د.عبدالله باحجاج
كان العقيد إبراهيم بن محمد البلوشي شخصية مقربة من السلطان سعيد بن تيمور، ملازما له، وفي حالات كثيرة مندوبا عنه لحل بعض المشاكل المحلية، ولما منح لقب “عقيد” صرف له السلطان سعيد سيفًا وخنجرًا “صورتهما مرفقتان مع المقال” وكذلك مزرعة، كما منحه السلطان سعيد منزلا بجوار قصره في الحصن لكي يكون قريبا منه، وقد تم تثبيت ملكيته بأوامر سامية من لدن عاهل البلاد حفظه الله ورعاه.


وفي فترات قصيرة، عاصر عاهل البلاد حفظه الله في مرحلة شبابه –كما تظهر إحدى الصور المرفقة– كما كان والده محمد شخصية ولائية من حول السلطان تيمور، وهذا يعني أن هذه العائلة ولائية بامتياز، خلصت لسلاطين آل بوسعيد، وكل من نسأل من جيلنا المخضرم عن العقيد إبراهيم البلوشي، يحدثنا عن كرمه وأخلاقه وتواضعه وأدواره في خدمة السلطان، نتمنى أن نوثق مسيرته مستقبلًا سواءً عبر محتوى خاص به أو سلسلة مقالات عنه وكذلك عن الآخرين الذين خدموا وكانوا حول سلاطين البلاد.

وتعكس صور العقيد مع السلطان سعيد -المرفقة مع المقال-، درجات الاقتراب والقرب من السلطان، وهي في ذاتها ناطقة بمضامين الرسائل العديدة والمتنوعة التي نود توظيفها لخدمة قضية ورثة العقيد وفي الوقت نفسه ورثة عوائل أخرى تتحفظ على تعويض نزع ملكية منطقة الحافة، وقد كتبنا عنها –أي القضية- عدة مقالات بسبب عدم عدالة التعويض قياسا بممتلكاتهم القيمة، لكننا لم نتمكن من إقناع السلطة المحلية المكلفة بهذا الملف بالاعتداد بالجوانب الموضوعية والإنسانية لقضيتهم، مما دفع التفكير بنا إلى استدعاء حمولات ثقيلة من التاريخ لعلنا ننجح في تحريك قضيتهم من منظورين أساسيين، هما أن الوفاء لن يموت يا وطني، وضرورة الاعتداد بحجم مصالح الأفراد حسب أهميتها وعدم العدالة في مساواة التعويض.


• مشروع تطوير الحافة وحقوق ورثة العقيد
من أهم المآخذ التي تسجل على قضية تعويضات منطقتي الحصن والحافة، أنها ساوت بين ممتلكات المواطنين، ولم تعتد –كما ينبغي- بمواقعها المختلفة ولا أهميتها الاقتصادية، من هنا تظهر إشكالية هؤلاء الورثة، فمنزلهم ومحلاتهم التجارية التي كانت أصلا ممتلكات العقيد تقع في منطقة الحصن، فقد جرى عليها ما يجري على كل الممتلكات الخاصة في منطقتي الحصن والحافة من نزع ملكيتها لصالح التطوير.
والحالات المتحفظة حتى الآن –وهى قليلة جدا- بما فيهم ورثة العقيد ليسوا ضد النزع أبدا، لكنهم ضد التعويض المالي والعيني، وخاصة الأخير، فقد منحوا أراضٍ بديلة في منطقة جديدة تفتقد للبنية التحتية، وتحتاج لعقود حتى يستفيدوا منها سكنيا واقتصاديا على عكس ممتلكاتهم الراهنة، فلو أخذنا مثلا ممتلكات ورثة العقيد، فهى تقع قبالة سوق الحصن القديم –كما توضحها الصور المرافقة– حيث يمتلكون فيها (41) محلا تجاريا يدر عليهم ما يبلغ “17” ألف ريال عماني شهريا، يوزع على أطفال قصر وأرامل وشباب دون عمل.. إلخ.

