محمد الهادي الجزيري يكتب: قطّ شرودنجر

محمد الهادي الجزيري يكتب: قطّ شرودنجر
محمد الهادي الجزيري يكتب: ديوان الشعر الأمريكي الجديد

محمد الهادي الجزيري

محمد الهادي الجزيري يكتب: قطّ شرودنجر
محمد الهادي الجزيري يكتب: قطّ شرودنجر

قدّمت هذا المبدع من قبل ..وأبقيت مجموعة من مجاميعه القصصية في رفّ ذاكرتي ..واليوم عنّ لي أن أقرأها وأقدّمها لكم ..نظرا لفداحة ما يرسم بالكلمات هذا الساحر المغربي المتيم بالقصّ ..والمولع بالسرد والحكايات ..فهيّا بنا نغوص معه في لجّ فكره الضاجّ بجواهر مطروحة لمن يهوي السباحة في فنّ القصّ …

حين يربط القاص بين الواقع والخيال ..بخيط سرديّ شفيف، وقع هذا الأمر في قصة قصيرة بعنوان ” رمال متحركة ” فبداية يوهمنا القاص أنّه شرع في إلقاء قصته على الحاضرين ..ولكنهم انشدّوا إلى صوت أنثوي يصدح بموّال أمازيغي، ثمّ يتراجع عن أحداث قصته ليحدّثنا أنّه كتب البارحة قصة مشابهة تماما لما يحدث الآن في القاعة ..بنفس الوجوه الحاضرة ونفس الصوت الأنثوي الأخاذ ويبدو أنّه يعيش لحظة كتابة جرّبها ..إذن كلّ هذا السرد يدخل في سياق قصته وبالتالي ..هو الكاتب/ الشاطب/ الماحي/ المبدع ..هو حسن البقالي…

المجموعة جلّها مكتوبة بنصوص قصيرة ومعبّرة ..، ومن القصص التي شدّتني هذه الفكرة المكتوبة في شكل خاطرة أو قصة قصيرة جدّا ..عنوانها ” خلوة ” يؤكد خلالها الكاتب على قدرته التكثيف والمقارنة بين حالتين، الحالة الأولى غياب الزوجين عن وسادتيهما والحالة الثانية عودتهما إلى البيت ..وتبدّل الأحوال وهذا متن هذه الأقصوصة :

” الوسادتان في غرفة النوم

تتبادلان الأحضان والقبل والنجوى

وحين يعود الزوجان مساء

تنكر إحداهما الأخرى

وتغرق فيما يشبه ..الموت ”

مواضيع مختلفة يتطرّق إليها حسن البقالي ..فمنها وحشية الإنسان ودمويته ..فمثلا قصة ” يحدث في إفريقيا الآن ” نكتشف الوجه الطاغية الذي يخفيه الإنسان في بواطنه ..أمّا المشهد الذي يقترحه علينا الكاتب ..فغابة من الجثث وقتل مبرمج ..بارد ..وكي يتكلّل هذا الكابوس يختمه برغبة أحد القتلة في الاستحواذ على قبّعة أحد المعدمين ..نقرأ ما يلي:

” أطلق الرصاص على الصدر وتجنّب الرأس..أريد قبّعته.

كانت هناك رائحة زنخة تتسلّق البدلات العسكرية التي بلون الطحلب، وتقاطيع شائهة تأخذ مكانها على الوجوه والأطراف..وصاحبه يقول:

ـ أريد قبّعته.

ويتسربل بضحكة شنيعة ”

في قصة أخرى أخذنا القاص إلى موضوع حميميّ ..بعد أن حلّق بنا فوق مضامين كثيرة ..، هذا المتن القصير عنون ب ” الوشم ” ..تفتتحه صبية تداعب جدّتها وتسألها عن سرّ الوشم الذي يزيّن ذقنها فتصف الجدّة الأيام الجميلة ..تلك التي أهدتها الوشم ..زمان كان الجسد سلطانا والحبّ ملاكا طاهرا ..وحين تلحّ الصبية في السؤال تقول لها الجدّة:

” قريبا ..يأتي الربيع إليك عزيزتي، وتحصلين على وشم أجمل …”.

نخرج إلى السوق ..ونشتري خضارا وغلالا ولحما ومختلف الأشياء ..ولم يلق فينا سؤالا عن نسبة النظافة المتوفرة في المنتوجات المتنوعة ولا في باعتها مثلما القاص الملحاح الذي يريد أن يرى ما لا يرى..يتدخل في ما يعنيه وما لا يعنيه ففي قصّة ” أناس طيبون ” يفضح الغامض فينا ..والمتستر في وعينا ..فثمة أناس ليسوا طيبين جدّا ..نمدّ إليهم أكفنّا ونأخذ ما نحتاجه من قوت ..في حين أنّهم وسخون ..وتدلّ عليهم ملابسهم القذرة وروائح دكاكينهم ..، في الحقيقة ينبّهنا حسن البقالي إلى خطورة الباعة الذين نحيهم صباحا مساء ..ونتزوّد بالحياة من قِبلهم ..فهم ليسوا ثقاة ولا ملائكة ..:

” بائعة اللبن في زنقة ( المهندس )

بائعة الخبيزى والباذجان

وبائع السمك، والدجاج حيّا ومذبوحا

يقسمون على أن البضاعة طازجة، وبريئة من كلّ غشّ،

طبعا……….

أن يتلوى أحدهم من مغص

أو يطفح وجه ببثور جلدية حمراء

ويسدّ الآخرون خياشيمهم دفعا للنتانة الهاجمة على الحواس:

كلّ ذلك محض مصادفة عبيطة

مكر واقع يريد شرّا بباعة طيبين ”

في هذه المجموعة القصصية يثبت حسن البقالي أنّه انتقل من تجربة التجريب ومرّ إلى السرد المخاتل العظيم ..وأنّه كاتب موهوب ومهووس بما يفعل ..فلنتركه في ورشته الإبداعية ..ينحت لنا نصوصا جديدة …

شارك هذا الخبر