيم التسامح والتصالح والسلام.

شارك هذا الخبر