د.رجب العويسي يكتب: ماذا بعد تدشين البرنامج الوطني ” هويتنا : قيم ومسؤولية”؟

د.رجب العويسي يكتب: ماذا بعد تدشين البرنامج الوطني ” هويتنا : قيم ومسؤولية”؟

د. رجب بن علي العويسي – خبير الدراسات الاجتماعية والتعليمية
في مجلس الدولة


يأتي تدشين وزارة التربية والتعليم في الحادي والعشرين من فبراير الماضي للبرنامج الوطني ” هويتنا: قيم ومسؤولية”، استمرارا للجهود الوطنية الساعية نحو بث الوعي  بالتربية على  القيم والممارسة العلمية والعملية  لمفاهيم المواطنة وتعزيز الانتماء وترسيخ الهوية في نفوس النشء وممارساتهم، وهو تعبير عن شراكة وطنية  تسعى لتأصيل المبادئ  العليا التي أكدت عليها فلسفة التعليم والاستراتيجية الوطنية للتعليم 2040، ومع الاعتراف بما يحمله هذا البرنامج من طموح في ظل وضوح الأهداف والغايات والمجالات التي  يسعى لتحقيقها، فإنه بذلك يستدعي الكثير من العمل على المستوى الوطني والمؤسسي والمجتمعي، لتجيب عن مرحلة ما بعد التدشين والخطوات القادمة التي سنشهدها على مستوى السياسات والخطط والأدوات والآليات الداعمة لعملية التنفيذ، وما يصاحبها من محطات عمل تسويقية وتنفيذية وتأطيرية وتشريعية وتقييمية قادمة تصنع من البرنامج قيمة مضافة في حياة أجيال الوطن.

على أن تناولنا لهذا الموضوع  ينطلق من فرضيتين أساسيتين، تقوم الأولى على  الموقع الذي يشكله  البعد الوطني في منظومة التعليمي، للقناعة بأن تأصيل مفاهيم المواطنة والانتماء والهوية  في ثقافة النشء، الطريق الأنسب لبناء المواطن الواعي لأدواره، المدرك  لواقعه، المتفاعل مع أحداثه، والقادر على ترك بصمة تأثير إيجابي واضحة في عالمه، فإن ما يعيشه عالمنا المعاصر من احداث وتحديات وتواجه أجياله من  تباينات وتناقضات في كثير من مجالات الحياة، يضع على عاتق التعليم ومؤسساته مسؤولية  البحث عن استراتيجيات واضحة وأدوات رصينة تعمل على سد هذه الفجوات وتقريب  مساحات التفكير وإعادة النظر في آليات العمل بالشكل الذي يضمن لجهود التعليم الكفاءة والفاعلية، وهو ما نعتقد بأن على منظومة التعليم أن تعمل على استدراكه عبر بنيتها المؤسسية والتنظيمية، واتجاهها نحو توفير تشريعات اكثر ديناميكية وفاعلية تستجيب للمعطيات الحاصلة التي شكلت هوية التعليم واثرت على مدخلاته ومخرجاته، فإن معطيات الواقع ومستجداته تفرض على التعليم اليوم حضورا اكثر  لمؤسساته في بناء ثقافة المواطنة وتعزيز الهوية في ثقافة النشء باعتبارها المحك الأساسي لمعادلة التميز التعليمي، وإن أي نجاح في تحقيقهما سوف ينعكس على بقية المجالات، وهكذا أي اخفاق فيه سوف يترتب عليها انعكاسات سلبية على فكر الأجيال وقناعاتها وتوجهاتها وافكارها في التعاطي مع الواقع ومتطلباته، لذلك فإن تنبه مؤسسات التعليم إلى تبني مثل هذه البرامج النوعية التي تؤصل في المتعلم   منطق الاعتدال والحكمة والتوازن في شخصيته، وتؤسس فيه المعرفة المتكاملة ومنهجيات العمل المعززة للابتكار والبحث والريادة والمسؤولية والدافعية وثقافة الاتصال والانجاز والحوار والامن والسلامة الشخصية والصحة والالتزام بالأخلاق والقيم، سوف يعمد على تحقيق مخرجات نوعية ومنتج تعليمي  يتكيف مع  الواقع ويستوعب التجديد.

