د.عبدالله باحجاج يكتب : بلادنا ثقيلة في وجودها وموجودها ..فلا تخشوا عليها ، وإنما ..(1)

عن الكاتب

د.عبدالله  باحجاج
د.عبدالله باحجاج

كاتب، وباحث، وصحفي عُماني

د.عبدالله باحجاج يكتب : بلادنا ثقيلة في وجودها وموجودها ..فلا تخشوا عليها ، وإنما ..(1)
د.عبدالله باحجاج يكتب : بلادنا ثقيلة في وجودها وموجودها ..فلا تخشوا عليها ، وإنما ..(1)

أثير- د.عبدالله باحجاج

عندما كنا نتأمل في عمق الأطماع الخارجية لبلادنا وخلفياتها ، ونتابع تطور الاختراق الأجنبي للنخب العامة بوسائل قذرة ، ونرصد استهدافات الذباب الإلكتروني وتركيزها على بلادنا ، كان منسوب القلق يرتفع كلما علمنا بعرقلة أحد مشاريعنا الاقتصادية أو الاستثمارية. ويرسم هذا القلق المتصاعد صورًا ذهنية حول عمق الاختراق ونتائجه، وما هو أبعد منه .

ولن نخفي سرا ذهنيا ، عندما نبوح بتساؤل يهز قلقنا ، كما توغلنا في عمق الاختراقات ، وانكشاف صور ذهنية دون أسماء عن نجاح الاختراق مع الكثير من النخب .. إلى أن وقفنا عند رؤية مجنونة ، فتحت لنا الأفق لمشاهدة الأغلبية قد تقع في براثن الاختراق .. لقوة الاختراق ووسائله القذرة ، ولضعفاء النفوس ، وعدم إلمامهم بعواقب ومآلات سلوكياتهم الخارجية .

وفي لحظة ما ، ولدواعي البحث والاستقصاء ، تساءلنا هل هناك مجال من المجالات أو نخبة من النخب لم يخترق حتى الآن ؟ تساؤل يميني متطرف ، ومن المؤكد أننا نبالغ فيه ، لكنه كان يشغل تفكيرنا منذ القدم ، وكنا قد كتبنا عدة مقالات حول الاختراق الأجنبي لمؤسسات المجتمع المدني وللنخب العامة المختلفة ، وأجري معنا عدة حوارات تلفزيونية حول الاختراق ومستقبله وأهدافه ، غير أن حضورنا لمحاضرة من ثلاث جلسات عميقة، استغرقت أكثر من خمس ساعات يوم الأحد الماضي، قد جعلتنا نسلّم بتلك المخاوف ، ونحذر منها بصوت مرتفع .

وقبلها ، شاءت الأقدار ، أن تتوفر لنا زيارات لبعض الولايات في السلطنة لأول مرة في حياتنا ، فلم يسبق لنا قبلها أن خرجنا من محافظة مسقط أبدا ، وكأنه قدر وجهنا لإنضاج رؤيتنا من مسألة القلق المتصاعد ، وتزامن مع ذلك ، وجودنا في زيارتنا لمسقط مناسبة مواتية لحضور معرض الكتاب الدولي الذي اختتم مؤخرًا، وهو أيضا ، يُعد حضورنا فيه ، لأول مرة منذ بدايته ، وفجأة ، يقع في أيدينا كتاب حول تجربة بلادنا مع المستعمر البرتغالي ، مما جعلنا نعيد تصويب قلقنا نحو اتجاهاته الطبيعية ، فالاختراق وحتى التجسس على بلادنا ، ظاهرة قديمة وليست حديثة ، وهذا يبدو أن سيكون قدر بلادنا الذي سيسبب لها صداعًا دائمًا ، وبالتالي عليها أن تتعامل معه من هذا المنظور ، فموقعها الجيوسياسي ، وأهميته الاقتصادية .. وحتى طبيعة نظامها السياسي ، يعدّه البعض شأنا إقليميا وليس داخليًا ، قد يؤثر على تنافسية المنظومة الجيوسياسية الإقليمية .
من المؤكد ” يقينا ” أنها -أي الاختراقات- وحتى التجسس ، لن تنال شبرًا من أرضنا ، صحيح قد ترمي بالكثير من النخب في مزبلة الخيانة ، وصحيح قد تعرقل أو تؤخر انطلاقتنا الاقتصادية إذا لم نعمل بذكاء على إحباط محاولاتها، لكنها لن تبتلع مكون بلادنا الثنائي ” الجغرافي و الديموغرافي ” .