ولو قبلوا التعويض المعروض عليهم، فإنهم سيفقدون فورا تلكم الآلاف الشهرية، وهنا منطقة تعاطف مع مثل هذه الحالات، صحيح سيحصلون مقابل مساحتهم البالغة أكثر من (ثلاثة آلاف وخمسون) مترا مربعا، على أرض مقدرة بنسبة وتناسب، لكن أين؟ هنا جوهر القضية، فمقابل الأهمية الاقتصادية الكبيرة لهذه الأرض وحجم العائد المالي لمحلاتها التجارية، يفترض تعويضهم بأراضٍ تجارية في مواقع قائمة فعلا، وتعيش حركة تجارية، حفاظا على مصدر رزقهم وليس العكس.
لذلك، وجدناهم –الورثة– بعد أن التقينا بعضهم– بناءً على طلبهم- في قلق مرتفع، وشعور بالظلم لو فرطوا بممتلكاتهم التي تدر عليهم آلاف الريالات شهريا، ولن نحس بهذا البعد إلا إذا تلبس كل فرد منا حالة الورثة بعد ما أوضحنا القليل من ملابسات قضيتهم، فماذا سيكون موقفنا؟
ورثة العقيد ليست الوحيدة
تعاني كذلك من قضية التعويض غير العادل، عائلتين في منطقة الحصن، وقد حاولنا التواصل معهما، لكننا لم ننجح، كما يوجد البعض في منطقة الحافة –وهم قلة– وأغلبها بساتين واقعة على الواجهة البحرية المطلة على بحر العرب، لذات الأسباب، وهي شعورها بعدم عدالة التعويض، بينما الأغلبية قبلت التعويض المالي والعيني، وهذه خيارات مقدرة ومحترمة، لكن المتحفظون عندهم أسبابهم الموضوعية، وهى بدورها ينبغي أن تقدر ويعتد بها.
وكان بالإمكان إرضاء الجميع، لو تم تقدير الأهمية النسبية للمواقع أولا، ومن ثم أن يكون التعويض وخاصة العيني متناسقا ومنسجما مع هذه الأهمية، خاصة وأن هناك أراضٍ تجارية وسكنية، كشف التوزيع الأخير عنها، أنها يمكن أن تشكل البديل المقبول لهم، وللأسف هذا لم يحدث، مما أصبح كل متحفظ مصرا على قوة تحفظه مهما كانت أسوأ السيناريوهات.
• الإنذار الأخير بالإخلاء
منذ يومين فقط، وجهت لهم إنذارات بإخلاء المنازل والمحلات التجارية من أجل هدمها، وقد حددت مهلة أسبوعين فقط، وهذه ليست المرة الأولى، فعلاقة الجانبين شد وجذب منذ عدة سنوات.. أخرها قبل أكثر من شهر عندما قطع التيار الكهربائي عن الورثة في تمام الساعة السادسة والنصف، أي قبل ساعات العمل الرسمية -وفق ما أوضحه لنا أحد الورثة- هل هذا إجراء قانوني؟
وقد عانت ورثة العقيد أشد معاناة من جراء حرمانها من التيار الكهربائي، ففيها مرضى السكري والضغط.. مما لجأوا إلى شراء الثلج للحفاظ على أدويتهم.. وتحت هذه الأبعاد الإنسانية، رجع التيار الكهربائي في المساء.

والآن يجدون أنفسهم مجددا في المربع نفسه، مهددين بنفس الإجراء بعد أقل من أسبوعين، وهم لا يزالون في منزلهم كغيرهم، ومحلاتهم تمارس نشاطها التجاري.. فكيف سيكون المشهد الجديد بعد انتهاء مهلة الأسبوعين؟
العقل والحكمة ينبغي أن تكونا سيدتا الموقف، فليس بمثل هذه الطرق تنتزع الممتلكات من المواطنين، فلو انتزعت مثل هذه الممتلكات التي لا تقدر بثمن من متنفذ كبير، هل سيقبل بما عرض عليه من تعويض؟
والأغرب، ما كشفه لنا أحد الورثة بعد مراجعته السلطة المختصة، أن ملكية منزلهم قد حولت إلى مؤسسة معنوية عُليا “نتحفظ عن ذكر اسمها– فكيف يحدث ذلك، والملكية الأصلية لا تزال باسم الورثة “ومرفقة هنا”؟ بل طلب منهم مراجعة هذه المؤسسة العليا، ولما راجعوها، قيل لهم أنهم لا يعرفون شئيا عنها، ماذا يجري في الكواليس؟ وأين الشفافية؟ وكيف ينبغي أن يكون التطوير على حساب مصلحة المواطنين، خاصة وأن هناك إمكانية كبيرة في التوفيق والتوافق بين مجموع المصالح؟

وأخيرًا، نتساءل ماذا سيجري بعد أسبوعين لما تبقى من منازل؟ هل ستهدم فوق ساكنيها أم سيقطع عنها التيار الكهربائي وخدمة الماء؟ وهل ستغلق محلاتها بالشمع الأحمر أم سيتم إعمال العقل والحكمة؟ القضية مفتوحة للمتابعة…