أما الفرضية الأخرى فتنطلق من تأكيدنا على أهمية النظر الى هذه البرامج باعتبارها محطات تنفيد واستراتيجيات أداء لترجمة هذه الموجهات والأفكار الى واقع عملي،  فهو ليس برنامج مستقل بذاته يعمل بمفرده عن بقية  البرامج الأخرى التي تبنتها الوزارة وبدأت بتطبيقها في المدارس، كما أنه لا ينبغي أن تفهم منها المدارس إضافة عبء جديد آخر على المعلم وإدارة المدرسة والطالب نفسه، ولا ينبغي أن يُفهم منه كذلك وجود ازدواجيه بين هذه البرامج وتقاطعات في الأهداف أو آليات التنفيذ وجوانب المتابعة،  إن التأكيد على وجود تناغم بين هذه البرامج الموجهة للطالب فيما يتعلق بالمواطنة والانتماء والولاء والهوية أولوية يجب ترسيخها في ثقافة القائمين على البرنامج والمتابعين له، بالإضافة إلى ضرورة توعيه الطلبة بأن وجود هذه البرامج وتعددها دعوة الى تأصيل ثقافة  التكامل والتناغم بين جملة الموجهات والاهداف والغايات التي تسعى إليها، وإن اختلفت اسماءها ومسمياتها،  فالمقصد الأساسي منها الطالب والدفع به الى تحقيق وتكوين سلوك إيجابي واع للتحولات التي يعيشها في مختلف الجوانب الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والفكرية والسلوكية،  وتقوية الممكنات النفسية والفكرية والدينية والخلقية والدراسية والتحصيلية لديه بالشكل الذي يؤسس  لصناعة القدوات وبناء القدرات وتعميق  رؤية متكاملة في اليات العمل ، لذلك  يجب أن تظهر هذه الصورة الإيجابية في عمليات التطبيق والمراجعة والتصحيح وتصميم الأدوات والتوجيهات والخطاب التعليمي والزيارات، فيشعر بها الطالب كما تشعر بها إدارة المدرسة والمعلم، وإدارة الكلية والجامعة والطالب في التعليم العالي، إن مسألة تعدد البرامج ليس من باب زيادة العبء بقدر ما هو افساح المجال لتحقيق المرونة  والديناميكية فيها، وتعزيز استيعاب الممارسين والطلبة لها، وخلق فرص اكبر لنمو  التجارب والخبرات والمواهب المحققة لأولويات البرامج وأهدافها وإعطاء صورة اكثر تفاؤلية بقدرة هذه البرامج مجتمعة على إدارة التغيير وحصول التكامل بين دوائر الوزارة المشرفة على هذه البرامج ، ووجود فرص أكبر  لثقافة الشراكة بين الوزارة والجهات المعنية بمجال المواطنة والهوية والقيم والأخلاقيات، بالإضافة إلى  وجود اندماج في قراءة المجالات العلمية والاقتصادية والمدنية والتواصلية والصحية والرياضية والبيئية  والدينية وعلاقتها جميعا بالبعد الوطني، ليصبح هذا البعد المصب النهائي لهذه الجهود جميعا، ومدخل يكسبها الثقة والقوة والفاعلية والرصانة ويقترب بها من الاحتياج الفعلي.

وعليه تطرح المعطيات السابقة البحث عن أولويات قادمة لنقل البرنامج إلى حيز التنفيذ، وفق مسارات عمل واضحة واستراتيجيات أداء دقيقة تراعي مختلف الظروف التي يعمل فيها البرنامج ويتناسب مع مختلف الفئات العمرية  التي  يستهدفها، ويتوافق مع  الاختلافات والتباينات الحاصلة على مستوى المؤسسة الواحدة والمؤسسات التعليمية الأخرى، وتوافقها مع  الأطر التنظيمية والتشريعية  التي تعمل عليها المدارس  في وزارة التربية والتعليم والجامعات والكليات بمؤسسات التعليم العالي، وجامعة السلطان قابوس، وحشد الدعم  للبرنامج  عبر تبني هذه المؤسسات له من جهة، ودور الشركات والقطاع الخاص ومؤسسات المجتمع المدني والاعلام في  المساهمة في  تعميق الوعي بالبرنامج، والتي تتأكد عبر تكاتف الجهود وتناغمها ووضوح المرجعيات وتنوع البدائل وتعدد سيناريوهات العمل والتوسع في الشراكات، وتوفر نماذج القياس للعائد، والتقييم والمتابعة للأنشطة والمبادرات، وبناء مؤشرات أداء وتقييم واضحة، وإيجاد بنية هيكلية وتنظيمية للبرنامج، ووضوح  الية التنفيذ، وموقع المتعلمين في البرنامج، والحوافز والدوافع والتنافسية التي  يؤسسها البرنامج، وتعزيز فرص بناء تشريعات قادمة واجندة عمل مقننه تقرأ الهوية في ظل قدرة الطالب على التعاطي مع هذه المجالات العشرة  للبرنامج كمدخل  للوصول إلى توقعات انجاز مرتفعة،  إن البرنامج في ظل تنوع أهدافه واتساع مجالاته وتعدد المؤسسات المشاركة في صياغة الاطار النظري له، نقطة تحول  لتقوية الرصيد الوطني وانتقاء أفضل الممارسات الوطنية وتعزيز المبادرات والمسؤوليات في بناء اطار وطني لصناعة هوية الأجيال وربطهم بتراثهم العماني وتأريخهم المشرق، بما يستدعيه من حوارات على أعلى المستويات  الإدارية والتنظيمية، وحضور أقوى لمجلس التعليم في الإشراف عليه،  فهل ستفصح الأيام القادمة عن بداية لجهود على الأرض وتهيئة مجتمعية وطلابية مخططة لاستيعاب مضامين هذا البرنامج والآليات التي سيعمل عليها؟

شارك هذا الخبر