أتدرون على ماذا نراهن ؟ برز لنا هذا الرهان بصورة ناطقة أثناء جولتنا في الولايات ، بدأت بولاية إبراء وانتهت بولاية صحار ، برفقة صحبة رفيعة المستوى ، ومنذ أن تجاوزنا ولاية السيب ، وأنا أتأمل بوعي ذلك القلق في الوجود والموجود لكل ولاية من الولايات التي نمر عليها أو تلك التي نتوقف فيها ، فخرجت من هذا التأمل بنتائج عامة وأخرى خاصة .

ويعبر عن الوجود هنا ، أشكال الطبيعة والجغرافيا .. وهي واحدة ومتحدة في الولايات ومتصلة بينها ، والموجود يعبر عنه هنا ، علاقة الإنسان مع هذا الوجود ، بحيث نجد أصوله – أي الموجود – سواء في المكون الديموغرافي في تفكيره وأحاديثه وارتباطه بأيديولوجيته بصورة لافتة ، أو نجدها في إنجازات النهضة العُمانية وسماتها ، وهي سمات واحدة في كل ولايات السلطنة من حيث أشكال البنية التحتية كالطرق والجسور ، أو من حيث سمات التنمية العمرانية أو من حيث شكل الهوية المظهرية.. أشكال واحدة ومشتركة .. غالب عليها الوحدة منذ الوهلة الأولى ، ولن نجدها سوى واحدة في كل ولايات البلاد .
وهذا يلاحظه ، كل من أمعن فكره ، وتأمل بعين التدبر والتبصر ، وهذا هو الفارق المدهش ، حيث إن الإنجازات المادية والمعنوية للنهضة العمانية لم تسير في الاتجاه المعاكس للكينونة الإنسانية العمانية ، وإنما ظلت حريصة على بقائها في إطار منظومتها القيمية والأخلاقية ، بل وانصهارها في سمات عامة ومشتركة ، بمعنى أنها صنعت حياة جديدة ، لكنها حافظت على المجتمع في هويته وقيمه .
وقد وجدنا الإنسان في هذه الولايات، أكثر أمنًا وأكثر استقرارًا في ذاته ومع مجتمعه وفي إطار نطاقه الوطني مع انفتاح فكره المذهبي مع الآخر الوافد إلى ولايته، وجدنا الإنسان فيها ، يعيش الحياة بمعانيها الإنسانية الحقيقية ، ككرم الضيف والترحيب به ، وطرق وعلائق تعامل إنسانية مثالية مع بعضهم البعض أو مع الآخر القادم إليهم من خارج ولاياتهم ، وفق عادات وتقاليد أصيلة متوارثة عبر الأجيال .
وتلكم تشكل معايير أخلاقية للسلوك في هذه المجتمعات المحلية ، في ظل التمسك بمقومات الهوية العمانية، كالكوفية والعمامة والدشداشة والخنجر .. وهي ثوابت أساسية في الشخصية العمانية ، وجدناها مترسخة في مختلف الأجيال ، وفجأة توارد إلينا تساؤل من رحم ذلك القلق المرتفع نفسه ، وهو كيف يمكن تصوّر أن يحل محل العمامة العمانية مثلا أي شكل من الأشكال الخارجية ، كالعقال مثلا مهما كانت أسوأ التحديات ؟
لذلك ، خرجنا من جولتنا في هذه الولايات بأن بلادنا ثقيلة في وجودها المادي ، فلن نخشى عليها أبدا من ابتلاع جزئي أو كلي ، وثقيلة في موجودها المعنوي ، وهذا يزيد الاطمئنان الثابت على الوجود ، ويكسبه قوة الحصانة ، فلن نخشى عليك يا وطني ، وإنما نخشى على من يبيع ذاته بمال أو بمنصب ضد وطنه ، أو يرتمي في الخارج في الأوساخ والقذارة قد تضربه لاحقًا ، ويجد مصيره بيد الآخرين ضد وطنه ربما دون إرادته – وقد حدث – سيبقى الوطن خالدا صامدًا إلى يوم الدين ، ومعه كل مخلص للوطن الخالد ، وسيكون مصير كل خائن العار في الدنيا ، وبئس المصير في الآخرة ، ولنقرأ كتب التاريخ منذ تجربتنا مع المستعمر البرتغالي ، كي يزداد وعيُنا بمصير كل خائن أو متواطئ مع الأجنبي ضد وطنه .



شارك هذا الخبر